اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ٨ أيلول ٢٠٢٦
تتواصل الجهود العلمية والتدريبية الرامية إلى بناء تصور متكامل لصناعة الفتوى في القضايا المالية المستحدثة، من خلال الانتقال المنهجي من فهم الواقعة وتحرير أوصافها إلى التكييف الفقهي واستحضار القواعد والأصول، ثم دراسة الأدلة والترجيح والتطبيق وصياغة الحكم، بما يراعي طبيعة المعاملات الحديثة وتشابكها مع التطورات الاقتصادية والتقنية، ويمنح الباحث والمفتي أدوات أكثر دقة للتعامل مع النوازل المالية المتجددة.
وحول «ضوابط الاختيار الفقهي في المعاملات المالية»، قال الأستاذ الدكتور علي محمد المهدي، أمين سر هيئة كبار العلماء، إن سلامة تصوير الواقعة هي نقطة الانطلاق في صناعة الحكم، مؤكدًا أن المفتي لا يستطيع الوصول إلى حكم سليم اعتمادًا على الوصف الظاهري للمعاملة أو الأسماء التي يطلقها المتعاملون عليها، وإنما يحتاج إلى معرفة أطرافها ومحَلها وكيفية انتقال الملكية وآلية السداد والالتزامات والضمانات ومصدر التمويل وطريقة العائد والمخاطر والعقود المتصلة بها، لافتًا الانتباه إلى أن طبيعة بعض المعاملات الحديثة قد تستدعي الاستعانة بالمتخصصين في الاقتصاد والمصارف والمحاسبة والقانون والتقنيات، حتى يكتمل التصوير قبل الانتقال إلى التكييف الفقهي والحكم الشرعي.
وفي السياق ذاته، أوضح أمين سر هيئة كبار العلماء أن الاختيار الفقهي لا ينحصر في المفاضلة بين أقوال متعددة أو البحث عن الرأي الأيسر، وإنما يقوم على موازنة علمية بين الدليل والمصلحة وآثار المعاملة، مع مراعاة الظروف والبيئات وتغير صور التعامل، حيث إن المفتي ينظر في قوة المستند الفقهي ومدى انطباقه على الواقعة ومآلات تنزيله عليها، إلى جانب وضوح الالتزامات والمقابل وانتفاء الجهالة والغرر والضرر والتحايل على الأحكام، بما يضمن حماية الحقوق وتحقيق التوازن في المعاملات، ويجعل الحكم المختار أقرب إلى مقاصد الشريعة وأقدر على معالجة الواقع دون إخلال بضوابطه الشرعية.
وتحت عنوان «القواعد الأصولية والفقهية الحاكمة للمعاملات المالية المعاصرة»، أبرز الأستاذ الدكتور محمود عبد الرحمن عبد المنعم، أستاذ أصول الفقه بجامعة الأزهر، الوظيفة المنهجية للقواعد الأصولية والفقهية في ضبط عملية الاجتهاد، مبينًا أن أصول الفقه تمنح الباحث أدوات النظر والاستدلال، فيما تجمع القواعد الفقهية فروعًا متعددة تحت معانٍ كلية تساعد على التعامل مع الوقائع المتجددة، مع استحضار القواعد الكبرى، مثل: اليقين لا يزول بالشك، والضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، والعادة محكَّمة، وبيان امتداد آثارها إلى المعاملات المالية، حيث تقتضي معالجة الضرر إزالة المفسدة دون أن تنشأ عنها مفسدة مساوية أو أشد، وهو ما يجعل النظر في المصالح والمفاسد ومآلات الأحكام جزءًا أساسيًّا من صناعة الحكم.
وبيَّن أستاذ أصول الفقه بجامعة الأزهر أن القواعد الفقهية لا تعمل بصورة منفصلة عن التطبيقات، وإنما تمثل جسرًا يصل الجزئيات بأصولها الكلية، ويمنح المفتي قدرة أكبر على ضبط الحكم عند اختلاف صور المعاملات وتشعبها، مشيرًا إلى حضور قاعدة «الضرر يزال» في مسائل تتصل بتأخير الحقوق أو الإضرار بأحد أطراف المعاملة، مع ضرورة مراعاة درجات الضرر وآثاره وعدم إزالة ضرر بإحداث ضرر آخر، إلى جانب قواعد منع الغرر والخداع والاحتكار والتعامل فيما لا يملك الإنسان، بما يعزز حماية المتعاملين واستقرار السوق، ويؤكد أن الاجتهاد المالي يحتاج إلى وعي بالنصوص والقواعد وبالنتائج التي يمكن أن تترتب على تنزيل الحكم في الواقع.
