اخبار مصر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٧ تموز ٢٠٢٦
احتفاء جماهيري بأعمال تحاكي هموم المواطن بلا اصطناع بعد أعوام من سيطرة مسلسلات الكومباوندات فهل تصحح الدراما مسارها؟
أصداء مسلسل 'ورد على فل وياسمين' لا تزال حاضرة، فالعمل الذي استهل نجاحات الموسم ما بعد الرمضاني، لم يدخل البيوت بالصراخ والإلحاح إنما تسلل إلى وجدان المشاهدين من خلال تفاصيل يختبرونها هم أنفسهم يومياً، العلاقات التي تصارع من أجل النجاة والأبطال الذين يرتدون ملابس تشبه معظم الجماهير، ويتكلمون بألفاظهم، ومشكلاتهم واقعية تماماً.
هذا التماهي كان سببه أولاً ذكاء التناول، فالقرب من المتلقي هنا لم يكن مفتعلاً بالمرة، ومواصفات البطل تشبه سمات حياة عشرات الملايين من المصريين الذين ينتمون إلى طبقة 'مستورة'، اجتهاد في التعليم وسعي إلى مساره المحدد، والطموح بتحقيق أمان مالي واجتماعي أملاً في الانتقال إلى طبقة عليا، قبل أن يأتي التعثر الموقت على هيئة قصة حب غير متكافئة.
إنها حكاية حثت المشاهدين على الجدل والتساؤل وتكوين فرق وتحزبات بين مؤيد ومعارض لخيارات الأبطال، وهي في الحقيقة تأتي ضمن سلسلة من القصص التي تتماس بقوة مع هموم ما يمكن أن يطلق عليه الطبقة المتوسطة، بعد عقد كامل تقريباً سادت فيه نوعيات محدودة للغاية من القصص التلفزيونية، وهي إما عوالم رجال الأعمال فاحشي الثراء الذين يسكنون في بيوت فارهة، محاطة بأسوار مع حبكات درامية كثير منها كان ملفقاً، ويبدو وكأنه موجه لفئة حصرية من المشاهدين، أم العكس تماماً، دراما مغرقة في الشعبية والمأسوية مع مفارقات مبالغ فيها وتقترب من الميلودراما الصاخبة. وعلى ما يبدو أن هناك من أدرك أخيراً أن هناك فئة شبه منسية، وهي من تقع بين هذا وذاك، ولحسن الحظ كثير منها تميز بالتناول الفني المحكم.
الحقيقة أنه لا يمكن تقييم نوع من الدراما بصورة مطلقة على أنه أفضل أو أسوأ من الآخر، فالفيصل في النهاية هو الحبكة المقنعة وجودة السرد والتنفيذ، سواء كانت عوالم القصة مخملية أو ترتبط بشريحة اجتماعية بسيطة، لكن حينما تمر أعوام، وتنحسر الألوان الدرامية في لونين أو ثلاثة على الأكثر، بحيث لم يكن هناك مجال سوى لأعمال قليلة للغاية كانت تجد طريقها وتفلت من هذه القبضة، ومن أشهرها مسلسل 'سابع جار' 2017 على سبيل المثال الذي حقق نجاحاً عريضاً.
في حين كانت تفرد المساحات والموازنات والأسماء اللامعة لنوعية الدراما الأكثر انتشاراً، ودراما الكومباوندات على وجه الخصوص تعرض كثير منها لانتقادات حادة، نظراً إلى أن كثيراً من السيناريوهات لم تكن منطقية، وهذا يعني أن بعضاً منها أيضاً كان جيداً للغاية، والدراما التي تتناول هموم الشريحة التي لا تصنف شعبية أو ذات مستوى رفاهية ملحوظ لم تكن جميعها جيدة كذلك، وهو أمر يشدد عليه المؤلف وائل حمدي الذي كتب سيناريو 'ورد على فل وياسمين' مع السيناريست عمرو سمير عاطف، أن التفوق الفني ليس حكراً على نوع درامي بعينه، ولا حتى مستوى طبقي بعينه، فالأهم هو التميز الفني وعدم الاصطناع والصدقية، سواء كانت الأحداث تجري في مجتمع ثري وشديد الحصرية، أو شعبي أو ما بين بين.
