اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٢٩ كانون الثاني ٢٠٢٦
ما بين التطبيق الذي يرافقك خارج السيارة، والقانون الذي ينظم الطريق، ظل خيط واحد حاضرًا في المقالين السابقين: الأمان. واليوم، نعود إلى هذا الخيط ذاته، لنفرده من جديد، ونتوقف عند أنظمة فولفو، التي لم تُصمم لمجاراة الطريق، بل لحماية من يسير عليه.
بعد أن جعلت فولفو السيارة ترى المشاة عبر نظام كشف المشاة مع الكبح التلقائي الكامل، بدا وكأنها منحت السيارة عينًا ثالثة، لا تراقب الطريق فقط، بل تفكر في الإنسان الذي يعبره. كان ذلك الابتكار إعلانًا أن السلامة لا تتوقف عند حدود المقصورة، فولفو، التي اعتادت أن تفكر أبعد من اللحظة، أدركت أن المشاة ليسوا وحدهم من يشاركون الطريق، فهناك فئة أخرى أكثر هشاشة، تشاركنا المسار ذاته، بسرعة مختلفة، وحضور صامت، وخطر مضاعف: هم راكبو الدراجات الهوائية.
في المدن الحديثة، أصبحت الدراجة جزءًا أساسيًا من المشهد اليومي. وسيلة نقل صديقة للبيئة، لكنها في الوقت ذاته من أكثر مستخدمي الطريق عرضة للإصابات. فراكب الدراجة يتحرك بسرعة تفوق المشاة، ويظهر أحيانًا من زوايا غير متوقعة، مما يجعل اكتشافه أصعب، ورد الفعل تجاهه أضيق زمنًا. وهنا، طرحت فولفو سؤالها التالي: إذا كانت السيارة قادرة على رؤية المشاة، فهل يمكنها أيضًا فهم حركة الدراجة؟
الإجابة جاءت عبر نظام كشف الدراجات الهوائية مع الكبح التلقائي، الذي طوّرته فولفو عام 2013 ليكون امتدادًا طبيعيًا لأنظمة كشف المشاة. لم يكن التحدي في رصد جسم متحرك فحسب، بل في تمييز سلوك الدراجة: سرعتها، اتجاهها، واحتمالية تقاطع مسارها مع السيارة خلال لحظات قصيرة جدًا. كان هذا النظام امتدادًا طبيعيًا لفلسفة الشركة، التي لا ترى السيارة مجرد آلة تتحرك، بل انها شريك في حماية الأرواح. باستخدام مزيج من الرادار والكاميرا، أصبح بإمكان السيارة التعرف على حركة الدراجات أمامها، حتى في المواقف المعقدة، مثل تقاطع الطرق أو السير بجانب السيارات المتوقفة. وإذا اكتشف النظام أن الاصطدام وشيك، يُطلق إنذارًا للسائق، لكن إن لم يستجب، يتدخل بنفسه ويُفعّل الفرامل الكاملة، ليوقف السيارة أو يقلل سرعتها بشكل حاسم.
وفي بيئات حضرية مزدحمة مثل الكويت، حيث بدأت ثقافة ركوب الدراجات تنتشر تدريجيًا، يصبح هذا النظام أكثر من مجرد ميزة تقنية، الفرق الجوهري هنا هو الزمن المتاح للقرار. فالتعامل مع دراجة يتحرك راكبها بسرعة يتطلب استجابة أسرع وتحليلًا أدق للمشهد. ولهذا، صُمّم النظام ليعمل خلال أجزاء من الثانية، مانحًا فرصة حقيقية لتفادي الحادث أو تقليل شدته بشكل كبير. وفي كثير من الحالات، يكون هذا التدخل هو الفاصل بين حادث خطير ونجاة مؤكدة.
هذا الابتكار لم يكن مجرد إضافة تقنية، بل كان خطوة إنسانية أخرى في رحلة فولفو. فراكبو الدراجات، مثل المشاة، لا يملكون وسائد هوائية أو هياكل فولاذية تحميهم. إنهم في مواجهة مباشرة مع السيارات، وأي خطأ صغير قد يتحول إلى مأساة. لكن فولفو أرادت أن تمنحهم فرصة النجاة، وأن تجعل السيارة تفكر فيهم كما تفكر في ركابها. لقد وسّعت دائرة الحماية لتشمل كل من يشارك الطريق، لتقول للعالم إن السلامة مسؤولية جماعية. في تأكيد واضح على أن السلامة لا تُجزّأ، وأن حماية الإنسان لا ترتبط بوسيلة تنقله.
رحلة فولفو مع حماية من هم خارج السيارة لا تتوقف عند الرصد والكبح فقط. فبعد أن منحت السيارة القدرة على التعرّف والتدخل، انتقلت إلى مرحلة تتعامل مع أسوأ الاحتمالات حين لا يكون التوقف كافيًا. وهذا ما سننتقل إليه في المقال القادم، حين نواصل استكشاف كيف طوّرت فولفو حلولًا أعمق لحماية الإنسان على الطريق، حتى في اللحظة التي يصبح فيها الاصطدام أمرًا لا مفر منه.
مشعل يوسف الصفران


































