اخبار مصر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٣ أيلول ٢٠٢٦
القاهرة تتطلع إلى رئاسة التجمع بعد عامين من الانضمام ومتخصصون: توازن سياسي ومكاسب اقتصادية
بعد عامين فقط من انضمام مصر إلى تجمع 'بريكس' جاء إعلان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي تطلع القاهرة إلى رئاسة التجمع ليعطي مؤشراً إلى استمرار رهان مصر على معادلة التوازن بين علاقاتها الراسخة مع الولايات المتحدة، والمشاركة الفاعلة في منظمة تضم روسيا والصين، أبرز المنافسين في نظر الغرب.
خلال القمة الـ18 للتجمع التي عقدت في الهند يومي الـ12 والـ13 من سبتمبر (أيلول) الجاري، حمل الرئيس السيسي أجندة اقتصادية بالأساس، لكنها لا تخلو من تحقيق مصالح سياسية، إذ ركز في خطاباته في فعاليات القمة على الدعوة إلى إصلاح النظام المالي العالمي وتخفيف أعباء الديون، إضافة إلى تفعيل بنك التنمية التابع لـ'بريكس'.
ومن باب المصالح الاقتصادية، عرض الرئيس المصري مصالح بلاده السياسية، عبر الدعوة إلى تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، باعتبار أن التطورات في المنطقة تؤثر في حركة التجارة وسلاسل الإمداد، وهو ما يرتبط بحرية الملاحة الدولية.
هذا التوازن بين السياسة والاقتصاد كان الدافع إلى سعي مصر إلى الانضمام لـ'بريكس' منذ مطلع عام 2024، إذ أشارت دراسة نشرتها مجلة 'Frontiers in Political Science' إلى أن مصر تستخدم وجودها في 'بريكس' لتوسيع خياراتها الاستراتيجية، بحيث تستمر في الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والقوى الغربية، بالتوازي مع تعميق الشراكات مع الصين وروسيا والهند.
وذكرت الدراسة، التي أعدها الباحث في جامعة لوزان السويسرية، ماكسيم فيلاتوف، أن الانتظام مع 'بريكس' يمنح القاهرة مساحة أكبر للمناورة السياسية وزيادة الاستقلالية في اتخاذ القرار، من دون الدخول في تحالف معادٍ للغرب، من خلال النهج الذي يركز على المصلحة الاقتصادية والتنموية المباشرة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أوضحت الدراسة التي نشرت في مطلع الشهر الجاري، أن مصر تحاول استخدام عضوية 'بريكس' للتعامل مع التحديات المالية، بخاصة من خلال السعي إلى تخفيف الضغط على العملة الصعبة عبر التبادل التجاري بالعملات المحلية، وإيجاد حلول تمويلية بديلة عبر بنك التنمية الجديد التابع للتجمع، لتخفيف أعباء الديون والتمويل التنموي.
لكن الدراسة تخلص إلى أن انضمام مصر إلى 'بريكس' على رغم إضافته بعداً لتعددية التحرك الدولي، فإنه لم يحل محل النظامين الأمني والمالي بقيادة واشنطن والدولار بصورة كاملة، مما يجعل المكاسب المصرية تدريجية وليست فورية.
كانت مصر قد طلبت الانضمام إلى 'بريكس' عام 2022، ووافق زعماء دول التجمع على الطلب في العام التالي خلال قمة 'بريكس'، وجرى تفعيل العضوية فعلياً في الأول من يناير (كانون الثاني) 2024، وسبق ذلك انضمام مصر إلى بنك التنمية عام 2023.
يرى مساعد وزير الخارجية السابق، السفير أحمد فاضل يعقوب، أن انضمام مصر الرسمي إلى 'بريكس' شكل مكسباً سياسياً كبيراً، بالنظر إلى ما يملكه أعضاء التجمع من وزن سياسي واقتصادي وديموغرافي كبير، معتبراً أن الانتظام المصري في 'بريكس' يخدم مصالح البلاد الاستراتيجية بصورة مباشرة، ويدعم متطلبات الأمن القومي المصري في ظل ظروف إقليمية ودولية دقيقة، حسب تعبيره.
وأضاف يعقوب، لـ'اندبندنت عربية'، أن قمم 'بريكس' أصبحت منصة للتشاور المباشر مع قادة الدول الفاعلة في النظام الدولي، مشيراً إلى لقاءات الرئيس السيسي على هامش قمة نيودلهي، ومنها لقاؤه رئيس إيران، الذي جرى خلاله إعلان موقف مصر الواضح في شأن الأمن في خليج هرمز ودعم استقرار دول الخليج، مشيراً إلى أن التجمع يتيح للقاهرة فرصة مستمرة لعرض قضايا المنطقة، على رأسها القضية الفلسطينية والعدوان على غزة، إلى جانب تطورات الأوضاع في السودان وليبيا.
