اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦
تحل اليوم 'الأربعاء' ذكرى ميلاد الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق، أحد أبرز الشخصيات التي تولت مشيخة الأزهر الشريف، حيث ترك بصمة واضحة في الحياة الدينية والعلمية في مصر والعالم الإسلامي، بعدما تنقل بين العمل الدعوي والتدريس الجامعي والإفتاء، وصولًا إلى قيادة الأزهر عام 1996، ليصبح اسمه مرتبطًا بمحطات مهمة في تاريخ المؤسسة الأزهرية ومواقف أثارت نقاشًا واسعًا داخل المجتمع.
وُلد طنطاوي في 28 أكتوبر 1928 بقرية سليم الشرقية بمحافظة سوهاج، ونشأ في بيئة ارتبطت بالتعليم الديني، قبل أن ينتقل إلى الإسكندرية لاستكمال دراسته وحفظ القرآن الكريم.
ومنذ سنواته الأولى، اتجه إلى دراسة العلوم الشرعية، ليبدأ رحلة علمية ومهنية امتدت عقودًا، جمع خلالها بين التدريس والتأليف والعمل الدعوي وتولي المناصب الدينية الكبرى.
ولم تقتصر مسيرته على المناصب الرسمية، بل شهدت مواقف شخصية وعلمية شكلت جانبًا مهمًا من سيرته، بداية من تجربته المبكرة في الخطابة، مرورًا بانتقاله إلى العمل الأكاديمي داخل مصر وخارجها، وانتهاءً بتوليه منصبي مفتي الديار المصرية وشيخ الأزهر، قبل أن تنتهي رحلته في مارس 2010 أثناء وجوده في المملكة العربية السعودية.
بدأت رحلة محمد سيد عطية طنطاوي في قرية سليم الشرقية بمحافظة سوهاج، حيث وُلد في 28 أكتوبر 1928، ثم انتقل إلى الإسكندرية، التي تلقى فيها تعليمه وحفظ القرآن الكريم، قبل أن يلتحق بجامعة الأزهر لدراسة العلوم الدينية.
وفي عام 1958، حصل على الإجازة العالية «الليسانس» من كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من حياته المهنية، إذ عمل إمامًا وخطيبًا ومدرسًا بوزارة الأوقاف عام 1960، وهو ما أتاح له الاحتكاك المباشر بالناس وممارسة العمل الدعوي إلى جانب دراسته العلمية.
واصل طنطاوي مسيرته الأكاديمية، فحصل على درجة الدكتوراه في الحديث والتفسير عام 1966 بتقدير ممتاز، ثم عُيّن مدرسًا بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر عام 1968.
وبعد ذلك، تدرج في المناصب الجامعية، فعُيّن أستاذًا مساعدًا بقسم التفسير بكلية أصول الدين في أسيوط عام 1972، ثم أصبح أستاذًا بالقسم عام 1976، وتولى عمادة الكلية في العام نفسه.
وامتدت تجربته التعليمية إلى خارج مصر، إذ انتُدب للتدريس في ليبيا لمدة أربع سنوات، قبل أن ينتقل عام 1980 إلى المملكة العربية السعودية، حيث عمل رئيسًا لقسم التفسير بكلية الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
وقد أسهم هذا المسار في تشكيل خبرته العلمية، إذ جمع بين دراسة التفسير والحديث والعمل الأكاديمي والتدريس، وهي جوانب رافقت مسيرته اللاحقة في المؤسسات الدينية، حتى أصبح أحد الأسماء البارزة في القيادة الأزهرية.
ارتبطت بداية طنطاوي في مجال الخطابة بتجربة مبكرة عاشها خلال دراسته في الإسكندرية، إذ روى أنه كان في الصف الأول الثانوي عندما توفي إمام وخطيب مسجد صغير في حي الحضرة، فطلب منه أهل المنطقة أن يتولى خطبة الجمعة وإمامة المصلين، فوافق وحرص على الوفاء بوعده لهم.
وكشف الإمام الراحل في رواية عن حياته أن هذه التجربة كانت من المحطات المبكرة التي جمعته بالعمل الدعوي، قبل أن ينتقل إلى التدريس الجامعي ويتدرج في المناصب الأكاديمية، وصولًا إلى المواقع القيادية داخل المؤسسة الدينية.