إذن فما حدث أخيراً هو أن هناك مزيداً من الإنتاجات التي تتبنى صوت الشريحة الأعم من المصريين، بعد أعوام من التعطش، ساد فيها ما يشبه الطبقية الدرامية التي كانت تعتني بنماذج محدودة للغاية من الأبطال ومن المجتمعات، وعلى رغم ذلك يعلق الكاتب وائل حمدي 'لا يمكنني أن أؤكد أو حتى أنفي أن هناك ما يشبه تصحيح مسار الدراما، فكل مبدع وصانع يحاول تقديم ما يراه مناسباً لمشروعه، سواء على مستوى طبيعة القصة أو طريقة التناول أو العالم الذي تدور فيه، لكن الجيد هو أن نجاح تلك النوعية من الأعمال جماهيرياً، سيشجّع آخرين على الالتفات أكثر إلى شخصيات تقترب من المستوى الاجتماعي نفسه الذي يعبر عن مساحة عريضة من الجمهور، وإعادتها إلى الساحة الدرامية'.
أسرة الطبيب الشاب في مسلسل 'ورد على فل وياسمين' إخراج محمود عبدالتواب، وبطولة أحمد عبدالوهاب وصبا مبارك، تحفظت على العروس التي تكبره، وهي مطلقة تعول وتعمل كوافيرة بسيطة في حي شعبي مبتلاة بمرض صعب، فهي بالطبع لا تليق في رأيهم بطبيب التحاليل الذي يجب أن يصعد درجات لا أن يتنازل عن المستوى التعليمي والطبقي من أجل 'الحب'، لكن المؤكد كلمة طبقة متوسطة نفسها أخيراً باتت محل نقاش حاد للمهتمين بالعلوم الاجتماعية والاقتصادية، بفعل عوامل كثيرة هناك من يرى أنها تتآكل بعدما كانت صمام الأمان بالنسبة إلى المجتمع، وذلك بفعل مشكلات التضخم والتغييرات الهائلة في بنية المجتمع، وهل توصيفها يجب أن يكون ثقافياً متعلقاً بمنظومة قيم بعينها، أم التصنيف يخضع لاعتبارات اقتصادية بحتة، وكيف يمكن أن تتعامل الدراما مع هذه الإشكالية؟
يرى الناقد أندرو محسن أن الأمر بات شديد التعقيد بالفعل، لافتاً إلى أن شكل الطبقة المتوسطة في مصر بات مرتبكاً ومعالمه متداخلة اجتماعياً اقتصادياً، ولا تزال محاولات فهمه وتفنيده قائمة، وربما ينعكس هذا على الدراما التي لا تزال تتحسس إعادة هذا النوع إلى الشاشة، فعلى رغم وجود محاولات ناجحة في هذا الإطار، فإن الأمر بالطبع ليس بغزارة مسلسلات الثمانينيات والتسعينيات وحتى أوائل الألفية حيث كانت معظم الأعمال تسرد قصصاً عن أبطال تلك الطبقة التي كانت ذات معالم أكثر وضوحاً مقارنة بالوقت الحالي.
ربما أصبح مفهوم تلك الطبقة يتسع ويشمل أكثر من فئة فهناك طبقة وسطى عليا ودنيا مع أطياف أخرى، لكن في النهاية هم يختلفون كلياً عن طبقة رجال الأعمال الذين تقدمهم الدراما على أنهم حيتان السوق ممن يكسبون أموالاً طائلة مع كل شروق شمس، كذلك فإن الفروق الإنسانية تحتم عدم التنميط في ما يتعلق برسم الشخصيات الدرامية، فليس معنى أن العمل يتناول في شخصياته الرئيسة بعض المنتمين إلى الطبقة المتوسطة أنه يمكن القول إن سلوكياتهم بصورة مطلقة تتسم بمواصفات بعينها.
