اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ٢٤ حزيران ٢٠٢٦
في وقت تتواصل فيه الجهود الدبلوماسية لترسيخ اتفاق وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، برز تطور سياسي جديد داخل واشنطن قد يلقي بظلاله على مسار المرحلة المقبلة، بعدما أقر مجلس الشيوخ الأمريكي قرارا يدعو إلى سحب القوات الأمريكية من الحرب مع إيران، في خطوة حملت أبعادا سياسية تتجاوز تأثيرها القانوني المباشر، واعتبرت رسالة انتقاد واضحة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خضم المفاوضات الجارية مع طهران.
وأتى القرار بعد أيام من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، وبدء محادثات بين الجانبين لترتيب المرحلة الانتقالية خلال الستين يوما الأولى من الاتفاق. ورغم أن القرار لا يتمتع بقوة إلزامية من الناحية القانونية، فإنه يمثل انتكاسة سياسية ورمزية للرئيس الأمريكي، خاصة أنه صدر في وقت يسيطر فيه الحزب الجمهوري على مجلسي النواب والشيوخ.
ومنذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في 28 فبراير الماضي، سعى الديمقراطيون إلى تقييد صلاحيات ترامب العسكرية، معتبرين أن إدارته تجاوزت الدور الدستوري للكونغرس في اتخاذ قرارات الحرب والسلم.
وينص الدستور الأمريكي على أن إعلان الحرب يعد من اختصاص الكونغرس، في حين يسمح للرئيس باتخاذ إجراءات عسكرية عاجلة لمواجهة تهديد وشيك، على أن يحصل لاحقا على موافقة الكونغرس خلال مدة لا تتجاوز 60 يومًا من بدء العمليات العسكرية.
لكن ترامب لم يحصل على تلك الموافقة خلال المهلة المحددة، مبررا ذلك بأن العمليات القتالية انتهت فعليا مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وهو ما اعتبره كافيا لإنهاء الالتزامات القانونية المرتبطة بالنزاع.
في المقابل، رفض الديمقراطيون هذا التفسير، مؤكدين أن الوجود العسكري الأمريكي المرتبط بالنزاع لم ينتهِ بشكل كامل، وأن هناك انخراطا ميدانيا مستمرا للقوات الأمريكية رغم التفاهمات الأخيرة التي تضمنت رفع الحصار البحري الذي كانت تفرضه سفن أمريكية على الموانئ الإيرانية.
واستنادا إلى هذه الرؤية، دفع الديمقراطيون نحو تمرير قرار يطالب بإنهاء أي مشاركة عسكرية أمريكية في الحرب، وهو ما تحقق بعد تصويت مجلس الشيوخ لصالح القرار بأغلبية 50 صوتا مقابل 48.
وفي هذا الصدد، قال الدكتور محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي العام عضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، أن إقرار مجلس الشيوخ الأمريكي الثلاثاء قرارا بغالبية 50 صوتا مقابل 48 يأمر بسحب القوات الأمريكية من الحرب على إيران يمثل حدثا دستوريا وقانونيا بالغ الدلالة، مؤكدا أن هذا القرار يعيد تأكيد مبدأ الفصل بين السلطات الراسخ في المادة الأولى من الدستور الأمريكي التي تمنح الكونغرس وحده صلاحية إعلان الحرب، مشيرا إلى أن ترامب انطلق في حربه على إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي دون أخذ هذا الإذن التشريعي الدستوري.
وأضاف مهران- خلال تصريحات لـ 'صدى البلد'، أن قانون صلاحيات الحرب War Powers Act يتيح للرئيس إطلاق أعمال قتالية ردا على تهديد وشيك لكنه يُلزمه بالحصول على موافقة الكونغرس خلال ستين يوما وهي المهلة التي تجاوزها ترامب مطلع مايو الماضي مبرراً ذلك بأن النزاع انتهى بوقف إطلاق النار، مشيرا إلى أن الديمقراطيين يطعنون في هذا التبرير مؤكدين استمرار الانخراط الميداني للقوات الأمريكية رغم رفع الحصار البحري، موضحا أن هذا الخلاف التأويلي حول حدود الصلاحيات التنفيذية في وقت الحرب يستند إلى مبدأ الرقابة والتوازن checks and balances الذي يشكل العمود الفقري للنظام الدستوري الأمريكي.
وأضاف مهران أن القيمة الحقيقية لهذا القرار رمزية وسياسية أكثر منها قانونية إذ لا يحتاج ترامب لاستخدام حق النقض ضده بموجب قواعد الكونغرس، مؤكدا أن خطورته تتجلى في بعديين متوازيين، الأول داخلي يتمثل في كسر الوحدة الجمهورية حيث انضم أربعة نواب جمهوريين للمعارضة الديمقراطية، والثاني خارجي يتمثل في رسالة طمأنة للمفاوضين الإيرانيين بأن استئناف الحرب سيكون أصعب سياسيا مما يمنحهم رصيدا تفاوضيا إضافيا في مفاوضات الستين يوما الجارية.
ونوه الخبير الدولي إلى أن ترامب كتب على منصة تروث سوشال مهاجما قرار مجلس الشيوخ وواصفا إياه بالسيئ التوقيت وبلا معنى ومؤكدا أنه سينجز مهمته بطريقة أو بأخرى، مؤكدا أن هذا الاستياء الرئاسي العلني يكشف أن القرار أصاب ترامب في مقتل في أحرج لحظاته التفاوضية مع طهران.
وشدد على أن هذا القرار يوجه رسالة قانونية ودستورية هامه وواضحة مفادها أن قرارات الحرب والسلام لا يجوز أن تصدر بقرار رئاسي منفرد في دولة يقوم نظامها على المشاركة التشريعية.
وفي السياق نفسه، رغم أهمية التصويت سياسيا، فإن القرار لا يفرض التزامات قانونية مباشرة على الإدارة الأمريكية، كما أن قواعد الكونغرس الحالية تجعل الرئيس غير مضطر حتى إلى استخدام حق النقض الرئاسي (الفيتو) لإسقاطه.
ولهذا السبب، ينظر إلى القرار باعتباره أداة ضغط سياسية أكثر من كونه إجراءا تنفيذيا ملزما، إذ يعكس وجود اعتراض داخل المؤسسة التشريعية على طريقة إدارة ترامب للنزاع مع إيران، ويكشف حجم الانقسام بشأن صلاحيات الرئيس في استخدام القوة العسكرية.
والجدير بالذكر، أن أهمية القرار تكمن في توقيته أكثر من مضمونه القانوني، إذ جاء بينما تخوض إدارة ترامب مفاوضات حساسة مع إيران حول ترتيبات ما بعد الحرب.
كما أن تمريره داخل مجلس يهيمن عليه الجمهوريون يعد مؤشرا على وجود تحفظات حتى داخل الأوساط السياسية القريبة من الرئيس، ما يمنح القرار بعدا رمزيا قويا ويفسر على أنه صفعة سياسية للإدارة الأمريكية.
ومن ناحية أخرى، قد يمنح التصويت الإيرانيين ورقة إضافية على طاولة المفاوضات، إذ يبعث برسالة مفادها أن أي محاولة مستقبلية لاستئناف الحرب ستواجه عقبات سياسية وتشريعية كبيرة داخل الولايات المتحدة، وهو ما قد يعزز موقف طهران خلال المباحثات الجارية بين الطرفين.


































