اخبار مصر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٩ نيسان ٢٠٢٦
ما بين الرفض الديني ومن ثمّ الطبي يسقط هؤلاء المرضى في متاهة التمييز والعنف والعزلة ولا خروج منها سوى بالسقوط في فخ الجراحات غير القانونية أو السفر خارج البلاد لإجراء التحول لكنّ أطباء يؤكدون أنهم بالأساس يرفضون العلاج ويفضّلون الجراحة
محدقاً في الفراغ وكأنه ينبـُش في الذاكرة يقول الأول: 'ولدتُ بإحساس لم أتبيّنه، أتحسس جسدي أمام المرآة أشعر بغربته، ما تخيّلته أن جسداً آخر مسجوناً بداخلي يريد أن يتحرر، شعورٌ مريرٌ أعجز عن وصفه، لكن من ذاقه عرف. ولاحقاً تعرّفت إلى ذاتي المضطربة جنسياً!'.
وبنظرة مكسوّة بالحزن وندوب التمييز التي طبعت أثرها في نفسه يحكي الثاني منكمشاً بين ضلوعه: 'لم يدّخر والدي جهداً في أن يوسعني ضرباً بعدما أفصحت عن رغبتي في تغيير هويتي الجنسية (من أنثى إلى ذكر) في مجتمعنا الريفي، الذي صرتُ موصوماً فيه بالألفاظ والنظرات. أجبرني على الخطوبة من أحد أقربائي ظناً منه أنها ستكون دوائي، لكنها باءت بالفشل، وفي المنتهى عبرتُ منقوصاً'.
وكالحائر الذي لا يعلم إن كان ضلّ طريقه واقفاً في المنتصف بين جنسين فلا الأنوثة اقتنصتُ ولا الذكورة اكتملَت، يسرد الثالث: 'على مشارف الهلاك أقف، ممزقٌ بين عقلي وجسدي أعيش. أمي لا ترغبني سوى ذكر، ولا أشعر بنفسي إلا أنثى، تتهمني بأنني بعيدٌ عن ربي، وأنا ملتزمٌ في صلواتي، لا تراني مريضاً إنما شاذٌ عليها تقويمي، أهلي خذلوني وكذلك الطب والمجتمع، فتركت تعليمي في الجامعة، وأخيراً أستدين أموالاً لإجراء العملية على نفقتي لدى طبيب خاص كي تهدأ اضطراباتي'.
يحكي ثلاثتهم: مَنْ أراد أن يعبر بجنسه ونجح، ومَنْ حاول وفشل، ومَنْ ظل عالقاً بين الجنسين آملاً العبور، ففي عوالم متباينة جغرافياً وطبقياً في مصر ثمة قواسم مشتركة تجمع بين رضا (31 عاماً) وفريدة (56 عاماً) وعصمت (26 عاماً)، الذين خاضوا رحلة العبور الجنسي التي لم تنتهِ فصولها بعد بين منظومة طبية وشرعية وقانونية، إذ معاناة التمييز والتنمر تلاحقهم أينما حلوا، مما حدا بالثلاثة إلى الهروب من الأهل، بحثاً عن ملاذ آخر ربما يكون آمناً بعدما تعرضوا لاضطهاد وعنف كان سببه البوح بما يشعرون به، حسبما حكوا وقالوا.
دماء محاولات الانتحار لم تجف بعدُ في روايتهم، بعدما أوصدت لجنة التصحيح الجنسي في البلاد أبوابها في وجوههم، بدعوى أن الدين يرفض ويمنع، و'لا تبديل في خلق الله'، فكانت المستشفيات الخاصة بأطبائها الخيار البديل لإجراء الجراحة بعيداً من مساراتها القانونية التي أغلقت، مما أوقع أحدهم ضحية بعدما تسرّبت الأورام إلى جسده على أثر علاج هرموني لم يكن يناسبه من قبل طبيب ليس متخصصاً.
على مدى 10 أشهر تقـصّـت 'اندبندنت عربية' أحوال مضطربي الهوية الجنسية في مصر الراغبين في العبور بجنسهم، عبر مقابلات مصوّرة مع حالات عدة، وكذلك مع أطباء ورجال دين ومتخصصين، وما يواجهونه من رفض ونبذ اجتماعياً وطبياً ودينياً، إذ التمييز والتنمر والعنف، وكذلك الرفض الطبي بإجراء الجراحة لمن ثبت حقاً مرضهم من قِبل لجنة التصحيح الجنسي التي تشكّلت بالأساس، لتقديم المساعدة الطبية لهؤلاء المضطربين، استناداً إلى فتوى الأزهر التي شددت في منعها، مما أوقعهم فريسة سهلة لأطباء غير متخصصين من ناحية، وكذلك لإجراء جراحاتهم خارج إطار القانون، فنال بعضهم تشوّهات وتداعيات ما بعد الجراحة التي تحتاج إلى رعاية لم تتوافر في تلك الأماكن غير المتخصصة، بعدما حُرموا من الرعاية الطبية على المستويين النفسي والجراحي.
لكن، وعلى الوجه المقابل تصطدم شهادات هؤلاء المضطربين باتهامات من قِبل أطباء بأن غالبيتهم بالأساس 'لا ترغب في التداوي فعلياً'، خصوصاً النفسي الذي يستغرق عامين من العلاج، وأن لا هدف لهم سوى تغيير هُويتهم الجنسية من أقصر الطرق، فيلجأ بعضهم إلى 'السفر خارج مصر لاجئاً لإجراء الجراحة'، ذلك الهدف الذي يكون صاحبه إمّا مدعياً (جاهلاً) بحقيقة أمره بأنه يعاني اضطراباً نفسياً وليس جنسياً، أو مدعياً (عالماً) بحالته لكنه قرر الهروب من جنسه إلى الجنس الآخر نظراً إلى المكتسبات الاجتماعية للجنس الذي سيعبر إليه في المجتمع على نحو التحول من أنثى إلى ذكر في المجتمعات العربية، التي تمنح الأخير حقوقاً ليس من حق الأنثى أن تنالها، وفي الحالتين جاهلاً أو عالماً يبقى العلاج النفسي قادراً على الفرز والتمييز بين المريض والمدعي.
