اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ١٨ حزيران ٢٠٢٦
في المقال السابق، تحدثنا عن السيارات الكهربائية بوصفها أحد أبرز المرشحين لقيادة مستقبل النقل، وتساءلنا: هل هي الحل؟ لكن قبل أن نمنح الإجابة النهائية، ربما علينا أن نطرح سؤالًا أكثر أهمية: هل العالم نفسه مستعد فعلًا للاستغناء عن الوقود؟
على الورق، تبدو الصورة واضحة. شركات السيارات تعلن عن خطط للتحول الكهربائي، والحكومات تضع أهدافًا طموحة لخفض الانبعاثات، والاستثمارات تتدفق نحو التقنيات الجديدة. لكن الواقع على الأرض أكثر تعقيدًا بكثير. فصناعة السيارات لا تعتمد فقط على ما يوجد داخل السيارة، بل على شبكة ضخمة من البنية التحتية والطاقة والاقتصاد، وهي شبكة بُنيت خلال أكثر من قرن حول الوقود التقليدي، والتي لم تُبنَ أساساً لاستيعاب هذا الضغط الهائل. لكي تصبح الكهرباء بديلاً حقيقياً للبنزين، نحتاج إلى ملايين محطات الشحن السريع المنتشرة عبر الطرقات، وشبكات طاقة وطنية قوية قادرة على تزويد آلاف المركبات بالتيار في وقت واحد دون أن تصاب بالشلل أو الانقطاع، وهي تحديات تواجه حتى أكثر الدول تقدماً.
اليوم، يستطيع سائق السيارة العاملة بالبنزين أو الديزل أن يعبر آلاف الكيلومترات وهو مطمئن إلى وجود محطة وقود في كل مدينة تقريبًا، بل وفي كثير من الطرق النائية أيضًا. هذه الراحة لم تظهر بين ليلة وضحاها، بل هي نتيجة عقود طويلة من الاستثمار والتوسع. أما السيارات الكهربائية، فما زالت في مرحلة بناء هذه الشبكة. صحيح أن محطات الشحن تتزايد عامًا بعد عام، لكن توزيعها لا يزال غير متساوٍ بين الدول وحتى بين المدن داخل الدولة الواحدة.
ثم تأتي معادلة الوقت. فملء خزان الوقود يستغرق دقائق معدودة، بينما يحتاج شحن البطارية إلى وقت أطول، حتى مع تطور تقنيات الشحن السريع. بالنسبة للبعض، لا تمثل هذه النقطة مشكلة، لكن بالنسبة لسائق يعتمد على السفر الطويل أو الاستخدام المكثف، فإنها تظل عاملاً مؤثرًا في القرار.
ولا يتعلق الأمر بالبنية التحتية فقط، بل بالطاقة نفسها. فكل سيارة كهربائية جديدة تعني طلبًا إضافيًا على شبكات الكهرباء. والسؤال الذي تطرحه العديد من الدول اليوم ليس فقط كيف نشجع الناس على شراء السيارات الكهربائية، بل كيف نضمن أن شبكات الطاقة قادرة على تلبية هذا الطلب المتزايد دون ضغط أو انقطاع.
كما أن هناك جانبًا اقتصاديًا لا يمكن تجاهله. فتكلفة التحول لا تقع على المستهلك وحده، بل تشمل الحكومات والشركات ومشغلي البنية التحتية. إنشاء محطات الشحن، وتطوير الشبكات الكهربائية، وتحديث الأنظمة القائمة، كلها استثمارات ضخمة تحتاج إلى وقت طويل حتى تؤتي ثمارها.
وفي بعض المناطق، تبرز تحديات إضافية ترتبط بطبيعة المناخ أو المسافات. ففي دول تعتمد على السفر البري لمسافات طويلة، أو تشهد درجات حرارة مرتفعة لفترات ممتدة، تظل هناك أسئلة عملية حول أفضل طريقة لتحقيق هذا التحول دون التأثير على سهولة الاستخدام التي اعتادها السائقون.
لهذا السبب، يبدو أن العالم لا يتجه نحو قفزة مفاجئة بقدر ما يتجه نحو مرحلة انتقالية طويلة. فالمحركات التقليدية لم تختفِ، والسيارات الهجينة ما زالت تلعب دور الجسر بين الحاضر والمستقبل، بينما تواصل السيارات الكهربائية التوسع تدريجياً مع تطور التقنيات والبنية التحتية.
ولعل الأحداث الأخيرة أعادت التذكير بحقيقة مهمة: أن طريق السيارة لا يبدأ من المصنع، بل من طرق التجارة العالمية التي تربط الأسواق ببعضها. فإغلاق ممر بحري واحد قد يؤثر في توفر السيارات وقطع الغيار وأسعارها في دول تبعد آلاف الكيلومترات.
في المقال القادم، سنفتح ملفاً اقتصادياً حاسماً يترقبه الشارع الكويتي والخليجي بشغف «ماذا بعد فتح مضيق هرمز؟»، كيف سينعكس هذا العبور الآمن على عودة توفر قطع الغيار، وهل نشهد هبوطاً حقيقياً في الأسعار يعيد الدفء والتوازن لسوق السيارات بعد طول انتظار؟
مشعل يوسف الصفران


