وتضمن البيان الختامي لقمة نيودلهي بنوداً تمس المصالح الإقليمية المباشرة لمصر، إذ أكد الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار وحرية دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، ورفض التهجير القسري للفلسطينيين، وتأكيد تبني حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967.
كذلك أكد الباحث في الشؤون الدولية والمتخصص في الشأن الصيني، عامر تمام، أن انضمام مصر إلى تجمع 'بريكس' يمثل خطوة استراتيجية تستهدف تنويع الشراكات السياسية والاقتصادية، وإتاحة مساحة أكبر للمناورة وحرية اتخاذ القرار على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وأوضح تمام لـ'اندبندنت عربية' أن العالم يشهد حالياً إعادة تشكيل للنظام الدولي نحو تعددية قطبية أكثر توازناً، مشيراً إلى أن أطراً مثل 'بريكس' ومبادرة الحزام والطريق ومنظمة شنغهاي تعد المحركات الأساسية لهذا التحول الذي تحرص مصر على أن تكون جزءاً أصيلاً منه.
وأضاف المتخصص في الشؤون الصينية أن مصر، كغيرها من دول الجنوب العالمي، في حاجة ماسة إلى التمويل والاستثمار والتبادل التجاري بعيداً من ضغوط الهيمنة الدولارية، وهو ما يتيحه التجمع من خلال التعامل بالعملات المحلية، إذ يصل حجم التبادل العملاتي المصري مع الصين وحده إلى نحو 30 مليار يوان، إلى جانب التطلع لعملة موحدة وجذب الاستثمارات من دول كبرى مثل الهند والصين وروسيا والبرازيل.
وارتفع التبادل التجاري بين مصر ودول تجمع 'بريكس' إلى 36.7 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 25.5 في المئة على الفترة نفسها من العام الماضي، فيما بلغت قيمة استثمارات دول التجمع في مصر 3.7 مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2025 - 2026، مقابل 2.9 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي 2024 - 2025، بنسبة ارتفاع قدرها 29.7 في المئة.
ويرى تمام أن مصر انتقلت خلال القمة الأخيرة من مرحلة 'الحضور والتمثيل الشكلي' إلى مرحلة 'الفاعلية والتأثير المباشر'، مشيراً إلى أن البيان الختامي للتجمع تبنى الموقف المصري بصورة كاملة، بالدعوة إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967، وهو ما يعكس ثقل الصوت المصري وتأثيره، فيما تبنى لغة محايدة وحديثاً عاماً في شأن الحرب في إيران، على رغم عضوية طهران في التكتل، كذلك اعتبر إعلان مصر تطلعها لرئاسة تجمع 'بريكس' مؤشراً واضحاً إلى رغبتها في قيادة المبادرات وتوجيه السياسات المستقبلية للتجمع.
ورداً على كيفية إحداث التوازن بين الشراكة مع الغرب والوجود في تكتل يضم روسيا والصين، أوضح تمام أن السياسة الخارجية المصرية تعتمد فلسفة 'الشراكة القائمة على المصالح المشتركة'، وليس 'العدو المشترك'، موضحاً أن النموذج الأول هو الأكثر استدامة واستقراراً، مؤكداً أن مصر لا تستبدل شريكاً بآخر، فالشراكة مع الولايات المتحدة تظل شراكة استراتيجية مستدامة تركز على الجوانب الأمنية والعسكرية واستقرار الشرق الأوسط، في حين توفر الشراكة الاقتصادية والصناعية مع الصين، والتكنولوجيا النووية مع روسيا، مساحة واسعة للتنوع وتنويع مصادر السلاح، بما يضمن لمصر استقلالية كاملة في قرارها السياسي والاقتصادي.
كذلك أكد مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير أحمد فاضل يعقوب، أن السياسة الخارجية المصرية تقوم على التوازن الاستراتيجي والانفتاح على كل القوى الدولية، مشدداً على أن تعزيز علاقات القاهرة مع الصين وروسيا وانضمامها إلى تجمع 'بريكس' لا يأتي إطلاقاً على حساب شراكتها الاستراتيجية الممتدة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
وأوضح يعقوب أن تجمع 'بريكس' لا يمثل تكتلاً معادياً للغرب مثل حلف 'وارسو' سابقاً، بل هو إطار يسعى برصانة وهدوء إلى إصلاح النظام المالي والدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، الذي أصبحت كفاءته موضع اختبار في ظل أزمات الديون، وقيود التجارة الدولية، وتقلبات أسعار الصرف التي تثقل كاهل دول الجنوب العالمي بصورة خاصة.
ولفت إلى أن قوة تجمع 'بريكس' تكمن في ثقله الديموغرافي والاقتصادي، إذ يمثل نحو 40 في المئة من سكان العالم وما يقارب ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مشيراً إلى أن نجاح التجمع في إصلاح المنظومة المالية ومجلس الأمن سيعود بالنفع على كل دول العالم، وسيعزز من قدرة مصر على حماية أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية.


