ثمة التباس يجب تفكيكه أولاً بين التصحيح الجنسي والعبور الجنسي، فالأول ينطبق على حالات التداخل الجنسي، ما يعرف طبياً بـ'الجنس البيني/ الخنثى'، وعندها يكون الشخص أنثى أو ذكر خارجياً، لكن داخلياً يوجد عضوٌ مستترٌ للجنس الآخر، وهذه الحالات تلجأ إلى جراحات تصحيح الجنس دون أدنى مشكلة في مصر، أما مرضى اضطراب الهوية الجنسية الراغبون في العبور فما يميزهم عن الآخرين هو رفض الجنس، بما يعني رفض الجسد، إذ إن المريض مثلاً أنثى أو ذكر بيولوجياً لكن عقله يرفض هذا الجسد، فإذا كان أنثى فعقلها يوحي إليها بأنها ذكر، وهنا تتعامل بوصفها ذكراً في المجتمع لكن في الوقت ذاته المجتمع يراها أنثى، هذا ما يميزهم، رفضهم جسدهم التشريحي، مما يؤدي إلى صراع ما بين العقل والجسد، والفئة الثانية هي التي ينظر إليها التحقيق بعين الراصد المحقق المحايد، وفق ما أوضحه الأطباء لنا.
في البدء، لم يكن البوح سهلاً على هؤلاء المرضى (المضطربين)، إذ خاض معدّا التحقيق 'جلسات إقناع' معهم، بهدف طمأنتهم، إذ كانت رغبتهم بأن تظل هُويتهم مجهولة للآخرين، حفاظاً عليهم، فضلاً عن أن الوصول إليهم لم يكن بالأمر اليسير، إذ تطاردهم لعنة التمييز والتضييق أينما حلوا في المجتمع، ومن ثمّ يؤثرون العزلة على الانخراط مجتمعياً.
تتشابك وتتشابه بدايات اكتشاف الأشخاص ذاتهم المضطربة جنسياً، إذ تبدأ بتساؤلات عدة مع الذات يكون أولها مَنْ أكون؟ ما إن تخرج إلى الفضاء الخارجي بين الأهل والأسرة إلا وتبدأ معها متوالية من الأحداث المؤسفة من العنف والتمييز. يقول رضا، (اسم مستعار) الذي يرغب في العبور من ذكر إلى أنثى ويقطن في القاهرة، 'أعاني اضطراب الهُوية الجنسية منذ أن كان عمري 12 سنة، حينما كنت في المرحلة الإعدادية تحدّثت إلى أمي بأنني أشعر بعدم انتمائي إلى عالم الذكور، إلا أنها عنّفتني، وأخبرت باقي الأهل، ومن هنا بدأت الوصمة الاجتماعية، أصبحت حالتي معروفة للجميع وسط الأهل، اتفقوا على رفض ما أسعى إليه، معتقدين أنني على خطأ، ومقاطعتي واجبة حتى أعدل عما أريد، وبعدما أصررت على موقفي طردوني من المنزل غير آسفين'.
جزاء الطرد من دائرة الأسرة الذي كان من نصيب رضا هو المرارة ذاتها التي ذاقتها فريدة، التي أجرت جراحة التحول الجنسي من ذكر إلى أنثى قبل أكثر من 10 أعوام، تتذكر ما عانته: 'مجتمعي الصغير عاند فكرة التحول، حاولوا أن يقنعوني بأن صوتي وهيئتي ليسا بهما أنوثة، أفهمتهم أن الأمر مرتبط بأعراض أخرى بين العقل والجسم والعضو، لم يعترفوا بالأساس أنني مريضة. ضاقت الحياة في بيت والدي، وزادت الضغوط تجاهي، فتحوّل الأمر من رفض إلى رفض وإهانة، مارسوا ضدي إهانات عدة، أقلها الاعتداء. وقتها قررت أن أترك البيت، إلى أين؟ لم أكن أعلم، إنما كان الجواب أنني لا بد من أن أغادر كي أنجو بنفسي'.
أما عصمت، (اسم مستعار) الذي تحوّل جزئياً من أنثى إلى ذكر ويقطن في جنوب مصر، فيشعر بالامتنان إلى والدته التي ساندته في محنته بعدما انتابها شعورٌ بالأسف في البداية، لكن هذا الامتنان يقابله إحساسٌ بالضيق من والده وأعمامه، يسرد العالق بين جنسين بيدين مرتعشتين ونظرات خائفة: 'نسكن في بيت عائلة، عشت معاناة شديدة معهم، كان الضرب من والدي شديداً، لكني أصررت على موقفي، قلت له: إنك لن تشعر بما أعيشه وأتحمّله، ومع تعنته ضدي هددته بأنني سأتخلص من حياتي، قلت له إنني ابتليت وكل خطوة أخطوها في هذا الأمر أستخير فيها ربي. اعتقدوا أن الأمر سينتهي بمجرد أن أتزوج، أجبرتُ على الخطوبة أشهراً عدة لكنها انتهت إلى الانفصال، فتأكدت وقتها أنني ذكر لا أنثى'.
ما يعيشه المضطربون جنسياً في مصر من 'واقع تمييزي' تؤكده مسؤولة برنامج حقوق النوع الاجتماعي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية لبنى درويش، تقول من واقع حالات كثيرة لجأت إلى المبادرة، 'التمييز أحد أهم المعوقات التي تواجه العابرين جنسياً في مصر، كيف لفتاة عابرة أن تكون في الجامعة أو المدرسة من دون تنمّر أو تمييز؟'. مضيفة 'هؤلاء يتعرّضون لصعوبات تجعلهم عاجزين عن استكمال تعليمهم، ثم دخول سوق العمل، ومن ثم عجزهم مادياً عن توفير حياة أفضل لأنفسهم، إضافة إلى التمييز داخل الأسرة ذاتها، لأن كثيراً من الأهل لا يدركون سياق هذه التجربة، فيلجأون إلى العنف تجاههم'.
خيط التمييز الذي يحاصر هؤلاء المضطربين ممتد إلى التعليم والعمل، كما نوّهت به درويش يتطابق مع رواية رضا، الذي لم يكمل تعليمه بعدما وصل إلى الجامعة: 'تركتُ الجامعة وأنا في الفرقة الرابعة بكلية الإعلام بسبب التنمّر، وقتها واجهت ضغوطاً مادية هائلة. حينما كنت أبحث عن عمل، كان يوجه إليَّ تساؤلات تجمع بين السخرية والتنمّر كأن يقال إن صوتك ناعم أنثوي، أو إن ملابسك غير لائقة، أو طريقة حديثك مع الآخرين تحتاج إلى تعديل، كل ما في الأمر أنني كنت أتعامل بشكل طبيعي'.
