اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ١٥ أذار ٢٠٢٦
ليس أخطر على وعي الأجيال من لحظة يكتشف فيها الإنسان أن ما عاش يؤمن به طويلاً لا ينسجم مع ما يراه بعينيه على أرض الواقع.
يعيش كثير من الشباب العرب اليوم حالة من الحيرة الفكرية، وهم يتابعون ما يجري في منطقتنا من صراعات متشابكة. فالمشهد السياسي لم يعد بسيطاً، كما صُوّر لنا في المناهج الدراسية، أو في الخطاب الإعلامي التقليدي، ما يحدث اليوم يضع أسئلة صعبة أمام جيل كامل تربّى على بديهيات واضحة، ثم وجد نفسه فجأة أمام واقع يناقض كثيراً ما تعلّمه.
فقد نشأت أجيال عربية على فكرة راسخة مفادها أن الغرب هو الخصم التاريخي للعرب والمسلمين، وأن العالم الإسلامي يقف في خندق واحد في مواجهة هذا الخصم. كانت الصورة تبدو واضحة ومريحة: معسكران متقابلان، نحن في أحدهما والغرب في الآخر.
لكن الواقع السياسي في المنطقة، خلال العقود الماضية، جاء أكثر تعقيداً بكثير من هذه الصورة المبسطة، فالمواطن العربي ما زال يتذكر جيداً ما حدث عام 1990، حين غزا العراق الكويت. يومها لم يكن المعتدي قوة غربية بعيدة، بل كان جيش دولة عربية مسلمة اجتاح دولة عربية مسلمة أخرى، واستباح أرضها وسفك دماء أبنائها، كانت تلك اللحظة صدمة حقيقية لكثير من الناس، لأنها كسرت صورة الأخوة العربية والإسلامية، التي رسختها الخطابات السياسية والشعارات القومية والدينية.
وقبل ذلك بسنوات، شهد العالم حرباً طويلة ومدمرة استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران، وهما دولتان مسلمتان جارتان. تلك الحرب التي حصدت أرواح مئات الآلاف من البشر، لم تكن صراعاً بين الشرق والغرب، بل هو صراع داخل العالم الإسلامي نفسه.
واليوم تتكرر المفارقة بشكل مختلف، فالدولة الإيرانية، التي ترفع شعارات دينية وسياسية كبرى، لا تتردد في توجيه الصواريخ والطائرات المسيّرة، واستخدام أذرعها العسكرية في المنطقة، لتهديد دول عربية مسلمة أو استهدافها. وهنا يجد الشاب العربي نفسه أمام سؤال مربك: كيف يمكن التوفيق بين خطاب الأخوة الإسلامية، وبين واقع الاعتداء والتهديد الذي يطال دولاً وشعوباً مسلمة؟
هذه الأسئلة لا تأتي من فراغ، بل من مشاهد حقيقية يعيشها الناس ويرونها بأعينهم، فالمواطن العربي لم يعش في حياته صداماً مباشراً مع الغرب، كما صُوّر له في بعض الخطابات، لكنه في المقابل شهد صراعات دامية بين دول عربية أو إسلامية، ودفع ثمنها المواطنون الأبرياء، بل إن تحرير الكويت من الاحتلال العراقي لم يتم على يد جيوش عربية فقط، بل عبر تحالف دولي واسع قادته دول غربية، وهي حقيقة تاريخية ما زالت حاضرة في ذاكرة الكويتيين وفي ذاكرة المنطقة.
وإذا عدنا قليلاً إلى تسعينيات القرن الماضي، فإن كثيراً من المخضرمين يتذكرون أيضاً مأساة البوسنة والهرسك، حين تعرض المسلمون هناك لحرب قاسية في قلب أوروبا.
والسؤال الذي يطرحه البعض: من الذي أنهى تلك الحرب، وأسهم في قيام دولة البوسنة والهرسك الحديثة؟ في النهاية كانت هناك إرادة دولية قادتها أيضاً قوى غربية غير إسلامية، فرضت وقف الحرب وأنهت المأساة، بل وأسهمت في قيام دولة ذات أغلبية مسلمة في قلب أوروبا.
كل هذه الوقائع لا تعني بالطبع أن الدول الغربية ملائكة، أو أنها لم ترتكب أخطاء تاريخية كبيرة في منطقتنا، فالتاريخ مليء بالأحداث التي لا يمكن تجاهلها. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في قراءة العالم بعقلية الشعارات فقط، من دون النظر إلى المصالح والحقائق كما هي.
السياسة في نهاية المطاف ليست صراعاً بين الخير المطلق والشر المطلق، بل شبكة معقدة من المصالح والتحالفات والوقائع المتغيرة. والدول التي تريد حماية أمنها واستقرارها لا تستطيع أن تبني مواقفها على العاطفة وحدها، بل على حسابات واقعية تضع مصلحة شعوبها أولاً.
ولهذا، فإن السؤال، الذي يجب أن يطرحه الجيل الجديد اليوم، ليس من هو الطرف الذي يرفع الشعارات الأكثر بريقاً، بل من يحترم سيادة الدول، ويحافظ على استقرار المنطقة، ويبتعد عن إشعال الحروب على أرض الآخرين؟
فالوطن في النهاية ليس شعاراً عاطفياً يُرفع في لحظات الانفعال، بل مسؤولية تتطلب وضوحاً في الرؤية وشجاعة في التفكير، وأن يضع المواطن مصلحة بلده أولاً، ويعيد ضبط بوصلته وفق ما يراه على أرض الواقع، فمصالح الدول أكثر تعقيداً وتداخلاً مما تختصره الشعارات.
وليد إبراهيم الخبيزي


































