اخبار مصر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٧ أيلول ٢٠٢٦
الأجور تستحوذ على الجانب الأكبر من موازنة التعليم وما يتبقى يخصص للصيانة وهذا ما فعله التضخم وانخفاض الجنيه في النسبة المقررة
قُرعت أجراس الدراسة في مصر وعاد الطلاب إلى فصولهم، ومعهم تجدد الحديث عن أحوال المدارس الحكومية التي أظهرت جولة لمحافظ القليوبية أنها ينقصها كثير كي تصبح مؤهلة لاستقبال الطلاب، على رغم حديث الحكومة عن زيادة المخصصات الموجهة إلى التعليم في الموازنة العامة، وهي الأرقام التي يقول متخصصون وبرلمانيون إنها 'لا تنعكس على حال المدارس'.
وقبل أيام من بدء العام الدراسي الجديد، صُدم الرأي العام المصري بمشاهد لمحافظ القليوبية حسام عبدالفتاح وهو يوبخ مديري مدرستين خلال جولة لتفقدهما، بسبب استيائه من سوء حال المقاعد والفصول وتدهور النظافة. لكن الاستياء الشعبي انقلب على المحافظ بعدما أكدت مديرة مدرسة 'برقطا' الثانوية أنها أنفقت من مالها الخاص على حاجات المدرسة، كما قال مدير المدرسة الإعدادية في القرية نفسها إنه يشارك في تنظيف المدرسة بنفسه، بسبب عدم تعيين عمال للخدمات، ولذلك ارتدى 'الجلابية' خلال عمله.
وكان القاسم المشترك بين مديري المدرستين هو تأكيد أنهما خاطبا مديرية التعليم في المحافظة وهيئة الأبنية التعليمية للقيام بدورهما في صيانة الفصول والمقاعد الدراسية، لكنهما لم يتلقيا أي رد.
وعلى رغم تسوية موقف المعلمين وتكريمهما من وزير التربية والتعليم، فإن واقعة جولة محافظ القليوبية دفعت إلى التساؤل في شأن مليارات الجنيهات المخصصة للتعليم في الموازنة العامة للدولة، ولماذا لا تنعكس على أوضاع المدارس الحكومية.
ويدرس أكثر من 23 مليون طالب، يمثلون نحو 90 في المئة من إجمال عدد الطلاب، في 52 مدرسة حكومية، تمثل نحو 84 في المئة من عدد المدارس في مصر.
وبحسب القانون، تتولى هيئة الأبنية التعليمية بناء وصيانة المدارس الحكومية، وبلغت موازنتها في العام المالي 2024 - 2025 نحو 25 مليار جنيه، فيما أعلنت الحكومة أنها زادت المخصصات الموجهة للتعليم خلال موازنة العام المالي الجاري 2026 - 2027 بنسبة 25 في المئة مقارنة بالعام الماضي، لتصل إلى 442.3 مليار جنيه، ويشمل هذا الرقم التعليم الجامعي وقبل الجامعي.
ويلزم الدستور المصري الحكومة بتخصيص أربعة في المئة من الناتج القومي الإجمالي سنوياً، للإنفاق على التعليم، وأكد وزير المالية أحمد كجوك التزام الحكومة النسبة الدستورية في الموازنة العامة للعام الحالي.
لكن إنفاق مديرة مدرسة 'برقطا' الثانوية 18 ألف جنيه على حاجات المدرسة، وتبريرها ذلك بأن المخصصات المالية للمدرسة من الجهة الإدارية تبلغ 5 آلاف جنيه (100 دولار تقريباً)، جدد التساؤل حول مآلات المخصصات المالية.
ويشير تقرير للمركز المصري للدراسات الاقتصادية إلى أن الالتزام الحكومي بالنسب الدستورية للإنفاق على الصحة والتعليم، وإن كان رقمياً يجري استيفاؤه، لكنه تأثر بالتضخم وانخفاض قيمة الجنيه المصري. وأوضح المركز أنه بين عامي 2021 - 2022 و2023 - 2024، ارتفع الإنفاق الاسمي على التعليم، وهو الرقم المكتوب في الموازنة، من 193.7 مليار جنيه إلى 229.9 مليار جنيه بنسبة 19 في المئة، بينما القيمة الحقيقية بحساب قيمة التضخم تشير إلى أن النمو لا يتجاوز 0.3 في المئة فحسب، بالتالي لم تصل الزيادة إلى المدارس فعلياً.
