اخبار مصر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٦ أيلول ٢٠٢٦
من 'لعبة جهنم' إلى 'بني مزار' يتحول الرعب الحقيقي إلى دراما فأين تنتهي التوعية ويبدأ استثمار الخوف؟
تحقق مسلسلات الجريمة والإثارة نجاحاً باهراً عبر المنصات الإلكترونية والشاشات الأجنبية، ويزداد نجاحها كلما استندت إلى أحداث حقيقية شديدة القسوة، إذ تكتسب صدقية بصورة أكبر، لكن عندما تعرض الدراما العربية عملاً من السياق نفسه، فهناك حسابات أخرى وردود أفعال أكبر من أي توقعات من الجمهور المصري والعربي.
بمجرد عرض مسلسل 'لعبة جهنم'، وهي الحكاية الأولى من مسلسل 'القصة الكاملة' المكون من خمس حكايات، ثار قطاع كبير من الجمهور، وصب معظمهم نار الغضب والاتهامات على صناع المسلسل، لأن الجريمة بحسب وصفهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة أقسى من أن يتحملها المشاهد، والحكاية زاد ألمها عن طاقة التسلية أو حتى التوعية.
لم يعتمد الرعب في 'لعبة جهنم' على سلسلة حكايات 'القصة الكاملة' على الأشباح والمنازل المهجورة والموسيقى المخيفة، لكن كان الأكثر رعباً في هذا المشروع الدرامي هو أن الوحش الذي يظهر على الشاشة لم يخرج من خيال كاتب، إنما من صفحات حقيقية في ملفات الجرائم المصرية التي هزت مشاعر الناس وتركت ألماً لا يزال قائماً. وأكدت ردود الفعل أن المشاهد تخيفه فكرة أن ما يراه حدث بالفعل، وأن الضحية كانت إنساناً حقيقياً، والجريمة لم تكن سيناريو، والقاتل ليس شخصية مكتوبة، وأن الدماء المراقة في الشاشة سال أكثر منها في الواقع.
ومن هذه المنطقة شديدة الحساسية يدخل مسلسل 'القصة الكاملة' إلى الدراما المصرية، مقدماً خمس حكايات منفصلة مستوحاة من جرائم وقضايا حقيقية أثارت الرأي العام، في تجربة أنثولوجية تقوم على تقديم كل قضية في ثلاث حلقات، مع اختلاف الشخصيات والأبطال وصناع كل حكاية. وعرضت حلقات 'لعبة جهنم' خلال الساعات الماضية، وتضم الحكايات المتبقية عدداً من القضايا الحقيقية وتحمل أسماء 'ما لم يحك عن بني مزار'، و'جريمة في الزمالك' و'جنة إبليس' و'الشياطين الثلاثة'، وكلها منقولة من جرائم حقيقية هزت الرأي العام المصري. لكن اللافت أن الجدل حول 'القصة الكاملة' لم يبدأ من سؤال هل المسلسل جيد أم سيئ؟ إنما من سؤال أكثر قسوة، وهو هل يجب أصلاً أن تتحول هذه الجرائم إلى دراما؟
منذ عرض 'لعبة جهنم'، انقسم الجمهور بين من رأى أمامه تجربة مختلفة وجريئة في الدراما المصرية، ومن شعر أن العمل ذهب بعيداً في مناطق نفسية ودموية لا يحتملها المشاهد، خصوصاً أن الحكاية لا تعتمد على رعب خيالي يمكن للمشاهد أن يضع بينه وبينه مسافة آمنة، إنما تستمد قوتها من معرفة أن الجريمة حدثت بالفعل. والنتيجة أن العمل وجد نفسه أمام مفارقة شديدة التوتر، وهي أنه كلما نجح في إخافة الجمهور زاد الجدل حول مشروعيته.
جاءت 'لعبة جهنم' في ثلاث حلقات، بطولة محمد فراج وعمر رزيق ومنذر مهران، وإخراج إسلام خيري وتأليف نجلاء الحديني، وإنتاج مجدي الهواري، والعمل مستند إلى مادة وثائقية حقيقية لصانع المحتوى سامح سند.
ودارت أحداثها حول 'الشيخ علاء' الذي يجسده محمد فراج، وهو شاب يعيش في شقة بسيطة للغاية بمنطقة متواضعة بالقاهرة، ويعمل في مقهى صغير، ويؤدي الصلوات الخمس في المسجد المجاور، إذ يداوم على إعطاء دروس دينية لأطفال وشباب المنطقة، ولا يملك علاء أسرة ولا سند بل عانى في طفولته عنفاً أسرياً كبيراً جعله في حالة نفسية غير مستقرة. وكذلك المفقر المدقع والديون ومطاردة كثير من الناس له بمستحقاتهم، فيضطر إلى بيع كليته للتخلص من ضغط الدائنين وملاحقتهم المستمرة له.
