اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة الجريدة الكويتية
نشر بتاريخ: ١١ تشرين الأول ٢٠٢٦
يقدِّم د. محمد غانم الرميحي دراسة تحليلية لفهم السلوك التفاوضي الإيراني، مؤكداً أنه يتطلَّب تجاوز متابعة تصريحات المسؤولين ونتائج المفاوضات، والانتقال إلى دراسة المؤسسات التي تحدد الأهداف وتمنح الصلاحيات وتتخذ القرارات النهائية، مشيراً إلى أن المفاوض الإيراني لا يمثل نفسه، ولا يستطيع بالضرورة اتخاذ قرار نهائي، حتى عندما يبدو أنه يمتلك صلاحيات واسعة.تؤكد الدراسة الصادرة ضمن التقرير الاستراتيجي رقم 58 عن مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية في جامعة الكويت لعام 2026، أن وزارة الخارجية الإيرانية ليست الجهة الوحيدة المسؤولة عن تحديد السياسة الخارجية، فهناك شبكة من المؤسسات المتداخلة، أبرزها: المرشد الأعلى، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والحرس الثوري، ورئاسة الجمهورية، ووزارة الخارجية. وتختلف أدوار هذه المؤسسات ونفوذها وفق طبيعة القضية المطروحة.أولاً: الفكرة الأساسية للدراسة
يقدِّم د. محمد غانم الرميحي دراسة تحليلية لفهم السلوك التفاوضي الإيراني، مؤكداً أنه يتطلَّب تجاوز متابعة تصريحات المسؤولين ونتائج المفاوضات، والانتقال إلى دراسة المؤسسات التي تحدد الأهداف وتمنح الصلاحيات وتتخذ القرارات النهائية، مشيراً إلى أن المفاوض الإيراني لا يمثل نفسه، ولا يستطيع بالضرورة اتخاذ قرار نهائي، حتى عندما يبدو أنه يمتلك صلاحيات واسعة.
تؤكد الدراسة الصادرة ضمن التقرير الاستراتيجي رقم 58 عن مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية في جامعة الكويت لعام 2026، أن وزارة الخارجية الإيرانية ليست الجهة الوحيدة المسؤولة عن تحديد السياسة الخارجية، فهناك شبكة من المؤسسات المتداخلة، أبرزها: المرشد الأعلى، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والحرس الثوري، ورئاسة الجمهورية، ووزارة الخارجية. وتختلف أدوار هذه المؤسسات ونفوذها وفق طبيعة القضية المطروحة.
أولاً: الفكرة الأساسية للدراسة
تنطلق الدراسة من فرضية رئيسة مفادها أن التفاوض الإيراني ليس نشاطاً دبلوماسياً مستقلاً، لكنه امتداد لطبيعة النظام السياسي الإيراني، وتركيبته المؤسسية، وتاريخه السياسي.
ويرى د. الرميحي أن فهم السلوك التفاوضي الإيراني يتطلب تجاوز متابعة تصريحات المسؤولين ونتائج المفاوضات، والانتقال إلى دراسة المؤسسات التي تحدد الأهداف وتمنح الصلاحيات وتتخذ القرارات النهائية، لافتاً إلى أن المفاوض الإيراني لا يمثل نفسه، ولا يستطيع بالضرورة اتخاذ قرار نهائي، حتى عندما يبدو أنه يمتلك صلاحيات واسعة.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين ثلاثة مستويات:
* الخطاب السياسي الإيراني المُعلن.
* الأداء التفاوضي الذي تمارسه الدبلوماسية الإيرانية.
* مراكز السُّلطة الفعلية التي تحدد القرار النهائي.
ويفسِّر هذا التمييز جانباً من التناقض الظاهر بين تصريحات المسؤولين الإيرانيين وسلوكهم السياسي.
ثانياً: مَنْ يصنع القرار في إيران؟
تؤكد الدراسة أن وزارة الخارجية الإيرانية ليست الجهة الوحيدة المسؤولة عن تحديد السياسة الخارجية، فهناك شبكة من المؤسسات المتداخلة، أبرزها: المرشد الأعلى، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والحرس الثوري، ورئاسة الجمهورية، ووزارة الخارجية. وتختلف أدوار هذه المؤسسات ونفوذها وفق طبيعة القضية المطروحة. ويشير الرميحي إلى أن الخلافات بين المؤسسات لا تعني بالضرورة انهيار وحدة القرار، بل قد تعكس اختلافاً في الوسائل والأولويات، مع استمرار وجود أهداف استراتيجية مشتركة. والاستنتاج المهم هنا: لا يكفي الحصول على موافقة المفاوض الإيراني لضمان تنفيذ الاتفاق، بل ينبغي معرفة مدى قبول المؤسسات المؤثرة داخل النظام بمضمونه.
