اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ١٤ تموز ٢٠٢٦
يشهد عالم الأعمال اليوم واحدة من أسرع موجات التطور في تاريخه الحديث، مدفوعة بالتطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وقدرته على تغيير أساليب العمل واتخاذ القرار وإدارة الموارد. ولم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية ناشئة، بل أصبح جزءاً أساسياً من استراتيجيات النمو والتنافسية في مختلف القطاعات.
ومع هذا التسارع، تتزايد التساؤلات حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف ومستقبل العمل، وكيف يمكن للشركات الاستفادة منه بطريقة تحقق قيمة مستدامة. لكن التأثير الحقيقي لا يقتصر على طبيعة الوظائف نفسها، بل يمتد ليعيد تشكيل الطريقة التي تستقطب بها الشركات المواهب، وتطوّرها، وتخطط لقواها العاملة.
وفي هذا السياق، تنظر مجموعة بروكابيتا للاستشارات وشركة زينيثر (ذراعها التقنية) إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره ضرورة استراتيجية لمستقبل الأعمال، وليس مجرد اتجاه تقني مؤقت. فجوهر رسالتها يتمثل في تمكين الشركات من اتخاذ قرارات أكثر دقة فيما يتعلق بالمواهب، ورفع الإنتاجية، وتحسين تجربة الموظفين، من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي لدعم قرارات الموارد البشرية عبر مختلف مراحل دورة حياة الموظف.
وتجسّد زينيثر هذه الرؤية من خلال حلولها المطورة والمدعومة بخمسة وكلاء ذكاء اصطناعي (AI Agents) متخصصين، صُمم كل منهم لدعم جانب مختلف من إدارة وتطوير المواهب، بما يشمل الاستقطاب، والتقييم، وإدارة الأداء، والتطوير، واتخاذ القرار. كما تعتمد المنصة على أحدث تقنيات ونماذج الذكاء الاصطناعي العالمية لتقديم تجربة أكثر ذكاءً ودقة، بما يعزز قدرة الشركات على بناء قوى عاملة أكثر جهوزية للمستقبل.
فهم المواهب
ومن خلال حديثنا مع الرئيس التنفيذي لمجموعة بروكابيتا ومؤسس شركة زينيثر، محمد أبو الرُّب، أكّد أن مستقبل الموارد البشرية لن يعتمد فقط على تبني أدوات الذكاء الاصطناعي، وإنما على قدرة الشركات على فهم مواهبها، وقياس جهوزيتها، واتخاذ قرارات مبنية على البيانات.
ويشير أبو الرُّب إلى أن هذا التوجه لا يقتصر على تطوير حلول تخدم السوق الخليجي فقط، بل يمثل جزءاً من استراتيجية توسع عالمية تستند إلى بناء حلول قادرة على تلبية احتياجات الشركات في مختلف الأسواق. وقد بدأت زينيثر بالفعل تنفيذ هذه الاستراتيجية، مستندةً إلى استثمارات متواصلة في أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي والشراكات التقنية العالمية.
إعادة تشكيل العمل
وأكد أبو الرُّب إلى أن الجدل حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف غالباً ما يركّز على مخاطر فقدان الوظائف، في حين أن الواقع مختلف؛ فالذكاء الاصطناعي لا يلغي الوظائف بقدر ما يعيد تشكيلها ويغيّر طبيعتها.
ومع تطور هذه التقنيات، تصبح بعض المهام أكثر قيمة وتعقيداً، بينما تظهر أدوار جديدة لم تكن موجودة سابقاً، وتزداد أهمية المهارات البشرية مثل التفكير الاستراتيجي، والإبداع، والقيادة، والذكاء العاطفي، إلى جانب القدرة على العمل مع أدوات الذكاء الاصطناعي.
ويظهر هذا التحول بوضوح في تجربة IKEA، التي استخدمت الذكاء الاصطناعي للتعامل مع جزء كبير من استفسارات العملاء الروتينية، لكنها لم تتجه إلى الاستغناء عن موظفيها، بل أعادت تأهيل نحو 8500 موظف للانتقال إلى أدوار ذات قيمة أعلى، مثل الاستشارات في التصميم الداخلي، والبيع عن بُعد، وخدمة العملاء المتخصصة. وتوضح هذه التجربة أن الذكاء الاصطناعي لا يقلل قيمة الموظفين، بل يمكن أن يعيد توجيهها نحو أعمال أكثر تأثيراً.
3 عوامل
رغم الاستثمارات المتزايدة في الذكاء الاصطناعي، لا تحقق جميع المبادرات النتائج المرجوة. ويعود ذلك غالباً إلى التركيز على التقنية نفسها بدلاً من القيمة التي تحققها للأعمال.
ويوضح أبو الرُّب أن نجاح الذكاء الاصطناعي لا يرتبط بالتقنية وحدها، وإنما يقوم على ثلاثة محاور رئيسية:
1 - البدء من مشكلة حقيقية داخل الشركة يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلها (Problem Solver).
2 - استخدام الذكاء الاصطناعي لخلق إمكانيات ونماذج عمل جديدة، وليس فقط تحسين العمليات الحالية (Enabler).
3 - تقييم جهوزية الشركة من حيث البيانات، والمهارات، والثقافة التنظيمية، والقدرات البشرية قبل البدء بالتطبيق (AI Readiness Assessment).
وتؤكد تجربة IBM Watson for Oncology هذه الحقيقة، إذ لم يكن التحدي في التقنية نفسها، بل في جودة البيانات، وآليات التطبيق، ومدى جهوزية الشركات لدمج الحلول ضمن بيئة العمل، وهو ما يبرز أن نجاح الذكاء الاصطناعي يبدأ من جهوزية الشركة أكثر من قوة التقنية.
وانطلاقاً من هذا التوجه، تواصل زينيثر الاستثمار في أحدث منظومات الذكاء الاصطناعي العالمية، وكانت من أوائل الشركات في الكويت التي أبرمت شراكة مع Anthropic للاستفادة من نماذج Claude المتقدمة ضمن حلولها لإدارة وتطوير المواهب، في خطوة تعكس التزامها بتقديم تقنيات عالمية تدعم الشركات في بناء قوى عاملة أكثر ذكاءً وجهوزية للمستقبل.
الشراكة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي
أكد أبو الرُّب أن مستقبل العمل لن يقوم على منافسة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، وإنما على شراكة تكاملية تستفيد من نقاط القوة لدى كل طرف، فالذكاء الاصطناعي يعزز السرعة والدقة والإنتاجية، بينما تبقى المهارات البشرية مثل القيادة، والإبداع، والتواصل، والذكاء العاطفي من العناصر المهمة التي تصنع القيمة الحقيقية.
ولهذا، لم تعد الشركات الرائدة تقيس نجاحها بعدد الوظائف التي ألغتها، بل بعدد الموظفين الذين أصبحوا أكثر إنتاجية، وأكثر قدرة على التعلم، وأكثر استعداداً للانتقال إلى أدوار جديدة.
ويختتم أبو الرُّب بالتأكيد على أن النجاح في عصر الذكاء الاصطناعي لن يكون للأكثر خبرة أو للأكثر امتلاكاً للموارد، وإنما للأكثر قدرة على التعلم والتكيف. فالمنظمات التي ستنجح خلال السنوات المقبلة ليست فقط تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي، بل تلك التي تمتلك القدرة على قياس جهوزية موظفيها، وتطوير إمكاناتهم، وإعادة توجيههم نحو الأدوار التي ستخلق القيمة في المستقبل.


