ولا يفلح بيع الكلية في حل أزمة علاء فيلجأ لسرقة أموال التبرعات من المسجد الذي يعمل به، وتستمر الضغوط حتى يبحث عن حل خارج الصندوق، وهنا يسمع عن 'الدارك ويب' أو المواقع المظلمة التي تمنح أموالاً في مقابل طلبات تبدو غير طبيعية، ويبدأ في البحث عن هذا الطريق حتى يقع في قبضة شاب ثري يدعى سليم، يعاني عقدة في الطفولة حيث قتل صديقه بالخطأ، ووقع في براثن الوحدة حتى أصبح مريضاً نفسياً يستمتع بالدماء والأفعال الإجرامية المرعبة. يطلب سليم الثري الذي كان يدرس بإحدى المدارس الكبرى من علاء أن يرسل له صوراً وأصواتاً مؤلمة مثل صراخ طفل، ثم ذبح كائن ضعيف مثل القطة.
وفي المرحلة الثالثة يطلب ذبح طفل بين السادسة والسابعة من العمر، وتقطيع أعضائه بحجة البيع في مقابل 100 ألف دولار. وعلى رغم الخوف والرعب اللذين يتملكان علاء، فإن حاجته إلى المال تدفعه للموافقة، فيستعد في البداية لاستهداف شاب صغير من المنطقة توجد بينهما مناوشات مستمرة، لكن سليم يختار أن تكون الضحية الطفل حسن الذي يجسده منذر مهران، وهو الطفل الأقرب إلى قلب علاء وأكثرهم براءة، وتحت تأثير الاحتياج من ناحية ورغبة سليم المجنونة في قتل حسن ينفذ علاء الجريمة بالصوت والصورة، إلا أن سليم يخلف وعده ويرفض إرسال المبلغ كاملاً إلا بعد تنفيذ عملية قتل أخرى.
وفي تلك الأثناء، تبحث أسرة حسن عنه وتبلغ الشرطة التي تشتبه في علاء، وبينما يمضي الأخير في طريقه للوصول إلى ضحيته الثانية، وينجح في استقطاب طفل آخر والاتجاه لشقة في منطقة وسط المدينة، تداهم الأجهزة الأمنية المكان وتلقي القبض عليه بعد تتبع خيوط الجريمة.
ومن خلال التحريات المكثفة، تتوصل السلطات إلى مكان سليم في الخارج ويجري ترحيله مقبوضاً عليه، لتنتهي القصة بحكم الإعدام على علاء، وحبس سليم لمدة 15 عاماً تقريباً.
تكمن قوة الفكرة وخطورتها في الوقت نفسه في أن العمل لا يشرح للمشاهد أن الإنترنت يمكن أن يكون مكاناً خطراً فحسب، إنما يذهب إلى المنطقة الأكثر ظلمة في عالم الجريمة الإلكترونية، إذ يمكن أن يتحول المال، والابتزاز، والتلاعب النفسي، والرغبة في إثبات الذات، إلى أدوات لتدمير حياة إنسان.
والأكثر رعبا أن القضية الحقيقة لا تختزل الخطر في صورة سفاح أو مريض نفسي أو حادثة عارضة، بل تلقي الضوء بقسوة على الملف الأكثر حساسية وتعقيد وهو مأساة الفقراء والأطفال أولاد الشوارع، وما يتعرضون له من استدراج واستغلال واعتداءات وجرائم بيع أعضاء وقتل وتحرش واغتصاب، مما يكشف عن هشاشة اجتماعية جعلت بعض الأطفال بلا حماية حقيقية.
إعادة تقديم هذه القضايا يطرح عدداً من الأسئلة الجدلية التي لابد أن يحاسب عليها أي عمل من هذا النوع مثل: هل يكتفي العمل بعرض جريمة مشوقة دراميا ستحقق ملايين المشاهدات؟ أم هدفه الأساسي لماذا حدثت؟ ومن أين جاء الضحايا؟ وكيف تمكن المجرمون من استغلال ضعفهم؟ وأين كانت الأسرة والمجتمع والمؤسسات؟ وهل كان يمكن منع الجريمة قبل وقوعها؟
إذا نجح العمل في طرح هذه الأسئلة واجاباتها بطريقة مرضية وشافية للجمهور، فهو يخرج من دائرة الإثارة إلى دائرة الدراما الاجتماعية، أما إذا أصبح اهتمامه الأساسي هو كيف قتلت الضحية؟ وكيف بدا الجسد؟ وكيف ارتكب المجرم جريمته، فإن المسافة بين الدراما واستثمار العنف والدم تصبح شديدة الضيق.