الأمر ذاته تؤكده الاستشاري النفسي، المتخصصة في علاج اضطراب الهوية الجنسية، الدكتورة سماء نصار، 'هؤلاء يعانون رفض الأسرة والمجتمع والأصدقاء، فضلاً عن رفض الأطباء الذين ليس لديهم خلفية عن اضطراب الهوية الجنسية'، لافتة إلى أن بعض الأهالي يتهمون أبناءهم 'بأن ما يسعون إليه حرام شرعاً، وأن لديهم نقصاً في الإيمان، هذه الأسر تذهب بأبنائهم إلى شيوخ، كي يقرأوا عليهم القرآن بهدف شفائهم، باعتبار أن الشخص لو تقرّب من الله سيذهب عنه هذا التفكير'.
وغالباً ما تنتهي دائرة التمييز التي يقع فيها المضطربون إلى العزلة، 'حاولتُ التخلص من حياتي مرات عدة، بعدما شعرتُ باليأس من المجتمع عموماً ومن أهلي خصوصاً، لم يكن أهلي يفكرون وقتها سوى في أنني فضحتهم في المنطقة التي نعيش بها، لم يفكروا بأنني أعاني مشكلة'، يحكي رضا بكل أسى.
وفي مصر لا توجد إحصاءات دقيقة عن حالات الانتحار بشكل عام وتقاطعها مع قضايا النوع الاجتماعي، لكن توجد ملاحظة في العالم ومصر ليست منفصلة عن ذلك هي أن هؤلاء المضطربين جنسياً حينما يعجزون عن العيش بنوعهم الاجتماعي الطبيعي، ويواجهون رفضاً في المجتمع، سواء في التعليم والعمل أو داخل محيط الأسرة، هنا هؤلاء يشعرون بضغط نفسي شديد، يعرّض حياتهم للخطر، سواء بأذيّة النفس أو التعرض للعنف، تقول لبنى درويش، مشددة على أن السبيل الوحيد هو تقديم 'أفضل خدمة صحية ممكنة، لأن الخدمات الصحية في قضايا العابرين ليست هرمونات أو جراحة فقط، لكن جزء منها خدمات نفسية'.
يبقى رهان تجاوز ذلك الوضع المضطرب قائماً على تقديم الخدمة الطبية، باعتبارها طوق نجاة لهؤلاء. وفي مصر ومنذ عام 2009 شُكلت لجنة تحت مسمى 'لجنة التصحيح الجنسي' تتبع نقابة الأطباء، تضم في عضويتها دكاترة في تخصصات نفسية، والجينات والوراثة والكروموسومات، والهرمونات، إضافة إلى عضو من دار الإفتاء المصرية، مهمتها دراسة الحالات التي تقدم إليها بطلب التصحيح، على أن تمنح مَنْ يثبت مرضه إفادة بالحق في إجراء الجراحة.
وفق ما رصدته 'اندبندنت عربية' من واقع شهادات المضطربين وأطباء متخصصين فإن اللجنة 'غير مفعَّلة'. وبينما يتجهَّز رضا مادياً لإجراء الجراحة مع أحد الأطباء خارج مسارها القانوني في الإسكندرية (شمال مصر)، باحثاً عمن يقرضه مبلغاً من المال لسداد مصروفاتها، وأجراها عصمت لدى طبيب خاص بالعاصمة القاهرة، فإن فريدة، التي تقطن بإحدى محافظات شمال مصر، تقول 'اللجنة غير مفعّلة طبياً، لجأت إليها قبل أكثر من ثمانية أعوام بمستندات رسمية، تتضمن تحاليل وأشعة وكذلك تقرير الأزهر، الذي أفاد بأنه ما دامت وُجدت عِلة مرضية وجب حلها طبياً، لكنها أهملت ورقي، من دون أن تقدم لي شيئاً فلجأت إلى مستشفى خاص أجريت به الجراحة من واقع تلك المستندات التي تؤكد علَّـتي'.
ويضيف رضا، الذي تابع حالته مع أكثر من طبيب نفسي على مدى أعوام متباينة: 'حينما وصلت إلى مرحلة الثانوية تحديداً الصف الأول ذهبت إلى طبيب نفسي مرة أخرى، تابعت معه ثلاثة أعوام كاملة، انتهت بتشخيص هويتي الجنسية مضطربة، وعلى رغم تشخيصه المرض فإنه رفض أن يمنحني هرمونات كأحد الحلول أو إحالتي على نقابة الأطباء، بحجة أنها أغلقت الباب في وجه من يعانون ذلك المرض، لا أخفيكم سراً على رغم رفضه فإنني ظللت متابعاً معه جلسات العلاج، إذ كانت تمنحني بعض الراحة، خصوصاً أنني كنت بحاجة إلى الحديث والمصارحة وفي الوقت ذاته أجد من يسمعني'.
ثمة إجماع بين الأطباء المتخصصين على ضرورة تفعيل دور اللجنة في مصر، وتأدية مهامها الطبية. يقول جرّاح المسالك البولية والتناسلية بكلية الطب جامعة القاهرة الدكتور محمد عبدالرسول: 'ما قبل 2018 منحت اللجنة كثيرين تصاريح بإجراء العملية، لكن منذ ذلك العام توقفت عن العمل بسبب ظروف عدة، واقتصرت موافقاتها على مرضى مشكلة (الجنس البيني)، وامتنعت عن السماح لمرضى اضطراب الهوية الجنسية'، مطالباً بأن 'تستعيد اللجنة نشاطها مرة أخرى، لأن لدينا مرضى كثيرين يعانون ويقعون فريسة لأطباء ضعاف النفوس يستغلونهم مادياً'، وفق حديثه.
ولا يوجد في مصر إحصاء رسمي يقدر عدد المضطربين جنسياً، غير أن عبدالرسول يشير إلى أن نسبة مرضى الهوية الجنسية 'تقترب من واحد في الـ1000 إلى واحد في الـ10 آلاف في كل المجتمعات'، وفي مصر 'يمكن أن نصل إلى عدد 5 أو 10 آلاف فرد يعانون ذلك المرض'، وفق تقديره.
كذلك تُبدي الاستشاري النفسي سماء نصّار، التي أعدت أطروحة دكتوراه عن 'الاغتراب والعوامل الخمسة الكبرى للشخصية لدى مضطربي الهوية الجنسية'، اندهاشها من توقف عمل اللجنة متسائلة: 'لدينا مريض يطلب خدمة علاجية، ويريد أن يسير في طريق قانوني معترف به في المجتمع، لماذا لا نقف إلى جواره ونسانده، وتميز اللجنة ما بين المدّعي والمريض؟ لماذا نعطّله ونقف في طريق علاجه؟ لماذا لا نقدم لهؤلاء إجراءً قانونياً يساعدهم في مجتمعهم؟'، لافتة إلى أن 'بعضهم يلجأ إلى السفر للخارج، ويطلب حق لجوء لأي دولة. باختصار، نحن نحتاج إلى فتح المجال لهؤلاء المرضى الذين يبحثون عن العلاج بشكل حقيقي، ويكون هذا الأمر تحت مظلة قانونية حاكمة تحددها الدولة'.