لكن مع ذلك هناك سمات عامة أو متوقعة، بينها أن الطبقة المتوسطة المحدودة الدخل أو العادية أصبحت أكثر هشاشة أمام أي وضع غير مألوف أو طارئ، ولهذا تقاوم بكل قوة محاولات تغيير المسار، وهو ما يحدث في مسلسل 'ورد على فل وياسمين'، إذ يبدو الصراع الطبقي له الكلمة العليا في تحريك الأحداث، فالميراث المجتمعي شديد الوطأة، ولا يمكن التخلص منه بسهولة أياً كانت طموحات المتمردين، وهذا الصراع الذي جرى طبخه بهدوء وبحنكة درامية هو أكثر ما أثار الفضول والتفاعل بين المشاهدين الذين ظلوا أياماً يدونون حول آرائهم في الأحداث حتى بعد نهايته.
يقول الكاتب وائل حمدي، إنه وفق ردود الأفعال التي تمكن من متابعتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كان من الواضح أن نوع الطبقة الاجتماعية التي ظهرت في المسلسل تمثل نقطة قوة وتماس مع قطاع كبير من المتلقين، وهو ما جرت ترجمته في طريقة في استقبال الحلقات، وفي التعبير عن محبة الشخصيات، مع ذلك يقرّ حمدي الذي له بصمة في مسلسلات بارزة ومتنوعة مثل 'موجة حارة ـ راس الغول ـ الطوفان ـ الباب في الباب - بابا جه'، أن هدف الكتابة الأول كان التطرق لعمل يتناول حكايات عن شخصيات قريبة من محيطه ويلمسها بوضوح هو والمؤلف عمرو سمير عاطف وليس التركيز على طبقة بعينها.
بنظرة سريعة على مسلسلات وأفلام فترات مثل سبعينيات وثمانينيات وحتى تسعينيات القرن الماضي، سوف نجد أن النسبة الأكبر تتحدث عن قصص تلك الطبقة المتوسطة، فأياً كان طابع العمل تشويقياً أم اجتماعياً كوميدياً أو رومانسياً، فإن القصص في غالبيتها تتمحور حول أناس يمرون بمشكلات وتحديات مشابهة مع الغالبية، سواء كانوا موظفين حكوميين أم أطباء ومهندسين ومعلمين، أو أصحاب محال صغيرة، إنها مهن شائعة للغاية، ولهذا ملابسهم كانت لها طابع مألوف، وبيوتهم ومدارس أبنائهم كذلك، إضافة إلى أن ممتلكاتهم كانت محدودة، حتى إن السيارة لم تكن عنصراً أساساً في حياتهم، بالطبع لم يكن الأبطال وكذلك الناس في الواقع نسخاً كربونية من بعضها البعض، لكن كان هناك طابع عام.
الفجوات الاقتصادية في العقدين الأخيرين وضعت بصماتها على المعايير، التي توشك أن تصبح سائلة، لأننا إذا قيمنا الطبقات بدقة وفقاً للمعايير العلمية ومستويات الدخل فإن كثيراً منها سيسقط فوراً، لكن الحقيقة أن المعايير الدرامية مختلفة، لا سيما أن التوجه الاجتماعي لا يرتبط فوراً بمستويات الدخول المباشرة بصورة واضحة، فقد يكون أحدهم لديه أفكار وأحلام الطبقة المتوسطة المهتمة بالمظهر المهندم والقيم التي تحتفي بالتعليم، وقواعد الارتباط، ويعيشون في بيت يملكونه غير مستأجر ولديهم بعض الأساسيات مثل السيارة البسيطة وممتلكات أخرى طفيفة، لكن مستوى دخلهم بالمعايير الصارمة يخرجهم من تلك الطبقة مباشرة، ولهذا فالكلمة الفيصل تتكون للسلوكيات والتوجه القيمي.
هنا يأتي دور الدراما ليفكك أنماط الشخصيات بقصص مؤثرة تعيد للشاشة صوتاً كان مهمشاً بشدة، ولهذا تجد تلك النوعية من الأعمال، وبخاصة إذا صنعت بحرفية، طريقها للمشاهد، إذ شهدت الفترة الأخيرة عرض كثير منها وبينها 'كارثة طبيعية' حيث تتهاوى أحلام الأسرة الصغيرة التي كانت تحسب نفسها متوسطة بعد أن يرزق الزوجان الشابان بسبعة توائم، وكذلك 'موضوع عائلي' الذي كان من أنجح المسلسلات التي تناولت حياة تلك الطبقة في ثلاثة أجزاء، وفي رمضان 2026 كانت هناك أعمال عدة بينها 'كان ياما كان' الذي تناول أزمة ما بعد الطلاق وحضانة الأطفال، ويمكن اعتبار 'أب ولكن' الذي تناول القضية ذاتها وعرض في الموسم نفسه يندرج تحت النوعية نفسها.
