اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ١ نيسان ٢٠٢٦
وليد منصور -
تشير المعطيات الحديثة إلى أن سوق الاستشارات في منطقة الخليج لا تزال تحافظ على قدر كبير من التماسك، على الرغم من الضغوط التي فرضتها التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وفي مقدمتها الحرب الدائرة حالياً وما صاحبها من حالة ترقب اقتصادي وارتفاع في مستويات المخاطر.
وبينما كان يُتوقع أن تدفع هذه الأوضاع كثيراً من الشركات إلى تجميد مشاريعها أو تقليص نفقاتها الاستشارية، تكشف المؤشرات أن معظم المؤسسات فضّلت الإبقاء على خططها، مع إعادة توجيه الإنفاق نحو المجالات الأكثر إلحاحاً، وفي مقدمتها الأمن السيبراني، واستمرارية الأعمال، وإدارة المخاطر التشغيلية.
نمو متوقع
وبحسب التقديرات، من المنتظر أن ينمو حجم سوق الاستشارات في دول الخليج خلال عام 2026 بنحو %13، ليصل إلى نحو 11.1 مليار دولار، في إشارة واضحة إلى أن الطلب لم يتراجع، بل تغيرت طبيعته تبعاً للظروف الجديدة التي فرضتها الحرب والتقلبات المرتبطة بها، وفق ما ذكر موقع ناشيونال.
ويعكس هذا النمو استمرار اعتماد الشركات الخليجية على بيوت الخبرة والاستشارات في التعامل مع التحولات المتسارعة، سواء على مستوى إدارة الأعمال أو التحول الرقمي أو الحوكمة أو حماية الأنظمة والبنية التحتية.
أولوية سيبرانية
ويبرز الأمن السيبراني بوصفه القطاع الأسرع نمواً داخل السوق، مع توقعات بارتفاعه بنسبة تصل إلى %19 خلال العام الحالي، ليبلغ نحو 1.8 مليار دولار، مدفوعاً بتزايد المخاوف من الهجمات الإلكترونية، خصوصاً في ظل تداخل الأبعاد العسكرية والتقنية في النزاعات الحديثة.
فالحرب لم تعد تقتصر على الميدان التقليدي، بل باتت تمتد إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت المؤسسات والشركات والبنى التحتية أهدافاً محتملة لهجمات سيبرانية قد تكون موازية في تأثيرها لبعض التهديدات الأمنية التقليدية.
استمرار لا انسحاب
وتظهر المؤشرات أن نحو %40 من الشركات في المنطقة تخطط للاستمرار في مشاريعها الاستشارية كما هي، فيما تتجه نسبة أكبر إلى إعادة توجيه هذه المشاريع بما يخدم التحصين الرقمي ورفع الجاهزية التشغيلية، في حين تبقى نسبة من يفكرون في الإلغاء أو التجميد محدودة نسبياً.
وهذا السلوك يعكس تحولاً مهماً في نظرة الشركات إلى الإنفاق الاستشاري، إذ لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره وسيلة لتحسين الكفاءة أو رفع النمو، بل كأداة أساسية لتقليل الانكشاف على المخاطر وحماية استمرارية النشاط في بيئة متقلبة.
إنفاق دفاعي
وفي هذا السياق، يتجه جزء متزايد من الميزانيات إلى ما يمكن وصفه بـ«الإنفاق الدفاعي المؤسسي»، أي الإنفاق الذي يهدف إلى تعزيز المناعة التشغيلية والرقمية للمؤسسات، وليس فقط دعم التوسع أو تحسين الأداء التجاري.
ويشمل ذلك تحديث أنظمة الحماية، واختبار جاهزية البنية التحتية الرقمية، وتقييم نقاط الضعف، ووضع خطط استجابة للطوارئ، فضلاً عن الاستعانة بخبرات خارجية لتقييم المخاطر وتحديد أولويات التحصين.
إعادة ترتيب
ويؤكد هذا الاتجاه أن الحرب، رغم ضغوطها الواضحة على بيئة الأعمال، لم تؤدِ إلى شلل في الإنفاق الاستشاري داخل الخليج، بل أعادت ترتيب أولوياته فقط، بما يتلاءم مع المتغيرات الراهنة وحجم التهديدات المستجدة.
فبدلاً من إيقاف المشاريع، تبدو الشركات أكثر ميلاً إلى إعادة تعريف ما تعتبره «إنفاقاً ضرورياً»، مع انتقال مركز الثقل من مبادرات التوسع غير العاجلة إلى المشاريع المرتبطة بالحماية والمرونة والجاهزية.
مرونة خليجية
في المحصلة، يظهر أن سوق الاستشارات الخليجية تدخل مرحلة جديدة عنوانها «المرونة تحت الضغط»، حيث تتقدم الحاجة إلى الحماية الرقمية وإدارة المخاطر على حساب بعض المسارات التقليدية للنمو، دون أن يعني ذلك انكماشاً في السوق نفسها.
بل على العكس، يبدو أن المرحلة الحالية تعيد صياغة دور الاستشارات في المنطقة، لتصبح أكثر التصاقاً بالأمن المؤسسي والقدرة على الصمود، وهو ما قد يمنح هذا القطاع زخماً إضافياً في السنوات المقبلة إذا استمرت البيئة الإقليمية في فرض هذا النوع من التحديات.


