وعن آلية اللجوء التي يسلكها بعض المرضى يقول الطبيب النفسي هاشم بحري، في كتابه 'ظاهرة التحول الجنسي'، هؤلاء يذهبون إلى 'إحدى السفارات الأجنبية التي تقوم بالاطلاع على الرأي الطبي وعدم موافقة الأزهر، لذا تجد حسب قوانينها أن مصلحة المريض الطبية تستلزم إجراء التحول الجنسي'. ويضيف بحري، الذي كان له باع طويل في هذا الملف من واقع شهادات المرضى والأطباء: 'تمنح هذه الدول المريض حق اللجوء الديني، ويسافر إلى هذه الدولة ويقيم بها لمدة عام حتى يتأقلم مع المجتمع ويتعلم اللغة وإحدى المهارات حتى يعمل بها ويكسب ثم يجري العملية'، (ظاهرة التحول الجنسي ـــــ هاشم بحري ــــ صـ 9).
تبقى إجابة سؤال لماذا لا تمارس اللجنة دورها الذي شُكلت من أجله؟ هو بيت قصيد تلك الأزمة، ولا إجابة يقينية عنه سوى لدى اللجنة ذاتها، وهو التساؤل الذي طرحته 'اندبندنت عربية' على رئيس لجنة التصحيح الجنسي في مصر، الدكتور أيمن سالم، الذي أكد أن 'لا إشكالية' في إجراء عمليات التصحيح لأصحاب الجنس البيني (الخنثى)، بينما يبقى مضطربو الهوية الجنسية 'قضية شائكة'، مؤكداً أنه 'التقى كثيرين لديهم اضطراب هوية جنسية، وجميعهم يشعرون أنهم أصحاب حق، وعلى المجتمع أن يوافق على هذا التحول'، فما الذي يمنع تلك الموافقة؟
يجيب الدكتور أيمن سالم: 'منذ ثلاثة أعوام تقريباً أرسلت اللجنة تستفتي رأي الأزهر في إمكان إجراء جراحات التحويل الجنسي، فكان الرد بأننا مدعوون إلى جلسة كبار العلماء داخل الأزهر. حينها وُجهت إلينا بعض الأسئلة، كان السؤال الأول: هل يكون التحوّل كاملاً، بمعنى إذا أصبح الذكر أنثى هل باستطاعته أن يحمل ويلد؟ وإذا كان ذكراً هل باستطاعته أن يتزوّج وينجب؟ وكان الرد أنه لا، لأن التحوّل يكون شكلياً فقط، لكن حقيقة الأمر يظل الإنسان كما هو، ما يحدث أننا نغير الشكل من خلال هرمونات، لكن يظل داخلياً كما هو ذكراً أو أنثى'.
ويضيف سالم: 'كان التساؤل الثاني هل يمكن بعد عملية التحويل سواء أكانت لذكر أم أنثى أن يرغب الشخص المحوّل في العودة إلى سيرته الأولى؟ والحقيقة أن هذا الأمر لا يمكن الحكم عليه أو إحكامه، الأمر بالأساس مبنيٌّ على اضطراب هوية، ومن لديه ذلك الاضطراب اليوم يمكن بعد أن تستقر حالته أن يشعر باضطراب الهوية مجدداً'.
وعليه، والحديث لرئيس لجنة التصحيح الجنسي، انتهى الأمر إلى أن 'وجهة نظر الأزهر أن نعالج الاضطراب النفسي أولاً، وأوصى العلماء بأن الأشخاص الذين يعانون اضطراب هوية يُهتم بهم إلى أقصى مدى نفسياً في أفضل المصحات النفسية، بهدف العودة إلى وضعهم الطبيعي. وبعد تلك المقابلة أفتى الأزهر بأنه (محرمٌ علينا) أن نوافق على إجراء تلك العمليات، وما يجوز فقط هو تصحيح الجنس في الحالات المشتبه فيها (الخنثى)'.
وفي سبيل توثيق ما ذهب إليه رئيس لجنة التصحيح الجنسي وصحة مزاعم بعض المرضى، طرقت 'اندبندنت عربية' أبواب بعض الجهات المعنية بهذا الملف، وتواصلت مع مصادر عدة، حتى تسنّى لنا الاطلاع على نص الخطاب الموجّه من الأزهر إلى نقابة الأطباء المصرية، المؤرخ في الـ15 من فبراير (شباط) 2022، ويفيد بـ'حرمة إجراء العمليات الجراحية بغرض تحويل الجنس لمجرد ميول واضطرابات نفسية شديدة' بعد اجتماع ضم اللجنة الفقهية بهيئة كبار العلماء بالأزهر، مع لفيف من الأطباء المتخصصين من نقابة الأطباء، وكذلك أساتذة الطب بجامعة الأزهر، وأساتذة الشريعة بالأزهر والجامعات المصرية، وفق ديباجة الخطاب.
وتحت عنوان 'موقف الأزهر من مشروعية التدخل الطبي الجراحي لمعالجة حالات الاضطراب الشديد في الهوية الجنسية' يشدد الأزهر على أن تلك الجراحات 'لا تعد من قبيل التداوي المشروع، ولا طلب الشفاء المباح'، واصفاً إياها بأنها 'انحرافٌ عن الفطرة الإنسانية، وتعدٍّ على الخلقة الإلهية ومحاولة عبثية لتنكيسها'، محذراً من أن تلك الجراحات 'قد تكون ذريعة لتقنين العلاقات الجنسية المثلية'، باعتبار أنها 'لا تغيّر التركيب البيولوجي للمريض'، وداعياً الأطباء إلى 'أن يقفوا وقفة صامدة ضد إجراء هذه العمليات'.
ولا يبدو باب الرأي الديني موصداً بشكل كامل، كما الحال مع خطاب الأزهر الذي وصف مرض اضطراب الهوية الجنسية بـ'المدمر للإنسانية'، في وجه تلك الحالات التي ثبت حقاً أنها مريضة وتعاني، فربما يكون في اختلافهم رحمة بهذه الفئة التي كثيراً ما تتعلق بأي بصيص من النور في نفقهم المظلم. يقول الشيخ أحمد وسام أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية: 'اضطراب الهوية الجنسية حالة معقدة جداً ما بين الطب العضوي والطب النفسي. هذه الحالة نادرة جداً، واكتشافها صعبٌ للغاية، وهنا لا نحتاج إلى أن نقول إننا واقفون عند رأي الشرع، لأن الشرع من ناحية الأصل كما ورد في حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) أن أعرابياً جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال له (يا رسول الله أنتداوى، قال له تداووا، فما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله)'.
