اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٢ تموز ٢٠٢٦
لا يمكن بناء منظومة متكاملة للالتزام دون وجود أساس أخلاقي ومجتمعي راسخ تستند إليه، وتُعد الاستدامة من أبرز صور هذا الالتزام؛ فهي، بقدر ما تمثل ضرورة لاستمرار الحياة وضمان مستقبل الأجيال القادمة، تُعد أيضاً من المجالات الناعمة التي يصعب إخضاعها للرقابة المباشرة. ومن هنا، فإن ترسيخ الثقافة المجتمعية للاستدامة يسبق فرضها تشريعياً، إذ كلما انتشرت هذه الثقافة أصبح تنظيمها أكثر واقعية وسهولة.
وفي الكويت، ما يزال الحديث عن الاستدامة في مراحله الأولى، لذلك فإن فرضها عبر قواعد ملزمة قد يكون سابقاً لأوانه مقارنة بالتجارب الدولية. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، توجد «الدعوى البيئية الجماعية» التي تتيح مقاضاة الشركات بسبب الأضرار البيئية والمطالبة بالتعويض عنها. ومن أحدث الأمثلة دعوى Lizama عام 2023 ضد إحدى شركات الألبسة الأمريكية، بتهمة تضليل المستهلكين عبر الادعاء بأن منتجاتها صديقة للبيئة رغم احتوائها على مواد بلاستيكية.
وفي باريس، صدر حكم تاريخي ألزم إحدى شركات الطاقة الفرنسية الكبرى بإعادة صياغة استراتيجيتها المناخية، لتشمل الانبعاثات غير المباشرة الناتجة عن استخدام العملاء لمنتجات النفط والغاز. وتعكس هذه النماذج مدى ترسخ ثقافة الاستدامة قانونياً ومجتمعياً، وهو ما نأمل الوصول إليه في المجتمع الكويتي.
الانتهاك المهني للاستدامة
تستند الحوكمة في الكويت إلى مبدأ «الالتزام أو التفسير»، وهو ما يعني أن الالتزام بالاستدامة ليس مطلقاً. وبعد صدور قرار هيئة أسواق المال رقم 56 لسنة 2026، أصبح تطبيق هذا المبدأ أكثر دقة وتفصيلاً.
فعلى سبيل المثال، تلزم قواعد الحوكمة الإدارة التنفيذية بتضمين اعتبارات الاستدامة في أعمالها متى اقتضت طبيعة النشاط ذلك. وإذا بررت شركة عدم تطبيق الاستدامة بحجة أن نشاطها لا ينطوي على مخاطر بيئية، جاز للهيئة رفض هذا التبرير إذا كان نشاط الشركة، كالبنوك الاستثمارية مثلاً، يتضمن تمويل مشاريع قد تخلّف آثاراً بيئية جسيمة.
إلا أن الإشكالية تكمن في أن الاستدامة، وفق التطبيق العملي في الكويت، ترتبط غالباً بإدارة التسويق أكثر من ارتباطها بإدارة الالتزام التابعة لمجلس الإدارة، فيتحول تقرير الاستدامة (ESG) في كثير من الأحيان إلى أداة تسويقية أكثر منه أداة للحوكمة والرقابة.
الغسل الأخضر
يقصد بالغسل الأخضر تضليل الجمهور بشأن التزام الشركة بمعايير الاستدامة، عبر الادعاءات التسويقية أو الإفصاحات أو حتى أغلفة المنتجات. ولا يقتصر الأمر على تضليل المستهلكين، بل يمتد إلى صور أخرى، أبرزها التلاعب المالي بإدراج مصروفات استدامة وهمية، أو تقديم إفصاحات غير صحيحة للجهات الرقابية بشأن الأثر البيئي للمنتجات.
الصمت الأخضر
إذا كان الغسل الأخضر يقوم على الترويج الزائف، فإن «الصمت الأخضر» يعتمد سياسة التكتم، من خلال الإفصاح الانتقائي عن الجوانب الإيجابية، مع إخفاء المخالفات أو الأضرار البيئية.
ومن أشهر الأمثلة على ذلك إحدى شركات السيارات الألمانية التي أعلنت عن محرك صديق للبيئة، قبل أن يتبين لاحقاً أنه مزود ببرنامج يتعرف إلى أجهزة الفحص البيئي، فيخفض الانبعاثات أثناء الاختبار فقط، ثم يعيدها بعد انتهائه إلى مستويات تصل إلى أربعين ضعفاً.
الثغرات التشريعية
تكشف التشريعات الأوروبية الجديدة عن أبرز الثغرات التي يسعى المنظمون إلى سدها، ومن أهمها: قانون العناية الواجبة لاستدامة الشركات الأوروبية الذي يفرض غرامات تصل إلى 5% من الإيرادات العالمية، وقانون التصميم البيئي للمنتجات المستدامة، وتشريع تمكين المستهلكين من التحول الأخضر الذي يحظر الغسل الأخضر صراحة، إضافة إلى قانون مكافحة إزالة الغابات، وتعديل قانون حماية المناخ الأوروبي الهادف إلى خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة %90 بحلول عام 2040.
المحامية فاتن النقيب


































