اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
في اكتشاف أثري مثير يعيد تسليط الضوء على أسرار الحضارة المصرية القديمة، نجح فريق من الباحثين المصريين في الكشف عن منشأة أثرية ضخمة يعود تاريخها إلى نحو 2600 عام، مدفونة أسفل طبقات من الطمي والتربة المشبعة بالمياه في منطقة بوتو الأثرية، المعروفة حاليا باسم «تل الفراعين»، شمال غرب دلتا النيل.
وجاء الاكتشاف باستخدام تقنيات علمية متطورة، شملت الاستشعار عن بُعد وصور الأقمار الصناعية وعمليات المسح الكهربائي، في خطوة تكشف كيف يمكن للتكنولوجيا الحديثة أن تقود إلى أسرار ظلت مختبئة تحت الأرض لآلاف السنين.
ووفقا لدراسة علمية منشورة في دورية «Acta Geophysica»، استعان الباحثون ببيانات القمر الصناعي الأوروبي «Sentinel-1»، الذي يعتمد على تقنيات الرادار لرصد التغيرات الدقيقة في سطح الأرض.
وأسهمت هذه البيانات في تحديد منطقة غير معتادة أسفل أحد التلال الأثرية في بوتو، بأبعاد تصل إلى نحو 128 مترا طولا و62 مترا عرضا، ما دفع الفريق إلى إجراء المزيد من أعمال الفحص والاستكشاف.
وكشفت عمليات المسح عن وجود بقايا أثرية تعود إلى العصرين البطلمي والروماني في الطبقات العليا، بينما أظهرت الأعماق التي تتراوح بين 3 و6 أمتار وجود منشأة ضخمة مبنية من الطوب اللبن، يرجع تاريخها إلى عصر الأسرة السادسة والعشرين، المعروفة بالعصر الصاوي، والذي امتد بين عامي 688 و525 قبل الميلاد.
ورغم أهمية المنشأة المكتشفة، فإن طبيعة استخدامها الأصلي لا تزال غير محسومة، إذ يدرس الباحثون عدة احتمالات، من بينها أن تكون مقبرة أو مقرا لإقامة الكهنة أو مكانا مخصصا لإقامة الطقوس والشعائر الدينية.
وأسفرت أعمال الحفر الاستكشافي عن العثور على جدران سميكة من الطوب اللبن، إلى جانب تماثيل الأوشابتي التي كانت توضع في المقابر لتمثيل الخدم ومساعدة المتوفى في العالم الآخر.
كما عثر الباحثون على مذبح من الحجر الجيري يحمل قنوات محفورة، وبقايا جافة تتوافق مع آثار دماء حيوانية، فضلا عن تمثال صغير لقرد البابون مصنوع من الخزف المزجج، ويرتبط بالإله تحوت، إله الحكمة والمعرفة لدى المصريين القدماء.
لكن المفاجأة الأبرز لم تكن في المبنى أو القطع الأثرية التي عُثر عليها، وإنما فيما اكتشفه الباحثون أسفل أساساته، على عمق يتراوح بين 6 و7 أمتار، حيث ظهرت طبقة سميكة من الرمال النقية.
ويرجح فريق الدراسة أن المصريين القدماء تعمدوا وضع هذه الطبقة لتوفير قاعدة هندسية مستقرة للمبنى، تساعد على توزيع الأحمال وتصريف المياه الجوفية والحد من حركة التربة الطينية، فضلا عن حماية الطوب اللبن من الرطوبة والتآكل.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية استثنائية بسبب طبيعة تربة دلتا النيل، التي تتمدد عند امتصاص المياه وتنكمش وتتحرك مع الجفاف، وهو ما يمثل تحديا كبيرا أمام تشييد المنشآت الضخمة.
وتعد مدينة بوتو من أبرز المراكز الدينية في مصر القديمة، وشهدت المنطقة أهمية خاصة خلال العصر الصاوي، عندما عمل ملوك الأسرة السادسة والعشرين على إحياء المراكز الدينية وترميم المواقع المقدسة.
ويفتح الاكتشاف الجديد آفاقا واسعة أمام دراسة العمارة المصرية القديمة، ويؤكد أن المصريين القدماء لم يمتلكوا مهارات معمارية وفنية فحسب، بل طوروا أيضا حلولا هندسية متقدمة للتعامل مع طبيعة الأرض والمياه الجوفية، قبل آلاف السنين من ظهور مفاهيم الهندسة الحديثة.


