ويضيف الشيخ وسام بشيء من التفصيل والتوضيح: 'ليس بمقدورنا أن نقول إن الشرع (الرأي الديني) هو المحطة الأخيرة، على العكس هو المحطة الأولى والأخيرة إلى جانب الطب، ما أقصده أن الشرع سيقول رأيه في هذه الحالة بعدما يتبيّن ويدرك رأي الطب، والحاصل أن لجنة تصحيح الجنس تتكون من طبيب في الذكورة والتناسل وطبيب نفسي وعلم الجينات الوراثية والغدد الصماء، مما يعني أنها كونسولتو، وكل تخصص يُدلي برأيه، حتى تكتمل الرؤية، ونتأكد أننا حقاً أمام حالة اضطراب هوية جنسية'.
وبينما يبدو خطاب الأزهر وكأنه وصيٌّ على رأي اللجنة الطبية، متشدداً في إجراء تلك العمليات، فإن أمين فتوى دار الإفتاء المصرية يشير إلى أن الرأي في نهاية المطاف 'لا يكون خاصاً بالشرع فقط، إنما رأي الشرع مبنيٌّ على هذا القرار الصادر من تلك اللجنة المتكاملة التي تكمل بعضها بعضاً، وتتناقش معاً، ومن ثمّ تصدر رأيها. وعليه لا يجوز أن أقول إنه صدرت فتوى عن دار الإفتاء المصرية بالإجازة أو المنع، لأن كل حالة لها ملابساتها، ولها دراساتها التي تستغرق من الزمان وقتاً قد يصل إلى أعوام حتى نتأكد ونتيقن أن هذه الحالة ينطبق عليها هذا الخلل بين العقل والجسد'.
ويزيد الشيخ وسام: 'الدين ليس عقبة، إنما منظم. ولجنة التصحيح علمية متكاملة مُلمة بذلك الملف من الناحية التطبيقية العملية، أقصد أنها إذا توصلت إلى أن هذا الشخص لديه خلل وتنافر، فما نسبته؟ وأي مصلحة تُقدّم على الأخرى؟ وأي مفسدة تدفع، لأنها ستجلب مفسدة أكبر؟ كل هذا بالتكامل الذي تشمله اللجنة نحن نتلاشاه، ولهذا أقول إن هذه المسألة ليست بهذه الصورة المنع أو الإباحة المطلقة'، مشدداً على أن الأصل في التعامل مع جسد الإنسان في العموم وليس اضطراب الهوية الجنسية فقط هو المنع، التعدي على جسم الإنسان بالجراحة والمشرط والأدوية الأصل أن نمنع، لكن نبيح ذلك للضرورة على قدر التداوي وما يصلح حال الإنسان.
وعودة إلى الأزهر وخطابه الموجَّه إلى نقابة الأطباء المصرية، وجدلية الدين والعلم في مسائل طبية كهذه، يقول رئيس لجنة التصحيح الجنسي، الدكتور أيمن سالم: 'نحن لدينا خلافٌ دائمٌ ما بين رغبة العلماء في أن يقدموا إنجازات علمية والتمادي فيها إلى أقصى مدى، وتحجيم الشرع والدين لهذا الأمر'، مستشهداً بالاستنساخ الذي يتمنّى العلماء أن يسعوا فيه، وأن يشرّع عالمياً، لأنه محرمٌ على مستوى العالم، ليس لأنه ليس علمياً خطأ، إنما لأنه سيؤدي إلى اضطراب أو خلل في المنظومة الدنيوية التي خلق الله عليها الكون.
وعن اضطراب الهوية الجنسية يضيف سالم: 'نحن كدولة إسلامية مرجعيتنا الدينية الأزهر، وحينما يقول إن هذا الإجراء (عمليات التصحيح) سيؤدي إلى خلل اجتماعي هنا يجب علينا اتباعه. وعليه، رغبة الجراحين في أن يجروا تلك العمليات لا تغير من الأمر شيئاً، ما دام الأزهر درس الأمر بناءً على الفتوى التي وردت إلينا وحرّمت الأمر، وبشكل قاطع لا يجوز، هذه هي النقطة الفاصلة'.
ويستوي حديث الشيخ وسام مع فتاوى الشيخ الطيب في هذا الشأن، ففي كتاب 'الأطفال يسألون الإمام' الجزء الثاني منه، وفي معرض إجابته عن تساؤل لطالبة عن حق الطفل في اختيار هويته الجنسية، قال شيخ الأزهر: 'حالات اضطرابات الهوية الجنسية تكون أحياناً مرضاً جينياً يدخل ضمن العلاج وطلب التداوي بعد تشخيص الأطباء الثقات، وتعرف تلك الحالات بتحويل النوع، ويجري عرضها على مجمع البحوث الإسلامية بواسطة نقابة الأطباء، حيث يجري الاطلاع على الحالة وتقييمها، فإن كانت تستحق الدراسة تحوّل إلى اللجنة الفقهية بمجمع البحوث الإسلامية أو هيئة كبار العلماء، ويجري بحثها ورفع تقرير بها، لكي يتم اتخاذ القرار فيها بالتعاون مع نقابة الأطباء'.
ويضيف الطيب: 'أما التحول الجنسي الذي يجري بناءً على هوى الشخص واختياره دون مبرر طبي فهذا من قبيل مخالفة الفطرة، وتغيير خلق الله، وله آثاره السلبية على الفرد والمجتمع، ونحن لنا توجيهاتنا الدينية وهويتنا الإسلامية والعربية وعاداتنا الخاصة واستقلالنا الثقافي، الذي يجعل هذه الأمور الوافدة علينا لا تناسبنا ولا يتقبلها مجتمعنا، ولا يسمى ذلك تخلفاً ورجعية، بل هو التزام وخصوصية' لافتاً في كتابه إلى أن 'الذي له حق الفتوى في مثل هذه الأمور بالحل والحرمة هم المتخصصون من العلماء والأطباء'، انتهت فتوى الطيب (الأطفال يسألون الإمام ــــ صـ 32).