ثالثاً: الجذور التاريخية للعقل التفاوضي الإيراني
يربط الباحث السلوك التفاوضي الإيراني بتراكم تاريخي طويل، يبدأ من التجربة الإمبراطورية الفارسية، ويمر بالدولة الصفوية والدولة الحديثة، وصولاً إلى الثورة الإسلامية عام 1979. وقد ساهم هذا التاريخ، وفق تحليل الدراسة، في تكوين تصوُّر سياسي يقوم على المحافظة على الدولة، وحماية الهوية، وتجنُّب العُزلة، والسعي إلى توسيع هامش النفوذ. كما تركت الحرب العراقية- الإيرانية والعقوبات الدولية آثاراً واضحة في أسلوب إدارة الأزمات والمفاوضات.
وتشير الدراسة إلى أن التجربة الإيرانية أفرزت مزيجاً من التشدُّد في الخطاب والمرونة في الوسائل، مع ميل إلى تقديم تنازلات مرحلية عندما تفرض الظروف ذلك. ومن المهم التمييز هنا بين ثبات الأهداف الاستراتيجية وبين تغيُّر الأساليب المستخدمة لتحقيقها.
رابعاً: عباس عراقجي وتجربة التفاوض النووي
تخصص الدراسة مساحة مهمة لتجربة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بوصفه أحد أبرز المشاركين في المفاوضات النووية. وتبرز من خلال هذه التجربة مجموعة من السمات:
* الإعداد الفني: الاهتمام بالتفاصيل القانونية والتقنية والاقتصادية، وعدم الاكتفاء بالشعارات السياسية.
* الصبر وطول النَّفس: التعامل مع التفاوض بوصفه عملية تراكمية قد تمتد سنوات.
* المرونة التكتيكية: تغيير الوسائل والأساليب من دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن الأهداف الأساسية.
* التنسيق المؤسسي: ضرورة ارتباط الفريق المفاوض بمراكز القرار داخل الدولة.
لكن الرميحي يحذِّر من اعتبار مذكرات عراقجي مصدراً كافياً لفهم السياسة الإيرانية، لأنها تقدم تجربة أحد المشاركين، ولا تكشف بالضرورة جميع الاعتبارات التي تحكم القرار. ويؤكد أهمية مقارنتها بالمصادر الرسمية والوقائع التاريخية وشهادات المسؤولين الآخرين.
خامساً: فلسفة التفاوض الإيراني
تقدِّم الدراسة تصوراً للتفاوض الإيراني يقوم على عدة عناصر متداخلة، أولها أن التفاوض وسيلة لتحقيق أهداف الدولة، وليس غاية قائمة بذاتها. وثانيها، أن الوقت يمثل عنصراً مؤثراً في العملية التفاوضية، فقد تستخدمه إيران لتعديل موازين القوى، أو انتظار تغيُّر الظروف السياسية والاقتصادية والدولية. وثالثها، أن استمرار قنوات الاتصال لا يعني بالضرورة اقتراب الاتفاق النهائي. ورابعها، أن الخطاب السياسي المتشدد قد يتزامن مع استمرار التفاوض العملي، من دون أن يُشكِّل ذلك تناقضاً بالضرورة.
وتؤكد الدراسة كذلك أهمية عدم إغلاق جميع أبواب التفاوض في وقتٍ واحد، حتى خلال فترات التصعيد. ومع ذلك، فإن الباحث لا يعتبر هذه السمات حِكراً على إيران، بل يوضح أن دولاً أخرى تستخدم بعض الأساليب نفسها، وأن خصوصية الحالة الإيرانية تنبع من تفاعل هذه الأساليب مع طبيعة النظام السياسي والبيئة الإقليمية.
سادساً: الاتفاق النووي والعلاقات الإقليمية
تستخدم الدراسة الاتفاق النووي لعام 2015 لاختبار تفسيرها للسلوك الإيراني. وتوضح أن المفاوضات النووية كشفت عن قدرة إيران على إدارة ملفات تقنية وسياسية معقدة، مع المحافظة على تماسُك فريقها التفاوضي ضمن الحدود التي تحددها مؤسسات الدولة. لكن التقدُّم في الملف النووي لا يعني بالضرورة تغيُّر السياسة الإيرانية في الملفات الإقليمية. فالعلاقات مع دول الخليج، وفق الدراسة، تتداخل فيها اعتبارات الأمن البحري والطاقة والنفوذ الإقليمي والتوازنات الدولية. كما أن التطورات في العراق وسورية ولبنان واليمن تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الموقف التفاوضي الإيراني. ومن ثم، فإن الفصل الكامل بين المفاوضات الدبلوماسية والبيئة الإقليمية قد يؤدي إلى تقديرات غير دقيقة.
سابعاً: الدروس المستفادة لدول الخليج العربية
هذا الجزء من أهم أجزاء الدراسة من وجهة نظري، لأنه ينقل البحث من تحليل السلوك الإيراني إلى كيفية التعامل معه، ويبرز فيه عدد من التوجهات العملية:
1. بناء خبرة تفاوضية مؤسسية: تشدِّد الدراسة على أن نجاح التفاوض ينبغي ألا يعتمد على مهارات الأشخاص وحدهم، بل على مؤسسات قادرة على الاحتفاظ بالخبرة وتطويرها. ومن هنا تأتي أهمية إعداد كوادر متخصصة، وتوثيق التجارب السابقة، وتطوير مراكز البحوث والتحليل.