وعلى مستوى التطبيق العملي، قدَّم فضيلة الشيخ أحمد وسام عباس خضر، مدير عام الإدارة العامة للفتوى المكتوبة بدار الإفتاء المصرية، محاضرة «مشروع فتوى في المعاملات المالية المعاصرة»، واضعًا أمام الحاضرين نموذجًا إجرائيًّا لتحويل التأصيل الفقهي إلى خطوات عملية تبدأ بصياغة السؤال واستكمال بياناته وتصوير الواقعة وفهم المصطلحات المالية والتقنية المرتبطة بها، ثم تحديد التكييف الفقهي واستحضار الأصول والمقاصد وصولًا إلى الحكم والصياغة النهائية، مؤكدًا أن الفقه في مجال الفتوى المالية لا يقتصر على معرفة الأحكام، وإنما يحتاج إلى فهم حقيقي لآليات المعاملة وحركتها وآثارها، مع مراعاة مقاصد الشريعة في تحقيق المصالح ودفع المفاسد وانتفاء الجهالة والغرر والضرر، والتحقق من وضوح الثمن والمثمن وسائر عناصر العقد.
وأشار مدير عام الإدارة العامة للفتوى المكتوبة إلى أن العمل المؤسسي داخل دار الإفتاء شهد تطورًا ملحوظًا مع التحول الرقمي، حيث أصبحت مراحل إعداد الفتوى وجمع البيانات ودراسة الحالة ومراجعتها وتحريرها أكثر ترابطًا داخل مسار إلكتروني متكامل، بما يتيح تدقيق المعلومات وإعادة فحص التصوير والتكييف والصياغة قبل اعتماد الحكم، متناولًا تطبيقات القبض الحقيقي والحكمي في المعاملات المصرفية والتحويلات الإلكترونية، وضرورة التأكد من تحقق القبض وآثاره، إلى جانب تطور مفهوم النقود من الذهب والفضة إلى العملات الورقية وصور المال الحديثة، مبينًا أن اختلاف الوسائل لا يلغي ضرورة معرفة حقيقة المال ووظيفته الاقتصادية قبل بناء الحكم، لأن سلامة التكييف تظل مرتبطة بدقة فهم الواقع.
وفي الجانب التطبيقي النقدي، عرض فضيلة الدكتور محمود محمد أنور شلبي، مدير عام إدارة المراجعة الشرعية بدار الإفتاء المصرية، محاضرة «تحليل ونقد فتاوى مالية معاصرة»، متخذًا من نماذج فقهية ومالية مدخلًا لتدريب المشاركين على قراءة الفتوى وفحص بنيتها وإعادة بنائها، مع مناقشة مسألة بيع الشيء الغائب مع تأجيل الثمن والتمييز بينها وبين صور بيع السلم، وتحرير محل الخلاف قبل إصدار الحكم، لافتًا النظر إلى أن الاستدلال بالحديث لا يكتمل بمجرد نسبة النص إلى مصدره، وإنما يحتاج إلى التخريج والحكم على الحديث وبيان وجه دلالته، كما أن كثرة النقول الفقهية لا تكفي وحدها لإثبات قوة الفتوى، وإنما العبرة باختيار الأدلة والنقول المرتبطة بالمسألة ووضوح وجه الاستدلال وحسن الترجيح.
وفي استكمال للجانب النقدي والتطبيقي، بيَّن مدير عام إدارة المراجعة الشرعية أن إعادة بناء الفتوى تمر بمراحل مترابطة تبدأ بتحرير أوصاف الواقعة وتمييز العناصر المؤثرة عن التفاصيل غير المؤثرة، ثم الانتقال إلى التكييف وتحديد محل النزاع وفحص الأدلة ومصادرها ووجوه دلالتها وترجيح ما يناسب الواقعة، وصولًا إلى تطبيق الحكم وصياغته بلُغة واضحة تكشف صلته بالمسألة وآثاره العملية، بما يجعل المراجعة الشرعية مرحلة أساسية في صناعة الفتوى، ويعزز قدرتها على الجمع بين دقة التصوير وسلامة الاستدلال وصحة التطبيق، بعيدًا عن الاقتصار على كثرة النقول أو التعامل مع الأحكام بمعزل عن حقيقة المعاملة.
وتتكامل هذه المحاور في تقديم منهج تدريبي ينظر إلى الفتوى المالية باعتبارها صناعة علمية متدرجة، تبدأ من استيعاب الواقع وتحرير الواقعة، ولا تنفصل عن أصول الفقه وقواعده ومقاصد الشريعة، ثم تنتقل إلى التكييف والترجيح والتطبيق والمراجعة، بما يعكس طبيعة العمل المؤسسي في دار الإفتاء المصرية وقدرته على مواكبة التحولات المتسارعة في الاقتصاد والتقنية، ويعزز تأهيل الباحثين والمفتين للتعامل مع النوازل المالية الجديدة بأدوات علمية تجمع بين عمق التأصيل ودقة الفهم وحسن التنزيل.


