يتذرّع البعض بحالات الانتحار التي تحدث بين هذه الفئة بعدما يعانون اكتئاباً على أثر عزلتهم، وأن حماية النفس واجبة دينياً، وأن مداواتها طبياً أولى من تركها للتهلكة، فهل أغفل الأزهر هذا الجانب؟ يجيب الدكتور أيمن سالم: 'اضطراب الهوية مرض نفسي معضل ويصاحبه نسبة من الانتحار لا شك. وفي أثناء اجتماعنا مع اللجنة الدينية كان التساؤل من قِبل رجال الدين ماذا يحدث لو لم نعالج هؤلاء المضطربين؟ وكان الرد بأن نسبة منهم تقدر بـ30 في المئة تنتحر، فكان تساؤلهم مرة أخرى هل هذه النسب ستتغير لو أجرينا لهم عمليات التصحيح وعالجنا الحالات؟ وهنا للحقيقة حينما بحثنا في الأمر ومن خلال دراسات أجريت وجدنا أن من يجرون بالفعل تحويلاً جراحياً بناءً على اضطراب الهوية الجنسية الملازم لهم لديهم نسبة انتحار تقريباً النسبة نفسها قبل إجراء الجراحة'.
وعن الانتحار ونسبته قبل الجراحة وبعدها يقول استشاري الطب النفسي بجامعة الأزهر، محمد حمودة: 'حالات الانتحار الخاصة بهؤلاء حول العالم كثيرة جداً، ونسبة الانتحار المسجّلة اثنان في المئة من المحولين جنسياً، وهي نسبة ليست قليلة، ما يعني كل 100 شخص تحوّلوا جنسياً بينهم اثنان سيلجآن إلى ذلك، وهي نسبة قديمة، مما يعني أنها حالياً أعلى من ذلك كثيراً'، مبرراً ذلك بأن ما يحدث أن الشخص المحوّل يفاجأ أن الحياة 'ليست وردية كما كان يتخيل فيلجأ إلى التخلص من حياته، خصوصاً حينما يكتشف أنه أصبح منبوذاً مجتمعياً، وعاجزاً عن التفاعل مع البيئة المحيطة به سواء أكان ذكراً أم أنثى'، على حد قوله.
منذ عام 1984 وضعت منظمة الصحة العالمية بروتوكولاً للتعامل مع مرضى اضطراب الهوية الجنسية، يتضمن مساراً محدداً زمانياً وطبياً، أولاً أن يتابع المريض مدة عامين مع طبيب أمراض نفسية متخصص في اضطراب الهوية الجنسية، في محاولة لإقناع المخ بالتكيف مع الجسم، إذ ربما يكون لدى المريض اضطراب عادي وليس جنسياً، ما يعني أنها مشكلة نفسية يمكن معالجتها.
وثانياً، لو ثبت أن المريض مضطرب هوية جنسية خلال عامين من العلاج، وقتها يكتب الطبيب النفسي تقريراً بأن هذا الشخص قد شُخّص مريضاً وأن مشكلته لا حل لها إلا بتغيير الجسم كي يتوافق مع المخ. وثالثاً خلال العامين يجري الطبيب النفسي معايشة للمريض في الجنس الآخر الذي سيعبر إليه من ملابس وغيرها، ما يعني عملية تأهيل للمريض، ويبدأ المجتمع والأسرة والشخص أيضاً في استشعار مدى التقبل من عدمه للجنس الجديد، وبعد أن يعيش المريض في هذا الدور الجديد عاماً في الأقل، وشعر براحة نفسية هنا الطبيب النفسي يقرّ بأن المريض يحق له إجراء العملية، هذا هو البروتوكول العالمي، لكن ماذا يحدث في مصر؟
وفق تقارير معتمدة من قِبل أطباء مصريين نفسيين لمرضى مضطربين جنسياً، اطلعت عليها 'اندبندنت عربية' ذُيلت بأن المريض 'لا يوجد لديه اضطراب عقلي أو مرض نفسي أو عضوي أو شذوذ جنسي يمنع التشخيص وله مطلق الحرية في اختيار الخطوة العلاجية التالية'، فإن تلك التقارير أو ما يعرف بين أوساط المضطربين بالشهادات هي التي تدور حولها التجاذبات، باعتبار أن محطة العلاج النفسي وما تنتهي إليه من تقرير كاشفة لمن جاء الطبيب مريضاً أو مدعياً، وتحمّل علاجاً مدته عامان متأرجحاً بين الجنسين.
في هذا الشأن، يؤكد استشاري الطب النفسي بجامعة الأزهر محمد حمودة، أن نسبة قليلة فقط من مضطربي الهوية الجنسية 'هم من يرغبون في العلاج فعلياً، غالبيتهم يهدف فقط إلى الحصول على تقرير أو شهادة تفيد بأنه مريض ويحتاج إلى إجراء العملية من دون المرور على خطوات العلاج المقررة'. كاشفاً عن أن في مصر 'أطباء نفسيين يمنحون هؤلاء المضطربين شهادات تفيد بأنهم خاضوا رحلة العلاج، وأنهم أخفقوا في إقناعهم في الاحتفاظ بجنسهم، ما يحق لهم إجراء جراحة التحويل، على رغم أنهم لم يداوموا أو يستكملوا خطوات العلاج النفسي كاملة'، على حد قوله.
وقبل أن يقطع الأزهر المسار المتبع في هذا الشأن بفتوى التحريم فإنه كان سابقاً يحق للمريض في مصر إجراء جراحة التحويل لو حصل على شهادة من طبيب نفسي بأنه خاض رحلة العلاج النفسي التي أثبتت أنه بحاجة إلى جراحة، تلك الشهادة التي يعتمدها المريض من الأزهر بناءً على الرأي الطبي تعد إباحة للعملية طبياً ودينياً، لكن هذا لم يعد موجوداً الآن، بعدما جمّد الأزهر عمل اللجنة.
وعلمت 'اندبندنت عربية' من مصادر، فضَّلت عدم الكشف عن هويتها، أن ما دعا الأزهر إلى إيقاف تلك العمليات في مصر، أن تجارة عرفت بـ'تجارة الشهادات' نمت وترعرعت في وادي المضطربين جنسياً، بعدما أصبح أطباء بأعينهم متخصصين في إصدار تلك الشهادات من دون أن يخوض المريض رحلة علاجه، مما فتح الباب على مصراعيه لمن هو مريض ومدعٍ.
ويتوافق حديث المصادر مع بيان الأزهر من ضرورة التداوي النفسي أولاً، إذ على ما يبدو بأنه تسرّب شعور بأن هذه الفئة ترغب في القفز على ذلك العلاج، وهو أيضاً ما يتسق مع رواية رئيس لجنة التصحيح الجنسي الدكتور أيمن سالم، إذ يقول من واقع جلساته مع علماء الأزهر: 'قلت لهم أرجو أن لا تقولوا لنا إن الأمر حرام وفقط، وضّحوا لنا كيف يتعامل الدين مع تلك الحالات، لأنه ليس مطلوباً مني بوصفي طبيباً أو لجنة أن أغلق الباب في وجوههم، إذ يجب علينا أن نتعامل معهم كمرضى، فكان الرد بالتشديد على التداوي النفسي فقط'، وانتهى ما دار في اللجنة، لكن سالم يأسف على أن هؤلاء 'صراحة لا يلجأون إلى التداوي النفسي'، على حد تعبيره.