وكذلك استعرض مسلسل 'عرض وطلب' لسلمى أبو ضيف الذي عرض في رمضان أيضاً، قصة الطبقة ذاتها حيث تعمل البطلة معلمة مدرسة والحياة لا تنقلب عليها إلا بعدما تصاب والدتها بمرض الفشل الكلوي، وقبل الموسم عرض أيضاً مسلسل 'لا ترد ولا تستبدل' لدينا الشربيني وأحمد السعدني حيث كانت البطلة الرئيسة تعمل مرشدة سياحية وأسرتها ذات دخل يكفي بلا حاجة للاستدانة، فيما البطل أمامها كان يعمل سائقاً، وهو أيضاً من طبقة معقولة غير معدمة، وقد حفل العمل بلمسات إنسانية شديدة الرقة على رغم قصته الحزينة، إذ تكتشف الشخصية الرئيسة إصابتها بفشل كلوي كذلك، وتسعى إلى الحصول على متبرع لزرع عضو جديد بدلاً من التالف.
وقد أظهرت تلك الأعمال عدم قدرة غالبية أبناء تلك الطبقة على التعامل مع الأزمات الطارئة من هذا النوع، فلا يوجد ادخار كبير يؤمن كلف العلاج، ولا يوجد دخل مجزٍ لدرجة الصمود في وجه مأزق صحي كبير، فيما كان وضع أبطال مسلسل '220 يوم' أفضل قليلاً من ناحية تحمل كلف علاج مرض السرطان الذي يصاب به الزوج 'كريم فهمي'، الذي يعمل كاتباً، بينما الزوجة 'صبا مبارك' معلمة مدرسة، وتبدو العائلة أقرب للطبقة الوسطى العليا، لكنه يظل بعيداً من عالم الثراء الفاحش الذي كان سمة عامة في فترة من الفترات في المسلسلات ذات الطبيعة الاجتماعية الرومانسية.
اللافت أن الأعمال الثلاثة الأخيرة إضافة إلى 'ورد على فل وياسمين'، لم تجد مدخلاً إلى تلك العوالم أكثر مواءمة من رصد التغييرات العاطفية للأبطال بعدما يواجهون مأساة مرضية سواء تخصهم أو تخص ذويهم، وأيضاً مدى تأثير الرصيد المالي في استقبالهم مثل تلك الأمور، في ظل وضع ضاغط.يقر الناقد الفني أندرو محسن بأنه لوقت طويل ظل نمط الدراما التليفزيونية، بخلاف السينما، الأكثر شيوعاً يدور في فلك عالمين، الأول ما يسمى بدراما الكومباوندات، والثاني المناطق الشديدة الشعبية حيث كانت تقدم في رأيه، كما يتصوّرها صناع تلك المسلسلات وليس كما هي على أرض الواقع، حيث تركز على الانتقام والخروج عن القانون.
ويضيف محسن،'كنا بين حينٍ وآخر نرى تجارب تحاول الخروج من تلك الدائرة، وتقدم حبكات واقعية عن ظروف وقصص الطبقة المتوسطة، لكنها كانت قليلة للغاية، وهي لا تزال أقل من المطلوب على رغم أن المحاولات باتت أكثر عدداً وأهم من ناحية الجودة، ورمضان الماضي شهد نجاح مسلسلات درامية متنوعة ناقشت سلوكيات الأبطال حينما يواجهون معضلة في حيواتهم، وجدنا أعمالاً حققت شعبية يمكن اعتبارها ضمن دراما الطبقة المتوسطة مثل (عرض وطلب) وأيضاً الطبقة الأعلى مثل (تنين غيرنا)، وكذلك الدراما التي تتحدث عن الشرائح التي تعيش في أحياء شعبية وحياتها صعبة مثل (حكاية نرجس)'.


