وكان واضحاً أن الجدل الذي أثاره مسلسل 'القصة الكاملة' في أول حلقاته يعبر عن ارتباك كبير في استقبال الجمهور لمثل هذه النوعية من الدراما المقتبسة من جرائم حقيقية، وفهم ماهيتها وأهميتها وفائدتها ودورها.
ولن يكتفي مسلسل 'القصة الكاملة' بجرائم الإنترنت والجريمة الحديثة، إذ ستكون حلقاته المقبلة أكثر سخونة ورعباً، وسيعرض واحدة من أكثر القضايا غموضاً وصدمة في تاريخ الجريمة المصرية، وهي مذبحة بني مزار.
وقعت الجريمة بمركز بني مزار في المنيا عام 2005، وسقط فيها 10 أشخاص من ثلاث أسر، بينهم أطفال ونساء، وتحولت القضية وقتها إلى واحدة من أكثر القضايا التي شغلت الرأي العام، بسبب طبيعة الجريمة وتعدد الضحايا والغموض الذي أحاط بكل الأمور، وعدم التمكن من حل اللغز أو الوصول للجاني حتى الآن.
في فجر الـ29 من ديسمبر (كانون الأول) عام 2005 استيقظ أهالي عزبة شمس الدين بمركز بني مزار على تلك المذبحة التي لم يترك مرتكبها خلفه أي دليل لإدانته، بعد أن ذبح 10 أشخاص، والأغرب كان طريقة تنفيذ الجريمة، إذ فتح بطونهم من دون المساس بالأمعاء، وقام بقطع الأعضاء التناسلية للضحايا بطريقة محترفة، واعتبر المحققون ما حدث أمراً خيالياً، ومن مستحيل تنفيذه في ساعتين ونصف فقط من دون وجود رد فعل من الضحايا مهما كانت حرفية القاتل وقدرته على دخول بيوت القتلى.
والأغرب أن القاتل ذبح أيضاً بعض طيور الحمام وألقاها بجوار جثث ضحاياه، وبقدر ما أربكت تلك الجريمة الجميع لما تحمله من تناقضات غير منطقية في التنفيذ والدوافع حفلت بتفسيرات وسيناريوهات مختلفة، منها أنه ربما تكون هناك ممارسات وطقوس شيطانية وراء الحادثة، أو ما حدث طريقة لفتح مقبرة فرعونية.
وبعد اتهام أحد الأشخاص حكمت محكمة النقض ببراءته مما نسب إليه من اتهامات، وأوضحت في حيثيات حكمها أن هناك تناقضاً بين اعتراف المتهم بارتكاب المذبحة بسبب معاناته اضطرابا نفسياً، وتقرير اللجنة الطبية النفسية، الذي أكد سلامة قواه العقلية، واستحالة قيامه بذبح كل هذا العدد خلال نحو 150 دقيقة فقط، وعدم تصور ارتكابه الجريمة بمفرده، إضافة إلى أن من قام بالجريمة لا بد أن يكون محترفاً لأنه لم يمس الأحشاء على رغم فتح البطون، كما أنه قطع الأعضاء التناسلية بطريقة طبية.
ولذلك ربما ستشهد الأيام المقبلة عند عرض هذا العمل مزيداً من الجدل وردود الأفعال المتباينة، خصوصاً أن تقديم جريمة بني مزار درامياً لا يعني مجرد إعادة مشاهد القتل، وإنما يعني الدخول إلى سؤال حرج، وهو كيف تتحول جريمة جماعية غامضة إلى أسطورة شعبية؟ وكيف يعيش مجتمع كامل سنوات طويلة وهو يحمل ذاكرة جريمة لم يحصل في شأنها على إجابة تشفي فضوله أو خوفه؟
وهنا تصبح الدراما أمام مسؤولية مضاعفة، لأن القضية ليست ملكاً للترفيه وحده، فهناك أسر حقيقية عاشت المأساة، ومجتمع حقيقي ظل يحمل آثارها، وأسماء حقيقية ارتبطت بها.
مسلسل 'ما لم يحكى عن بني مزار' الذي سيعرض خلال الأيام المقبلة من تأليف هاني سرحان، إخراج أحمد نادر جلال، وإنتاج مجدي الهواري. ويشارك في بطولة المسلسل أحمد عبدالوهاب، أحمد عبدالحميد، ميشيل ميلاد، صفاء الطوخي، وعارفة عبدالرسول.