عضو مجلس النواب سناء السعيد قالت إن أرقام الإنفاق المخصص لوزارة التربية والتعليم لا تتسق مع الواقع العملي لأحوال المدارس، مؤكدة أن ذلك من أسباب رفض أعضاء الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي الموازنة العامة للدولة.
وأضافت السعيد لـ'اندبندنت عربية' أن ما ظهر في جولة محافظ القليوبية على المدارس هو حال معظم المدارس الحكومية في مختلف المحافظات، والذي يتجلى في تهالك الفصول ودورات المياه والمقاعد الدراسية وتركها دون إحلال أو تجديد، وعدم كفاية المقاعد الدراسية وسوء حال الموجود منها، بالتالي توجد فجوة كبيرة بين الواقع وما يُذكر في الموازنات الرسمية من مخصصات لقطاع التعليم.
في المقابل، أكد وزير التربية والتعليم محمد عبداللطيف أن الوزارة توسعت في توفير مقاعد الطلاب في الفصول بإجمالي يصل إلى 500 ألف مقعد دراسي سنوياً، لاستيعاب أعداد الطلاب المتزايدة. وأضاف الوزير خلال لقاء مع صحافيين وإعلاميين أنه جرى تنفيذ أعمال دهان وتجديد للفصول الدراسية في مختلف المحافظات، لتحسين البيئة التعليمية ورفع مستوى جاهزية المدارس. وأشار إلى التوسع المستمر في إنشاء مدارس جديدة داخل مختلف المحافظات، بهدف زيادة الطاقة الاستيعابية للمنظومة التعليمية.
لكن البرلمانية سناء السعيد تؤكد أن ما يُدون في الموازنات ليس الأرقام الحقيقية التي تُصرف على العملية التعليمية، مشيرة إلى تخصيص مليارات لهيئة الأبنية التعليمية في الموازنة العامة، في حين عند متابعة أحوال الفصول في المحافظات يكتشف عدم كفاية المخصصات المالية، وهو ما تبين في واقعة محافظ القليوبية حين اكتشف إنفاق مديرة المدرسة من مالها الخاص لإدخال المرافق.
وأشارت إلى عدم وجود عمال نظافة في المدارس، بالتالي يضطر المعلمون وأولياء الأمور لتجميع أموال لإحضار عامل بين حين وآخر، أو الاستعانة بالطلاب أنفسهم في التنظيف، مؤكدة أنها تشهد تلك المشكلات عند المرور على المدارس في إطار دورها الرقابي كبرلمانية.
وعدت أن تكريم وزير التعليم لمديري المدرستين في واقعة محافظ القليوبية ليس كافياً، وإن كان فيه رد اعتبار لهما، لكن المطلوب الآن أن تكون تلك الواقعة بداية لنهضة شاملة في الاهتمام بحاجات المدارس والتنسيق بين وزارة التعليم والمحافظات للتعرف على حقيقة الأوضاع في المدارس وعدم الاكتفاء بالتقارير التي تُعرض على المسؤولين، مشيرة إلى أنها طالبت وزير التعليم بتفقد المدارس، التي وصفتها بأن بنيتها التحتية مدمرة.
وأكدت السعيد أن واقعة القليوبية تعد جرس إنذار، وكشفاً لما كان خافياً عن أوضاع المدارس، وبخاصة أنه لم يأت من طرف معارض إنما من محافظ يمثل السلطة التنفيذية، مشيرة إلى استمرار أعضاء البرلمان في متابعة ملف البنية التحتية التعليمية واستغلال الزخم الحالي لإحداث تغيير.
