اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ٦ أيلول ٢٠٢٦
من داخل المستشفيات وغرف العمليات، حيث تتقاطع لحظات الخوف مع الأمل، وتظهر تفاصيل إنسانية لا يراها الجمهور عادة، جاء مسلسل 'بنج كلي' ليقترب من عالم الطب من زاوية مختلفة، متوقفا عند حياة الأطباء والمرضى وما يدور خلف الأبواب المغلقة، والعمل الذي كتبه السيناريست محمد سليمان عبد المالك، يستند في جزء من تفاصيله الطبية إلى وقائع وحالات حقيقية، بينما ينسج عالمه الدرامي وشخصياته من خيال المؤلف ورؤيته الخاصة، ويتحدث محمد سليمان عبد المالك فى حواره عن كواليس 'بنج كلي'، ومصادر إلهامه في بناء الشخصيات والحكايات، وتأثير تجربته السابقة كطبيب بشري على العمل، كما يرد على الانتقادات التي واجهها المسلسل، ويتحدث عن تعاونه مع دياب وسلمى ابو ضيف والمخرجة نادين خان والموسيقار خالد الكمار.
سعيد جدا بردود الفعل الإيجابية التي حققها العمل حتى الآن، وأسعدني ارتباط الجمهور بالمسلسل منذ الحلقة الأولى، وأعتقد أن المخرجة نادين خان كان لها دور كبير في ذلك، لأنها تمتلك أسلوبا فنيا خاصا وبصمة واضحة في العمل، ومن أبرز اختياراتها فكرة قلب الكاميرا، وهو أسلوب فني تستخدمه في مناطق درامية معينة، وربما يعبر عن اضطراب العالم الذي نحكي عنه. وأنا شخصيا مع التجريب، ولا أحب أن نقف ضد تقديم أفكار جديدة، لأن المهم في النهاية أن نرى كيف يتفاعل الجمهور معها.
عالم الطب ليس بعيدا عني، فأنا خريج كلية الطب البشري، ومارست المهنة حتى عام 2010، ثم استقلت وتفرغت للكتابة. وبالتالي كان الطب جزءا من تعليمي وتدريبي وحياتي لسنوات طويلة، وأمتلك معرفة كبيرة بتفاصيله الإنسانية والمهنية، كما أنني قدمت من قبل مسلسل 'زينهم'، الذي تناول أجواء الطب الشرعي والمشرحة، وكان مستندا إلى حالات وردت في كتاب 'أصدقاء الموتى' للدكتور محمد جبالة، وهو طبيب شرعي في المنصورة.
بعد انتهاء تصوير 'زينهم'، تواصلت معي الدكتورة دعاء جلال، أستاذ التخدير في طب المنصورة، وأعطتني كتابها 'حكايات من غرفة العمليات'، قرأت الكتاب ووجدت فيه مادة خصبة جدا يمكن أن تتحول إلى عمل درامي، والحالات الطبية الموجودة في 'بنج كلي' مستندة إلى حالات حقيقية مرت بها الدكتورة دعاء بالفعل، بينما العالم الدرامي والشخصيات والقصة والتفاصيل من تأليفي، حتى اسم البطلة استعنت به من الدكتورة دعاء.
الحالات الطبية نفسها حقيقية، وحتى حالة السيدة المنتقبة التي أثارت بعض الجدل، هي حالة حدثت بالفعل وليست من اختراع الخيال.
أنا أقدم نموذجا معينا من التشدد الديني، وهذا لا يعني أنني أهاجم الدين أو المنقبات أو المتدينين. هل الدين هو النقاب؟ بالتأكيد لا، في النهاية، أنا أعرض نموذجا إنسانيا حقيقيا وأضعه أمام الجمهور، وكل شخص حر في اختياراته، وأنا أيضا من حقي أن أتناول ما أراه على الشاشة. عندما أقدم طبيبا سيئا، فهذا لا يعني أنني أهاجم كل الأطباء، وعندما أقدم محاميا فاسدا، فهذا لا يعني أنني أهاجم كل المحامين. لا يجب أن نعمم نموذجا واحدا على فئة كاملة.