وفي 28 أكتوبر 1986، عُيّن طنطاوي مفتيًا للديار المصرية، في خطوة جاءت بعد سنوات من العمل الأكاديمي. وروى عن اختياره لهذا المنصب أنه فوجئ باتصال من الإمام الأكبر الراحل الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، الذي طلب حضوره وأبلغه في البداية بوجود ترشيح لتولي منصب وكيل الأزهر، لكنه فوجئ لاحقًا بأن الحديث يدور حول توليه منصب الإفتاء.
وأوضح طنطاوي أنه أبدى في البداية تحفظًا على قبول المنصب، بسبب تخصصه الأكاديمي في التفسير والحديث، في حين اعتاد كثير ممن تولوا الإفتاء قبله أن يكونوا من خريجي كلية الشريعة، ورأى أن طبيعة العمل تحتاج إلى معرفة واسعة بالأحكام الفقهية.
وبحسب روايته، حاول الاعتذار عن المنصب، مؤكدًا أنه لا يشعر بأنه الأقدر على أداء هذه المسؤولية، لكن الشيخ جاد الحق أوضح له أن عددًا من الأساتذة الذين عُرضت عليهم الوظيفة اعتذروا عن قبولها، وأن منصب الإفتاء يمثل أمانة تتصل بخدمة الدين ومصالح الناس.
وأمام هذه المسؤولية، قرر طنطاوي قبول المنصب والاستعانة بالله لأداء مهامه، ليبدأ مرحلة جديدة في حياته المهنية، استمرت حتى 27 مارس 1996، عندما عُيّن شيخًا للأزهر الشريف.
وتولى طنطاوي مشيخة الأزهر في عمر ناهز 67 عامًا، وظل في المنصب حتى وفاته في مارس 2010، لتصل مدة توليه قيادة المؤسسة إلى نحو 14 عامًا، شهدت خلالها حياته مواقف علمية ودينية واجتماعية وسياسية جعلته حاضرًا في النقاش العام داخل مصر وخارجها.
عُرف محمد سيد طنطاوي بكونه من الشخصيات الدينية التي تبنت مواقف وُصفت بالاعتدال في عدد من القضايا، كما ارتبط اسمه بمساندة بعض قضايا المرأة، وهو ما جعله محل تقدير لدى قطاعات من المسلمين، وفي الوقت نفسه عرضة لانتقادات من تيارات إسلامية متشددة بسبب بعض آرائه ومواقفه.
وشهدت مسيرته مواقف أثارت نقاشًا واسعًا بشأن العلاقة بين الاجتهاد الديني والتغيرات الاجتماعية، إلى جانب مواقف سياسية واجهت انتقادات من بعض المتابعين.
ومع ذلك، ظل حضوره العلمي والديني مرتبطًا بمكانته في الأزهر ودار الإفتاء، وبما تركه من مؤلفات ودراسات في التفسير والعلوم الشرعية.
ومن أبرز الأعمال المنسوبة إليه كتاب «التفسير الوسيط للقرآن الكريم»، إلى جانب مؤلفات أخرى في التفسير والفقه، من بينها «الفقه الميسر»، الذي ارتبط اسمه بمحاولات تقديم المسائل الفقهية بأسلوب أكثر تيسيرًا للقارئ.
وقد تركت مؤلفاته أثرًا في المجال الديني والتعليمي، واستمرت الإشارة إليها ضمن أعماله العلمية بعد وفاته.
وامتد حضوره إلى محافظة سوهاج، مسقط رأسه، حيث أعادت جامعة سوهاج عام 2019 إطلاق جائزة «التسامح والحوار الديني» باسمه، بعد توقف دام ست سنوات، في خطوة استهدفت تكريم أحد أبرز الشخصيات الدينية التي تنتمي إلى المحافظة.
أما نهاية رحلته، فجاءت في 10 مارس 2010، عندما توفي في العاصمة السعودية الرياض عن عمر ناهز 81 عامًا، إثر نوبة قلبية تعرض لها في مطار الملك خالد الدولي أثناء عودته من مؤتمر دولي لتسليم جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام للفائزين بها في ذلك العام.
وصُلّي عليه صلاة العشاء في المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة، ثم وُوري الثرى في مقبرة البقيع، وسط بيانات نعي وتعزية صدرت عن مؤسسات وشخصيات دينية. وبوفاته، أُسدل الستار على مسيرة امتدت من إمامة مسجد صغير في الإسكندرية إلى تولي مشيخة الأزهر، تاركًا إرثًا علميًا ومواقف لا تزال جزءًا من النقاش حول دور العلماء في المجتمع.


