يقول عصمت، الذي حصل على تقرير بعد رحلة علاج استغرقت عامين، ومن خلاله أجرى عمليتين الأولى في الإسكندرية خاصة بالثدي، إذ يرغب في العبور من أنثى إلى ذكر، والثانية أجراها في القاهرة، وتتبقى له عملية ثالثة وأخيرة خاصة بالعضو، 'لم أكن أعلم أن هناك آخرين مثل حالتي، تعاملت مع بعضهم لكن شعرتُ بأنهم مدّعون، تركتهم وأكملت طريقي بحثاً عن ذاتي، خلال مشواري قابلت كثيرين يعالَجون وآخرين ينكرون العلاج، ويقولون إنهم يشعرون بأنفسهم ويعرفونها جيداً بعيداً من الطب'.
ويدلل حمودة على رؤيته مستشهداً بمريض يعالج لديه: 'ذكر يحاول أن يعبر إلى أنثى، عولج نفسياً كما يقول واتخذ بعض الإجراءات منها تركيب صدر، وإطالة الشعر، وكذلك هرمونات أنثوية، ولا يزال محتفظاً بعضوه الذكري، الآن يرغب في أن يجري العملية كي يعبر جنسياً، لكن مع الأسف الموضوع أغلق'، مضيفاً أن 'بعض الأطباء الذين لا يهتمون بأخلاقيات المهنة، ولديهم مخالفات قانونية، أكدوا له أنه يمكن إجراء جراحة التحويل من دون الحصول على شهادة'.
وبعد بحث مضنٍ تواصل معدّا التحقيق مع طبيب 'م ع'، زعم أكثر من مريض بأنه يجري جراحات للمضطربين جنسياً خارج إطار القانون، غير أنه نفى ذلك في حديثه إلينا قائلاً 'ليس حقيقياً أنني أجريت جراحات من دون تقرير طبي وموافقات. كنت أجري تلك العمليات حينما كانت تمنح الموافقات، لكن الآن لا'، لافتاً إلى أنه 'منذ وفاة الدكتور هاشم بحري (رئيس قسم الطب النفسي بجامعة الأزهر آنذاك) لا توجد موافقات ومن ثم لا عمليات'.
وعلى رغم نفيه المتكرر إجراء تلك الجراحات فإن الطبيب المتخصص في جراحات المسالك البولية أكد أن 'أطباء كثيرين يجرون تلك الجراحات، على رغم تعطل الموافقات الطبية والدينية'، مقدماً ما يشبه بخريطة للأقاليم التي تنتشر بها هذه الجراحات: 'أطباء في أنحاء الجمهورية يجرون تلك العمليات في الإسكندرية وكفر الشيخ وطنطا والمنصورة والقاهرة والبحر الأحمر'، كاشفاً عن أن 'تسعيرة الجراحة تراوح ما بين 70 ألفاً و80 ألفاً وتصل في بعض الأحيان إلى 100 ألف'.
وبينما شدد الطبيب على 'أنه لم يعد يُجري هذه العمليات الآن'، فإنه في الوقت ذاته أشار إلى أن كثيراً من المرضى يتواصلون معه 'يراسلني كثيرون منهم على وسائل التواصل الاجتماعي لإجراء تلك الجراحة، لكني أقابلهم بالرفض، وفي بعض الأحيان يأتيني أشخاص منهم إلى العيادة لكني أرفض أيضاً توقيع الكشف الطبي عليهم'، مكرراً 'لم أعد أجريها، ولن أعود إليها حتى لو فُتح باب الموافقات'.
وتحظر المادة 43 من لائحة آداب مهنة الطب على الطبيب إجراء عمليات تغيير الجنس، أما بالنسبة إلى عمليات تصحيح الجنس فإنه يشترط موافقة اللجنة المختصة بالنقابة، بعد إجراء التحليلات الهرمونية وفحص الخريطة الكروموزومية وبعد قضاء فترة العلاج النفسي والهرموني المصاحب لمدة لا تقل عن عامين.
وفي شأن الأطباء الذين يجرون تلك العمليات بشكل غير شرعي يقول أيمن سالم إن النقابة تتخذ إجراءات تأديبية في حق هؤلاء بـ'الاستدعاء والتحقيق من قبل لجنة تحقيق، وإذا ثبت أن الطبيب أجرى تلك العمليات قاصداً التربح بالمخالفة، يحال على المحكمة التأديبية داخل نقابة الأطباء، ثم إلى المحكمة الاستئنافية'.
مع تبدُّل مسارات علاج مضطربي الهوية الجنسية في مصر من الإيجاز الطبي الذي تتأسس عليه الإباحة الدينية في السابق، إلى الحرمانية الدينية المطلقة التي أدت إلى التجميد الطبي حالياً، وما بينهما من تقارير تدور حولها الشبهات، وأطباء يجرون جراحات خارج إطار القانون في مستشفيات خاصة ومجهولة، يبقى المرضى الفريسة السهلة لتلك المصيدة، فلا الرأي الديني منع إجراء الجراحات، ولا عدم فاعلية التقارير الطبية أنهت المشكلة، لكن الوضع القائم حالياً جعل من أجرى العملية بالمخالفة أمام معضلة أوراقه الثبوتية وهويته التي لا تزال تحتفظ بجنسه ما قبل التحويل ولا يحق له تغييرها، إضافة إلى سقوطه في الفراغ، فهل ينتهي الأمر بسن قانون محكم يضمن الرعاية الطبية لهؤلاء المرضى ويجرّم ويعاقب المخالفين ويحفظ للمجتمع سلامته من الانحراف؟
يقول المحامي بالنقض والإدارية العليا والدستورية العليا عصام الإسلامبولي: 'جدير بنا التعرف إلى ما يقوله الدستور المصري في هذا الشأن قبل أن نسأل هل نحن بحاجة إلى قانون أم لا'، موضحاً 'لدينا ثلاث مواد تحكم هذا الشأن، الأولى المادة الثانية التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، ومن ثمّ لا يجوز لأي تشريع يتعلق بأي أمر أن يخالف أو يتجاوز ما جاء في أحكام الشريعة ومقاصدها. والثانية المادة الـ54، التي تتطرق إلى الحرية الشخصية، وتصفها بأنها مصونة ولا تمس، لكن في حدود القانون، أي أنه ليس هناك ما يقول إنها حرية شخصية أو حرية رأي أو حرية تعبير ما دامت تخالف القانون والشريعة فلا يعتد بها'.
