اخبار مصر
موقع كل يوم -الدستور
نشر بتاريخ: ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٤
138 عاما مرت على ميلاد الشاعر عبد الرحمن شكري، إذ ولد يوم 12 أكتوبر لعام 1886، في مدينة بورسعيد، وأصبح أحد أعمدة مدرسة الديوان التي وضعت مفهوما جديدا للشعر في أوائل القرن الميلادي الماضي، فقد كان شعره من غير شك أبقى آثاره الأدبية، وأجلها شأنا، وأدلها على لون أدبه.
لم يكن عبد الرحمن شكري شاعرا ومفكرا فقط، بل كان ناقدا لعبت آراؤه النقدية دورا كبيرا في الأدب العربي الحديث، ووجهته نحو وجهة تجديدية بناءة، ورغم ذلك كان يتمتع بنرجسية، وهو ما أوضحه في تقرير نشر بمجلة 'العربي' بعددها رقم 79 والصادر بتاريخ 1 يونيو 1965، قائلا: الشعراء مصابون دائما بالنرجسية، لأنهم كثيرو الانطواء على أنفسهم والتفكير فيها.
ويصف عبد الرحمن شكري نرجسيته بقوله: يظهر الشاعر وفيه من الكبر والغرور ما لو وزع على الناس لملأ نفوسهم، وينظم القصيدة فكأنه تمخض عن وليد، وبحسب أنه لو وضع شعره في كفة ميزان ووضع الوجود في كفة أخرى لرجح شعره. ويرى أن الذكاء مقصورا على الشعراء.
وينتقل من التعميم إلى التخصيص ويتحدث عن نفسه: أني لأذكر يوم نشرت لي أول قصيدة، وقد اشتريت الجريدة التي نشرت فيها وصرت أقرأ القصيدة مرات عديدة، وكان يخيل لي أن الحروف ترقص على الجريدة، وصرت أخبط خبط الضال في الطرق والأزقة، وكلما نظر إلى أحد حسبته قد قرأ القصيدة وأعجب بها، وكان يخيل إلي أنها أحدثت أثرا باقيا في نفوس الناس وأنها أصلحت من عواطفهم وقوتها، وزادت في عظم نفوسهم، وأنها ستحدث تغييرا كبيرا في سنن الوجود وأنظمته.
كان عبد الرحمن شكري يضيق صدرا بالنقد ولا يطيق سماع أي ملاحظة على شعره أو نثره، وهو لم يتجاوز الصدق في اعترافاته وهو يقول 'حين قرأت نقدأ لقصيدتي في إحدى الجرائد خيل لي عند قراءته أن هناك مؤامرة في هذا الوجود يراد بها ضر والإساءة إلي.
وتخلص شكري من أسر الأوهام وأغلال الخرافات، ولكنه انتقل إلى النقيض وهو الإنكار والجحود، ولكن نفسه لم تقنع بالإنكار، وحاول أن يفسر لنفسه لماذا خلق وإلى أين يذهب، وثقلت وطأة الشك على نفسه فكان 'يهيم في شوارع المدينة' ليلا لأن الليل أشبه ما كنت فيه من اليأس والحزن'، وشغلت باله مشكلة الحياة والموت، والبقاء والفناء، وود لو صدم الكرة الأرضية كوكب ضال حتى يستريح من عبث الحياة وأهوالها وجرائمها وحماقاتها.
ثم ثاب إلى الإيمان بما أسماه 'روح الوجود'، ويقول في ذلك 'علمني الإيمان أن للوجود روحا كبيرة لها حياة وشخصية وأن هذه الروح توحى إلى أرواح الأفراد بما تريد ولها من المقادير جنود'، ولم يسترسل شكري في وصف هذا الإيمان الذي استراح إليه وألقى مراسيه على شاطئه، ولكن الاعتقاد بالخرافات ظل يعاوده من الحين إلى الحين برغم المراحل الفكرية التي مر بها، فكان يزعجه مواء السنانير، ويخاله أنين الأرواح الحائرة المعذبة التي تتخذ الليل جلبابا وتفرغ في جنباته ما تعانيه من العذاب.


