وبعد الضجة في شأن جولة محافظ القليوبية، أوضح وزير التعليم أنه جرى إنشاء 150 ألف فصل دراسي خلال الأعوام الـ10 الأخيرة، تمثل نحو 30 في المئة من إجمال الفصول التي أُنشئت في تاريخ مصر، مشيراً إلى رفع كفاءة 1000 مدرسة كل عام.
فيما يشير المتخصص في مجال التعليم مجدي حمزة إلى أن سوء حال المدارس الحكومية أزمة مزمنة بلا حل منذ عقود، موضحاً في حديثه إلى 'اندبندنت عربية' أن وزارة التعليم تقوم بإصلاحات شكلية، مثل تقليص فصول مدرسة قائمة لمصلحة إيجاد أنواع جديدة من المدارس مثل اليابانية والتكنولوجية، لافتاً إلى أن الأجور تستحوذ على الجانب الأكبر من موازنة التعليم، فيما يتبقى قليل لبناء وصيانة المدارس، معتقداً أن حل أزمة سوء حال المدارس الحكومية يرتبط بوجود إرادة سياسية لتوفير التجهيزات اللازمة للعملية التعليمية.
وتبلغ نسبة الأجور وفوائد الدين 67 في المئة من المخصصات الموجهة للتعليم، فيما يتبقى 17 في المئة فقط للاستثمار و10 في المئة لشراء السلع والخدمات. وكان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قال عام 2024 إن مصر تحتاج إلى 15 تريليون جنيه من أجل 'التعليم المنضبط والمناسب'.
وأشار المتخصص التعليمي إلى أن مديري المدارس الحكومية يلجأون إلى طلب تبرعات من أولياء الأمور، مثل مقاعد دراسية أو مروحة وغيرهما من التجهيزات، وأحياناً يطلبون تبرعات مادية عند قبول طلاب جدد أو نقل الطلاب، موضحاً أن التبرعات غير قانونية لكن مديري المدارس يضعونها في خانة 'المشاركة المجتمعية'. وأضاف أن التبرعات المالية تفتح باب فساد لدى بعض مديري المدارس، الذين حصلوا على مبالغ لأنفسهم، بحسب قوله.
داخل إحدى المدارس التجريبية الحكومية في شرق القاهرة، فوجئ محمد سيد، ولي أمر طالب في الصف الأول الإعدادي، بطلب إدارة المدرسة مساهمته بـ'مروحتين' مقابل موافقة مدير المدرسة على نقل نجله من مدرسة أخرى.
يقول سيد لـ'اندبندنت عربية' إن مدير المدرسة أخبره بعدم وجود مكان لنجله والاكتفاء بالعدد الحالي من الطلاب، لكن مساهمته في تطوير المدرسة قد تُسهم في العثور على مكان له داخل المدرسة، مما دفع الأب إلى شراء المروحتين اللتين يراوح سعرهما ما بين 2000 إلى 5 آلاف جنيه. وأوضح الأب أن رغبته في نقل نجله إلى مدرسة تجريبية، حيث الكثافة أقل في الفصول والفرصة التعليمية أفضل دفعته لقبول الطلب، على رغم معرفته بعدم قانونيته.
على عكس تجربة سيد، رفضت فايزة جمال طلب مدرسة حكومية دفع 2000 جنيه كمساهمة للمدرسة مقابل الموافقة على نقل ابنتها من مدرسة حكومية أخرى بمدينة السلام شرق القاهرة. وأوضحت لـ'اندبندنت عربية' أنها قررت الانتظار عاماً آخر، في ظل ارتفاع المصروفات ومسلتزمات المدارس وعدم تمكنها من توفير المبلغ خلال العام الدراسي الحالي.
كانت خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026 - 2027 تضمنت رفع كفاءة 1600 مدرسة على مستوى الجمهورية، إلى جانب إعادة تأهيل 1000 مدرسة فنية بالشراكة مع القطاع الخاص.
وخصصت الموازنة ملياري جنيه لتنفيذ خطة بناء المدارس الجديدة وخفض الكثافات الطلابية، إلى جانب دعم الهيئة العامة للأبنية التعليمية بمبلغ 500 مليون جنيه لأعمال الصيانة.


