الفكرة أن الشخصية ترفض أن يكشف عليها طبيب رجل لمجرد أنه رجل، وتصر على أن تكون الطبيبة امرأة، وهذا موجود بالفعل في الواقع، وأنا لم أدع أننا نخترع شيئا غير موجود، وإنما نتناول ظاهرة موجودة بالفعل.
تجربتي ككاتب مستوحاة من الواقع الذي عشته وتأثرت به، وأحول ذلك إلى شخصيات وأحداث ودراما، وكل عمل قدمته يحمل جزءا مني، يظهر في الشخصيات ورؤيتي لها وفي طريقة نسج الأحداث وبنائها، وأنا سعيد جدا بأن تنوع الشخصيات وصل إلى الجمهور، لدرجة أنني أتلقى ردود فعل من أشخاص يقولون إنهم شاهدوا شخصيات مشابهة في حياتهم أو مروا بمواقف قريبة من تلك التي ظهرت في المسلسل.
هذا غير حقيقي، وحتى في الفترة التي كنت أعمل فيها طبيبا، وما زال الأمر موجودا حتى الآن، هناك أقسام في بعض الجامعات والمستشفيات توجد فيها ممارسات عرفية تمنع النساء من العمل، من دون وجود قانون مكتوب يقول ذلك، وقد تتقدم امرأة إلى وظيفة ويتم رفضها من دون أن يقال لها السبب الحقيقي، وهناك أيضا مرضى يفضلون أن يجري لهم طبيب رجل العملية أو التخدير، وهذه أمور تحدث بالفعل، وهي جزء من الثقافة الموجودة حولنا، ولا أعتقد أننا يجب أن نتبرأ منها لمجرد أنها لا تعجبنا.
كنت أريد أن نبدأ في الحديث عن المسكوت عنه في عالم الطب والجراحة والتخدير والمرضى والمستشفيات، وفي الخارج، توجد منذ سنوات طويلة دراما طبية لها تقاليدها، مثل 'ER' و'House' و'Greys Anatomy'، وكل عمل منها يتناول عالم المستشفيات بطريقة مختلفة. أما 'بنج كلي'، فكانت محاولة مني ومن المخرجة نادين خان لتقديم هذا النوع بصبغتنا نحن، وليس بالشكل الغربي، لذلك تجد أن كل حلقة تتضمن حالة تبدأ وتنتهي داخل الحلقة، مع الاستعانة بعدد كبير من الممثلين المختلفين.
أردنا أن نقدم عالم المستشفى من الداخل، وأن نتعامل مع تفاصيله كما هي، هناك أيضا مشكلة نقص الوعي وسوء الفهم بين المريض والطبيب، وكل طرف أحيانا لا يعرف كيف يتعامل مع الطرف الآخر، وأتمنى أن يكون 'بنج كلي' محاولة لتقديم صورة أخرى نطمح إليها، وربما تساعدنا في تغيير جزء من الواقع إلى الأفضل.
لأن الطبيب في الدراما المصرية كان غالبا يظهر باعتباره طبيبا فقط، يقول لنا: الحالة كذا، وعملنا ما علينا، والباقي على ربنا، ثم نراه في البيت من دون أن ندخل في تفاصيل حياته، وهنا حاولنا أن نتعمق داخل الإنسان الموجود في الطبيب، وأن نراه داخل مكان عمله وداخل بيته بالنسبة نفسها تقريبا. فالطبيب في النهاية إنسان، لكنه يعمل في مهنة سامية ومهمة جدا، ويتعامل مع الإنسان في أضعف حالاته، بين الحياة والموت، ويكون المريض مكشوفا أمامه جسديا ونفسيا.