لم يكن غريباً أن يتصدر مسلسل 'القصة الكاملة' محركات البحث بعد عرض الحلقات الثلاث، وأن تتنوع ردود الفعل بشدة، فهناك مشاهدون أشادوا بتفاصيل وحرفية المخرج إسلام خيري في تصوير مشاعر الرعب وتفاصيل الدراما، ومنهم من أثنى على أداء الممثلين، خصوصاً محمد فراج وعمر رزيق ومنذر مهران، وبعضهم رأى أن معرفة أن الأحداث حقيقية جعلت التجربة أكثر تأثيراً، وفي المقابل ظهرت تعليقات عبر مواقع التواصل تعبر عن الألم والخوف، وإن العمل أعاد إنتاج الخوف داخل البيوت، خصوصاً لدى الأمهات.
ويبدو بوضوح أن هذا النوع من الأعمال تحديداً يفتح ملفاً شديد الحساسية، وهو لماذا يخاف الجمهور من عرض القضايا الحقيقية والجرائم الواقعية، بينما لديه شغف متزايد نحو مشاهدة أفلام الرعب الخيالية مهما كانت قوتها؟
والتفسير النفسي لهذا التناقض أن الخيال يصنع حاجزاً ومبرراً داخل المشاهد لعدم الخوف، إذ يشعر أن كل ما يراه ليس حقيقياً، أما عندما تقول له الدراما إن هذه الجريمة حدثت بالفعل فإن الحاجز النفسي يسقط. وهذه تحديداً هي طبيعة 'لعبة جهنم'، فالرعب هنا لا يأتي فقط من الصورة، إنما من المعرفة السابقة بأن هناك ضحية حقيقية كانت في يوم من الأيام طفلاً أو شاباً أو أماً أو أباً، ثم تحولت حياته إلى ملف قضية.
انتقد بعضهم رد فعل الجمهور المصري الهجومي عقب إذاعة حلقات 'لعبة جهنم'، بينما يشاهد عبر المنصات والشاشات أعمالاً أجنبية أشد قسوة لمسلسلات عن جرائم قتل حقيقية مثل 'الوحش جيفري دامر' و'السلالم' و'كاندي' و'الجريمة الأميركية'، وأيضاً 'الوحوش' عن جريمة الأخوين لايل وأريك مينينديز.
وقد يكون شغف المتابعة نابعاً عند المشاهد العربي من كون تلك الأعمال لأحداث بعيدة من بيئة وثقافة المواطن المصري والعربي، وقد يمنح بعد المسافة واختلاف الثقافة فاصلاً مريحاً، بقدر ما يبرر المشاهدة ولا يتسبب في ألم مباشر يعكر صفو التشويق والمتابعة.
ولكن بالنظر للمشكلات التي ترتب عليها عرض بعض الأعمال الأجنبية المذكورة سنجد أيضاً أنها حفلت بالهجوم والاتهامات من الجمهور في البلدان الأخرى المرتبطة بتلك الجرائم، وفتح عرضها نقاشاً عالمياً واسعاً حول أخلاقية تحويل جرائم القاتل إلى مسلسل ترفيهي.
فمثلا عائلات ضحايا جيفري دامر انتقدت المسلسل، واتهمه بعضهم بإعادة استثمار الألم الحقيقي للضحايا وتحويله إلى منتج ترفيهي، بينما دافع صناع العمل عن محاولتهم تقديم قصص الضحايا لكشف ومنع السياق الذي سمح باستمرار الجرائم.
وهذا الجدل بين صناع الدراما وأسر الضحايا وضع الجميع أمام سؤال جوهري وهو: هل يكفي أن تكون القصة حقيقية حتى تصبح ملكاً عاماً يمكن تحويله إلى ترفيه؟ والإجابة معقدة لأن القصص والجرائم الحقيقية تمنح الفنان مادة درامية، لكنها لا تمنحه بالضرورة حقاً مطلقاً في التعامل معها بلا حدود.
وحسم بعض صناع الدراما والنقاد هذا التشابك بوضع نظرية مهمة يجب فهمها قبل تناول قضايا حقيقية، وهي أن المشكلة ليست في عرض الجريمة، إنما في طريقة تناولها، لأن الأثر يعتمد على السياق، وطريقة التقديم والشخصيات والرسالة التي يخرج بها المشاهد، وهناك فرق كبير بين أن تقدم قاتلاً بوصفه شخصية مثيرة وجذابة وغامضة، وبين أن تقدم الجريمة باعتبارها مأساة لها ضحايا وتداعيات وعواقب، والخطورة هي أنه كلما أصبح القاتل شخصية جذابة على الشاشة، زاد احتمال أن يتذكر الجمهور اسمه وشكله أكثر مما يتذكر أسماء ضحاياه، وهنا يتحول الشر من موضوع للتحليل إلى نجم، لذلك فالدراما المنقولة من جرائم حقيقية سلاح ذو حدين، وتحمل مسؤولية إنسانية ومجتمعية أكبر وأثقل من مهمة الترفيه والتسلية.


