2. الربط بين السياسة والأمن والاقتصاد: لا يمكن التعامل مع إيران باعتبار التفاوض معها مسألة دبلوماسية محضة. فالمواقف الإيرانية تتأثر باعتبارات أمنية واقتصادية وإقليمية، وهو ما يتطلَّب إعداداً متكاملاً من الجهات المعنية.
3. المحافظة على قنوات الاتصال: تؤكد الدراسة أهمية عدم إغلاق الحوار، حتى في فترات الخلاف والتصعيد.
فاستمرار الاتصال يساعد على إدارة الأزمات، ويحد من احتمالات سوء الفهم.
4. فهم المؤسسات قبل تقييم التصريحات: ينبغي عدم الاكتفاء بتصريحات المسؤولين الإيرانيين، بل تحليل الجهة التي أصدرتها، ومدى تأثيرها في القرار النهائي.
5. الاستفادة من المعرفة المتخصصة: تدعو الدراسة إلى تطوير الخبرات في ملفات القانون الدولي والأمن والطاقة والاقتصاد والسياسة الإقليمية، باعتبارها عناصر أساسية لأي تفاوض ناجح.
ثامناً: ماذا تعني الدراسة للكويت؟
هذا القِسم قراءة تحليلية مني في ضوء الدراسة، وليس نقلاً مباشراً عن توصيات المؤلف.
تكتسب الدراسة أهمية خاصة بالنسبة للكويت، نظراً لموقعها الجغرافي وعلاقاتها التاريخية مع إيران، وارتباط أمنها باستقرار منطقة الخليج. ويمكن استخلاص ثلاث نتائج رئيسة، هي:
الأولى أن المحافظة على العلاقات الدبلوماسية وقنوات التواصل مع إيران تمثل مصلحة مهمة للكويت، حتى عندما تظهر خلافات سياسية أو أمنية.
الثانية أن فهم طبيعة النظام الإيراني يساعد الكويت على تقدير المواقف بصورةٍ أدق، وتجنُّب بناء سياساتها على تصريحات فردية أو تغيُّرات مؤقتة في الخطاب.
الثالثة أن التعاون الخليجي في مجال الدراسات الاستراتيجية وتبادل المعلومات وبناء الخبرات التفاوضية يمكن أن يعزِّز قدرة دول المجلس على التعامل مع الملفات الإقليمية المعقدة.
ومن المفيد للكويت، في هذا السياق، دعم الدراسات المتخصصة في الشأن الإيراني، والاستفادة من خبرات جامعة الكويت ومراكز البحوث الخليجية.
تاسعاً: قراءة نقدية للدراسة
تتميَّز دراسة د. الرميحي بمحاولة تفسير السلوك الإيراني من داخل بنية النظام السياسي، بدلاً من الاقتصار على تقييم نتائج المفاوضات. وهذا منهج مهم، لأنه يميز بين شخصية المفاوض والسُّلطة التي يمثلها. كما أن استخدام تجربة عباس عراقجي يُضيف بُعداً عملياً للتحليل. لكن هناك ثلاث مسائل تستحق المزيد من النقاش، هي:
الأولى: إلى أي مدى يمكن الحديث عن عقل تفاوضي إيراني مستقر، في ظل التحوُّلات السياسية والأمنية التي شهدتها إيران؟
الثانية: هل يمثل استخدام الوقت وإطالة المفاوضات استراتيجية إيرانية مقصودة في جميع الحالات، أم أنه قد يكون أحياناً نتيجة الخلافات الداخلية والضغوط الخارجية؟
الثالثة: هل تستطيع الدول الخليجية بناء سياسة تفاوضية مشتركة تجاه إيران، مع اختلاف مصالحها وأولوياتها وعلاقاتها الثنائية؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة الدراسة، بل تفتح المجال لتطوير أفكارها واختبارها في ضوء التطورات السياسية.
عاشراً: الخلاصة العامة
يمكن تلخيص الرسالة الأساسية للدراسة في أن فهم إيران يبدأ بفهم الدولة التي تقف خلف المفاوض، وليس الاكتفاء بدراسة المفاوض نفسه. فالسلوك التفاوضي الإيراني، كما يقدمه الرميحي، نتاج تفاعل التاريخ والمؤسسات والأيديولوجيا والمصالح والضغوط الداخلية والخارجية.
والدراسة لا تفترض أن هذا السلوك ثابت في جميع الظروف، بل تؤكد أهمية متابعة التحوُّلات في موازين القوى والبيئة الإقليمية والدولية.
أما بالنسبة لدول الخليج، فإن الدرس الأبرز هو أن التعامل الفعَّال مع إيران يتطلَّب معرفة مؤسسية عميقة، واستعداداً تفاوضياً طويل الأمد، وقُدرة على الجمع بين الحوار وحماية المصالح الوطنية.
وفي تقديري، فإن القيمة الأساسية لهذه الدراسة تكمن في دعوتها إلى الانتقال من ردود الفعل على السياسة الإيرانية إلى فهم الآليات التي تنتج تلك السياسة. وهذا انتقال ضروري لأي دولة تسعى إلى بناء سياسة خارجية واقعية ومتوازنة.


































