اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ٢٧ أذار ٢٠٢٦
لم يعد البرق ظاهرة أرضية خالصة فوفق ما كشفته وكالة الفضاء الأميركية ناسا، تضرب عواصف كهربائية هائلة كواكب المجموعة الشمسية بقوة تفوق أحيانا ما نشهده على كوكبنا، لتضيء غيوما تمتد على مساحات بحجم قارة كاملة، وتطلق طاقات مذهلة تتجاوز الخيال.
يُعد البرق أحد أعنف الظواهر الطبيعية، إذ تصل حرارته إلى مستويات تفوق حرارة سطح الشمس وعلى الأرض، يرتبط ظهوره بالعواصف الرعدية، لكن المفاجأة أن هذه الشرارات الكونية ليست حكراً علينا، بل تمتد إلى عمالقة الغاز في أعماق النظام الشمسي.
كانت البداية الصادمة عام 1979، عندما حلقت المركبة فوياجر 1 قرب كوكب المشتري، لتلتقط صوراً لمناطق مضيئة بالبرق داخل غيومه، تمتد على مساحات تقارب حجم الولايات المتحدة.
ورصدت أجهزة القياس على متن المركبة موجات راديوية تُعرف باسم “الصفارات”، وهي إشارات مؤكدة على حدوث تفريغات كهربائية وكان من بين العلماء الذين شاركوا في تحليل البيانات الفيزيائي دون جورنيت من جامعة أيوا، الذي أكد أن هذه الانبعاثات لا تترك مجالاً للشك بوجود برق فعلي.
لاحقاً، سجلت مركبة نيو هورايزونز ومضات برق على المشتري تفوق قوة أي تفريغ كهربائي سُجّل على الأرض بعشرة أضعاف أما مركبة جونو، التي اقتربت من الكوكب أكثر من أي مهمة سابقة، فكشفت أن معظم برق المشتري يتركز عند خطوط العرض العليا، بخلاف الأرض حيث يضرب البرق غالباً المناطق الاستوائية وفوق اليابسة.
وسجلت “جونو” معدلات بلغت أربع ومضات في الثانية، وهي أرقام تضاهي المعدلات الأرضية، لكنها تحدث في بيئة أعنف وأضخم بكثير.
كما هو الحال على الأرض، ينشأ البرق نتيجة تصادم جزيئات الجليد وقطرات الماء داخل السحب. لكن في المشتري، تصعد الغازات، ومنها بخار الماء، من أعماق الكوكب الهائلة.
ومع تجمدها في طبقات الجو العليا، تنفصل الشحنات الكهربائية بفعل تيارات الحمل الحراري، لتُفرغ طاقتها على شكل ومضات برق هائلة.
لم يكن المشتري وحده في هذا العرض الكهربائي الكوني فقد رصدت مركبتا فوياجر 1 وفوياجر 2 خلال تحليقهما عامي 1980 و1981 قرب كوكب زحل إشارات راديوية تُعرف باسم “الزفيركس”، وهي مؤشرات واضحة على نشاط كهربائي.
ويشرح جورنيت أن هذه الانبعاثات يمكن سماعها على الأرض كتشويش في موجات راديو AM أثناء العواصف الرعدية.
لكن على زحل، تبدو الصورة أكثر شراسة؛ إذ سجلت مركبة كاسيني معدلات برق تصل إلى عشر ومضات في الثانية خلال العواصف القوية.
يبقى كوكب الزهرة حالة جدلية فغلافه الجوي الحار والمشبع بثاني أكسيد الكربون وحمض الكبريتيك يطرح تساؤلاً: هل يمكن أن يولّد هذا الخليط برقاً؟
خلال تحليق “كاسيني” قرب الزهرة في أواخر التسعينيات، استخدم جورنيت أجهزة رصد دقيقة بحثاً عن إشارات برق، لكن دون نتيجة.
اللافت أن الأجهزة نفسها رصدت برقاً أرضياً بسهولة بعد شهرين فقط، ما عزز فرضية غياب برق شبيه بالأرض على الزهرة.
في المقابل، سجلت مركبة فينوس إكسبريس التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية دفعات من موجات كهرومغناطيسية، اعتبرها بعض العلماء دليلاً محتملاً على وجود برق، بينما شكك آخرون في دقة القياسات بسبب محدودية نطاق التردد.
أما على كوكب المريخ، فقد أجرى جورنيت بحثاً استمر خمس سنوات باستخدام بيانات مركبة مارس إكسبريس، بحثاً عن برق يرافق العواصف الترابية الشهيرة ورغم عدم رصد إشارات مؤكدة، أظهرت صور التقطتها مركبة مارس غلوبال سيرفيور ومضات ساطعة داخل بعض العواصف، إضافة إلى فوهات على السطح يعتقد بعض العلماء أنها قد تكون آثار ضربات برق.
تكشف هذه الاكتشافات أن البرق ليس مجرد ظاهرة أرضية، بل لغة كونية مشتركة بين الكواكب، تختلف شدتها وخصائصها تبعاً لتركيب الغلاف الجوي وظروف الطقس وبينما يظل كثير من الأسئلة بلا إجابة، تؤكد بعثات الاستكشاف أن أعنف العواصف الكهربائية في النظام الشمسي لا تزال تخبئ أسراراً تنتظر من يكشفها.


