لا أستطيع أن أحدد الأمر بنسبة معينة، وأي عمل يحتاج إلى بحث ودراسة، وإذا كنت تكتب عن عالم معين، يجب أن تعرف كيف يعمل أصحابه وما طبيعة حياتهم وتخصصهم، ودراستي الطبية وفرت علي الكثير من التفاصيل التي كان من الممكن أن أحتاج إلى البحث عنها لفترة طويلة، لكنها لم تكن كافية وحدها، والدكتورة دعاء جلال كانت موجودة طوال الوقت مع أطباء التخدير لشرح تفاصيل عملهم، وكان لدينا أيضا طبيب جراح داخل الاستوديو لمراجعة تفاصيل العمليات وغرفة العمليات والتعقيم، وكنا نحاول الوصول إلى أقصى درجات الدقة الممكنة في الجانب الطبي، لأن الطب هنا ليس عنصرا تكميليا، وإنما هو عصب وقلب الدراما.
دياب صديقي منذ نحو عشر سنوات، لكن لم تجمعنا فرصة عمل من قبل. وأثناء جلسات العمل اقترحت على نادين أن نفكر فيه، رغم أن الاختيار كان مفاجئا وغير متوقع، ورأيت فيه نمطا معينا من الجراحين، فهو طبيب من منطقة شعبية وابن بلد، ومن الطبيعي أن يكون موجودا في عالم الطب. ووجدنا أن هذا الاختيار يمكن أن يكون مختلفا تماما عن الشخصيات التي قدمها من قبل، والتي ارتبط بعضها بالشر أو البلطجة، كما اكتشفت أن والده كان طبيبا جراحا، فكان ذلك أمرا لطيفا بالنسبة لي، والحمد لله أثبت دياب جدارته.
إذا تأملت الشخصيات جيدا، ستجد أن الدكتور فؤاد، مدير المستشفى، هو الأقرب إلى فكرة “طبيب الغلابة”، هو رجل كبير نسبيا، زاهد في الدنيا، ويرعى الفقراء ومن لا يملكون المال، ويدافع عن الجميع ويحاول أن يوفر لهم فرصة للعلاج والعمل. لذلك أعتقد أنه الأقرب إلى هذا النموذج، والشخصية مستوحاة منه.
المسلسل انتهى تصويره في نوفمبر، واستمر المونتاج حتى فبراير، ثم عرض في أغسطس. وكان قرار تأجيل العرض قرار القناة التي تعرض العمل، وليس قرارنا، وهو أول عمل أنهيت كتابته بالكامل قبل عرضه، وفي أعمال رمضان كنا دائما نبدأ عرض المسلسل ونستمر في كتابة الحلقات الأخيرة بالتزامن مع العرض، لكن هذه المرة انتهت الكتابة والتصوير والمونتاج بالكامل قبل العرض، وكانت تجربة غير مسبوقة بالنسبة لي.
أنا ونادين كان من المفترض أن نتعاون في مشروعين سابقين، لكنهما لم يريا النور لأسباب إنتاجية أو مرتبطة بالوقت أو ظروف أخرى، لذلك عندما عرض عليها 'بنج كلي' ووافقت، سعدت جدا لأن الفرصة جاءت أخيرا لنكمل العمل معا من البداية إلى النهاية. بيننا كيمياء وتفاهم لطيف جدا، وأنا أحب شغلها وأرى أن لها خصوصية ونبرة واقعية مميزة، كما أنها تتعامل مع الممثل وحالاته بطريقة خاصة، وتعرف كيف تصل إلى المشاعر بشكل جيد جدا.
خالد الكمار من الموسيقيين الذين أراهم موهوبين جدا، وموسيقاه واسعة ومتنوعة. كنت سعيدا جدا بأن يجمعنا عمل، وكنت أنتظر هذه الفرصة منذ فترة، وعلاقتي بخالد الكمار قائمة على معرفة وتقدير متبادل، ولذلك كنت متحمسا جدا للموسيقى التصويرية التي قدمها.


































