اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ٢٥ أب ٢٠٢٦
تحل اليوم الثلاثاء ذكرى المولد النبوي الشريف، وهي مناسبة يستعيد فيها المسلمون سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وجاءت رسالته لتدعو إلى التوحيد والرحمة والعدل ومكارم الأخلاق.
وتحمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم العديد من المحطات التي بدأت منذ مولده في مكة المكرمة، مرورًا بسنوات طفولته وشبابه، ثم بعثته ودعوته إلى الإسلام، وصولًا إلى وفاته، لتظل حياته نموذجًا للاقتداء في الأخلاق والصبر والرحمة وحسن التعامل.
ولد النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة عام الفيل، ونشأ في بني هاشم من قريش، وهي أسرة عرفت بمكانتها بين قبائل العرب.
وفقد النبي صلى الله عليه وسلم والده عبد الله قبل أن يولد، فنشأ يتيم الأب، وتولت والدته آمنة بنت وهب رعايته في سنواته الأولى.
وعندما بلغ السادسة من عمره توفيت والدته، فانتقل إلى رعاية جده عبد المطلب، الذي أحاطه بعنايته واهتمامه، وظل قريبًا منه حتى توفي جده عندما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الثامنة من عمره.
بعد وفاة عبد المطلب، انتقلت كفالته إلى عمه أبي طالب، الذي تولى رعايته وحمايته، واستمر في الوقوف إلى جانبه خلال مراحل مهمة من حياته، ولا سيما مع بداية الدعوة الإسلامية.
عرف النبي صلى الله عليه وسلم منذ صغره العمل وتحمل المسؤولية، فاشتغل برعي الغنم، وهي مهنة ارتبطت بعدد من الأنبياء، وأسهمت في تعليمه الصبر والرفق وتحمل الأمانة ورعاية من يكون تحت مسؤوليته.
ومع تقدمه في العمر، اتجه إلى التجارة، وشارك في الرحلات التجارية التي كانت تنطلق من مكة إلى مناطق مختلفة، واكتسب خبرة واسعة في التعامل مع الناس وإدارة التجارة.
اشتهر النبي محمد صلى الله عليه وسلم بين قومه بالصدق والأمانة وحسن الخلق، حتى أصبح لقب «الصادق الأمين» من أشهر ما عُرف به قبل البعثة.
ولم يكن سلوكه متأثرًا بما كان منتشرًا في المجتمع الجاهلي من عادات وممارسات، بل عُرف عنه الابتعاد عن مظاهر الفساد والانحراف، كما لم يشارك في عبادة الأصنام.
وكانت هذه المرحلة من حياته مثالًا واضحًا لما اتصف به من نقاء السيرة والاستقامة وحسن الخلق، قبل أن تبدأ مرحلة البعثة ونزول الوحي، التي شكلت نقطة التحول الكبرى في حياته وفي تاريخ البشرية.
تكشف السنوات الأولى من حياة النبي صلى الله عليه وسلم عن شخصية تشكلت في ظروف صعبة، فقد ذاق اليتم مبكرًا، وانتقل بين رعاية أمه وجده وعمه، ثم تحمل مسؤولية العمل في سن مبكرة.
ومع ذلك، ظل الصدق والأمانة والرحمة من أبرز الصفات التي عُرف بها، لتأتي بعد ذلك الرسالة الإسلامية وتضع هذه القيم في إطار دعوة شاملة إلى عبادة الله وإصلاح حياة الإنسان والمجتمع.
وتبقى ذكرى المولد النبوي مناسبة لاستحضار هذه السيرة والتعرف إلى جوانبها المختلفة، والوقوف عند القيم التي جسدها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وفي مقدمتها الرحمة والعدل والأمانة والصبر وحسن الخلق.
زواجه من السيدة خديجة
في الخامسة والعشرين من عمره، عرضت عليه السيدة خديجة بنت خويلد، وهي تاجرة ذات مكانة رفيعة في قريش، أن يعمل في تجارتها بعد أن سمعت عن أمانته.