أمّا المادة الثالثة، والحديث لا يزال للإسلامبولي، فهي المادة الـ60 التي تحدثت عن جسد الإنسان، الذي لا يجوز الاعتداء عليه، أو تشويهه، أو تغييره، واصفة هذا الأمر بأنه 'يمثل جريمة'، وهو الوصف الذي يراه المحامي المصري 'نادراً، ما ينص الدستور على مواد تجرّم الأفعال المخالفة لها، لكن في هذه المادة جرّم الدستور الفعل الذي يتعرض لتغيير الجسد أو تغيير النوع أو التلاعب به أو تشويهه'.
ويأسف عصام الإسلامبولي على أن هذه القضية معروضة أمام القضاء منذ الثمانينيات، وحتى الآن المشرع 'لم يستجب لها، مكتفياً بقانون الأحوال المدنية، الذي لا ينظم أحوال مضطربي الهوية الجنسية'، قائلاً 'لدينا لجنة عليا تدعى (الإصلاح التشريعي)، يفترض أنها تعرض على المشرّع القوانين والتشريعات الواجب عملها، كي تتواءم مع الدستور، لأنه يوجد كثير من الحالات نصّ عليها الدستور، ولم يُتخذ إجراء قانوني في شأنها، والتصحيح الجنسي حالة من تلك الحالات، وفي أي دولة تحكمها سيادة القانون قائمة على المدنية والديمقراطية لا بد من أن ينظم القانون هذه الحالات'، محذراً من أن أي مشكلة اجتماعية 'إذا لم تكن خاضعة لتنظيم قانوني ستبقى دائماً مثيرة للمشكلات، وستتضارب فيها التطبيقات القضائية، ما يعني أننا نرى محكمة تستجيب وأخرى ترفض'.
وقبل ثلاثة عقود، تحديداً عام 1988، شهدت مصر جدلاً واسعاً، إذ كان القضاء على موعد مع أول واقعة متحوّل جنسي في البلاد، الطالب بكلية طب الأزهر 'سيد' الذي تحوّل إلى أنثى 'سالي'، التي خاضت 18 عاماً بين أروقة المحاكم المصرية، لكن على رغم حالة الزخم التي أثارتها القضية حينها فإن المشرّع المصري 'لم يتدخل لتنظيم الأمر، سواء بالحظر المطلق أو بالإباحة المشروطة والمقيدة أو بالإباحة غير المشروطة'.
وعام 2016 أهاب القضاء الإداري في مصر بمجلس النواب إصدار قانون ينظم التحول الجنسي في البلاد، وذلك في أثناء نظره قضية من قبل نوران مجد الدين، التي أجرت عملية تحويل مطالبة بإلزام وزارة الداخلية تغيير هويتها الثبوتية، لكن المحكمة واجهت دعواها بالرفض.
وفي تقدير الطبيب الجراح محمد عبدالرسول أن مصر 'تأخرت جداً عن أن تضع قانوناً يتعامل مع مثل تلك الحالات'، قائلاً: 'وجود قانون للتعامل مع تلك الحالات سيمنح فرصة أولاً للمرضى بأن لا يفكروا في الانتحار، ثانياً سيكون لديهم طريق قانوني يمكنهم السير فيه، أيضاً القانون يحمي الأطباء، لأن الأطباء ذوي الضمير لن يجروا الجراحة، ولا مساعدة المرضى، لأنه لا توجد مظلة قانونية تحميهم'.
ويتمنّى الطبيب المصري في حديثه 'أن يكون لدينا حوار مجتمعي ينتهي بسن قانون، كما وضعنا قانون زراعة الأعضاء والمسؤولية الطبية، أيضاً نضع قانوناً للتعامل مع مرضى اضطراب الهوية الجنسية، وكذلك نستعين برأي الدين، كي لا تكون لدينا آراء فقهية متضاربة. مصر لديها من العلماء القادرين على سن القانون وحل مشكلات عدة يواجهها المرضى'، محذراً أخيراً من أن بعضهم يسافر خارج مصر لإجراء الجراحة مثلاً في تايلاند أو أوروبا، ومنهم من يلجأ إلى بلاد غربية لجوءاً إنسانياً على اعتبار أن مصر لا تجري مثل تلك العمليات، وهذه طرق المرضى للتعامل مع أزمتهم كل حسب مقدرته المادية، لكن عدم وجود قانون هو الذي يفتح هذه الأبواب الملتوية.
وبينما يرى عبدالرسول أن سنّ قانون خاص بمضطربي الهوية الجنسية مطلب مُلح فإن مسؤولة برنامج النوع الاجتماعي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية لبني درويش تعتقد أن مصر 'في مرحلة سابقة للحديث عن تشريعات خاصة، ولربما يكون المجتمع ليس في حاجة إلى تلك التشريعات'، موضحة علينا أن 'نتأكد أولاً أن المؤسسات الموجودة المنوط بها تقديم الخدمة لهؤلاء المرضى على نحو لجنة التصحيح فعّالة وتنظر في أمورهم'، آسفة على أن مسار العابرين الموجود من قبل وزارة الصحة المصرية، الذي يحدد كيف يمكن الوصول إلى خدمات طبية بشكل مناسب وبسعر مناسب ومضمون، 'مغلق بشكل عملي وبيروقراطي'.
وبينما سجالات الطب والدين والقانون تدور في متاهة البحث عن طريق آمن للعابرين جنسياً في مصر، فإن (فريدة) عبرت بجنسها من ذكر إلى أنثى، في رحلة عنوانها التمييز مصيري، و(عصمت) يتهيأ لإجراء جراحته الأخيرة الخاصة بالعضو، التي سيصبح بعدها ذكراً، وبينهما يقف (رضا) ممسكاً تقريره الطبي مؤمناً بأن له 'مطلق الحرية في اختيار الخطوة العلاجية'، كما أوصى طبيبه النفسي، تلك الخطوة التي يستدين من أجل تدبير نفقاتها لإجراء الجراحة لدى طبيب خاص سبقه إليه كثير من المضطربين حتى لو كلفه الأمر حياته ثمناً، أو أن يعيش ممزقاً بين أوراق ثبوتية مغايرة لجنسه وهويته.


