خرج في رحلة إلى الشام مصاحبًا غلامها ميسرة، فعاد بأرباح كبيرة وسمعة أطيب ، أعجبت خديجة بصدقه وأمانته، فعرضت عليه الزواج، وتم الزواج المبارك الذي أثمر حياة مستقرة وهادئة.
كانت خديجة سندًا له في حياته، إذ وقفت بجانبه عند نزول الوحي، وأنجبت له القاسم وعبد الله وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة رضي الله عنهم.
نزول الوحي وبداية الرسالة
اعتاد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخلو بنفسه في غار حراء للتأمل والتعبد بعيدًا عن صخب مكة وعبادة الأصنام، وفي الأربعين من عمره، جاءه الوحي بواسطة جبريل عليه السلام بقول الله تعالى: “اقرأ باسم ربك الذي خلق”، ارتجف قلبه من رهبة الموقف، وعاد إلى خديجة التي ثبتته وبشرته بأن الله لن يخزيه أبدًا لما تحلى به من مكارم الأخلاق.
بدأت الدعوة سرية، حيث آمن به في البداية خديجة وأبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة، ثم انتشرت بين قلة من المؤمنين، لكن قريشًا قاومت دعوته بشدة، ورأت فيها تهديدًا لنفوذها، فتعرض وأصحابه للأذى والحصار.
الدعوة في مكة
قضى النبي ثلاثة عشر عامًا يدعو أهل مكة إلى التوحيد، ويواجه الصعوبات وتعرض أصحابه للتعذيب، فهاجر بعضهم إلى الحبشة طلبًا للأمان واشتد الأذى حتى فُرض على النبي وأهله حصار في شعب أبي طالب لثلاث سنوات، ورغم كل ذلك، صبر النبي وثبت على دعوته.
خلال هذه الفترة، توفي عمه أبو طالب وزوجته خديجة، فسُمي ذلك العام بـ 'عام الحزن'. لكنه وجد السلوى في رحلة الإسراء والمعراج التي أراه الله فيها من آياته الكبرى.
الهجرة إلى المدينة
بعد أن ضاقت به مكة، أذن الله له بالهجرة إلى المدينة المنورة عام 622 ميلاديًا، وهي الحادثة التي شكلت بداية عهد جديد في الإسلام، استقبله الأنصار بترحيب عظيم، وأسس أول مجتمع إسلامي قائم على المساواة والعدل، وكتب وثيقة المدينة التي نظمت العلاقة بين المسلمين واليهود وغيرهم، لتكون أول دستور مدني في الإسلام.
في المدينة، أسس المسجد النبوي الذي أصبح مركزًا للعبادة والتعليم والإدارة، ومنه انطلقت الدعوة لتصل إلى الجزيرة العربية كلها.
الجهاد والمعارك
خاض النبي صلى الله عليه وسلم عدة معارك دفاعا عن الإسلام و لحماية المسلمين ودعوته، منها معركة بدر التي حقق فيها المسلمون انتصارًا كبيرًا، ومعركة أحد التي كانت درسًا في الصبر، وغزوة الأحزاب التي اجتمع فيها المشركون والأحزاب ضد المسلمين.
كما صالح قريشًا في صلح الحديبية، وفتح مكة في العام الثامن للهجرة عفوًا ورحمة، معلنًا: 'اذهبوا فأنتم الطلقاء'.
صفاته وأخلاقه
كان النبي مثالًا في التواضع والزهد والرحمة، يجلس مع الفقراء، ويخدم أهل بيته، ويعفو عمن ظلمه، وكان خلقه القرآن ، جمع بين القيادة السياسية والحكمة التشريعية والرحمة الإنسانية، قال عنه أصحابه: 'ما مسست حريرًا ولا ديباجًا ألين من كف رسول الله'.
وفاته
بعد أن أدى الأمانة وبلغ الرسالة، توفي النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين 12 ربيع الأول سنة 11 هـ، عن عمر 63 عامًا ، دُفن في حجرة زوجته عائشة بجوار مسجده الشريف في المدينة المنورة، كانت وفاته صدمة عظيمة للمسلمين، لكن إرثه من القرآن والسنة وأخلاقه العطرة ظل باقياً إلى يومنا هذا.


































