اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ٣٠ أيلول ٢٠٢٦
أنهت القوات الأمريكية وجودها العسكري في العراق مع اكتمال انسحابها من آخر قواعدها، في خطوة تطوي صفحة بدأت مع الغزو الأمريكي عام 2003، وتفتح مرحلة جديدة في العلاقات الأمنية بين بغداد وواشنطن، وسط تساؤلات بشأن قدرة القوات العراقية على مواجهة التهديدات الأمنية، ومخاوف من اتساع نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من إيران واحتمالات عودة تنظيم «داعش» الإرهابي.
جاء الانسحاب في 30 سبتمبر 2026، تنفيذًا لاتفاق توصلت إليه الولايات المتحدة والعراق عام 2024، خلال إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، فيما أشرفت إدارة الرئيس دونالد ترامب على استكماله. وبموجب الترتيبات الجديدة، انتقلت القوات الأمريكية المتبقية إلى الأردن، حيث تستمر العمليات المرتبطة بمكافحة تنظيم «داعش»، وفقًا لما أوردته صحيفة «واشنطن بوست».
ويمثل الانسحاب نهاية مرحلة طويلة من التدخل العسكري الأمريكي في العراق، شهدت الغزو والإطاحة بالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، ثم الانسحاب عام 2011، قبل العودة مجددًا عام 2014 في إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش».
وبحسب تقديرات مشروع «تكاليف الحرب» بجامعة براون الأمريكية، أسفرت الحرب والعمليات العسكرية المرتبطة بها عن مقتل نحو 4,599 عسكريًا أمريكيًا، إلى جانب سقوط أعداد كبيرة من المدنيين العراقيين، فيما تجاوزت التكلفة المالية للحرب والعمليات المرتبطة بها 2.8 تريليون دولار، وفق تقديرات المشروع التي نقلتها «واشنطن بوست».
بدأ الوجود العسكري الأمريكي في العراق في مارس 2003، عندما شنت الولايات المتحدة حربًا للإطاحة بنظام صدام حسين، مستندة إلى اتهامات بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وهي الأسلحة التي لم يُعثر عليها لاحقًا.
وشهدت السنوات التالية تصاعدًا في أعمال العنف والاضطرابات الأمنية، مع تنامي التمرد المسلح والصراعات الطائفية، وصولًا إلى ذروة الوجود العسكري الأمريكي عام 2007، عندما تجاوز عدد القوات الأمريكية في العراق 170 ألف جندي.
ومع تولي الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما السلطة، بدأت واشنطن تنفيذ خطط تقليص وجودها العسكري، قبل أن تغادر آخر القوات القتالية الأمريكية العراق في ديسمبر 2011، منهية بذلك مرحلة الاحتلال العسكري المباشر التي أعقبت الغزو.
لكن الانسحاب لم ينهِ التدخل العسكري الأمريكي بصورة نهائية؛ إذ أدى صعود تنظيم «داعش» وسيطرته على مساحات واسعة من العراق وسوريا عام 2014 إلى عودة القوات الأمريكية، بناءً على طلب الحكومة العراقية، ضمن تحالف دولي هدف إلى دعم القوات العراقية وإعادة تدريبها ومساندتها في الحرب ضد التنظيم.
وبعد خسارة التنظيم الأراضي التي كان يسيطر عليها، انتهت العمليات العسكرية للتحالف داخل العراق عام 2021، مع استمرار وجود قوات أمريكية لتنفيذ مهام التدريب والاستشارة ومكافحة الإرهاب. وبلغ عدد القوات الأمريكية في العراق نحو 2500 جندي قبل بدء تنفيذ خطة الانسحاب الأخيرة.
جاء الانسحاب الحالي نتيجة اتفاق أمريكي عراقي أُعلن في سبتمبر 2024، ونص على إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش» في العراق، والانتقال إلى مرحلة جديدة من التعاون الأمني الثنائي.
وتضمنت الخطة مرحلتين؛ الأولى إنهاء المهمة العسكرية للتحالف في المناطق الاتحادية العراقية بحلول سبتمبر 2025، والثانية استكمال الانسحاب من العراق بحلول نهاية سبتمبر 2026، مع استمرار التعاون بشأن مكافحة التنظيم في سوريا وفقًا للظروف الميدانية والتفاهمات بين الجانبين.
وأكدت بغداد أن انتهاء الوجود العسكري الأجنبي يمثل تحولًا في مسار الدولة العراقية، فيما شددت واشنطن على استمرار التعاون مع القوات العراقية في مواجهة التنظيمات الإرهابية، بما يعكس تحول طبيعة العلاقة من الوجود العسكري المباشر إلى الشراكة الأمنية والتعاون في مجالات أخرى.
ويثير انسحاب القوات الأمريكية تساؤلات بشأن انعكاساته على توازنات القوى داخل العراق، خصوصًا في ظل تنامي نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، والتي تمتلك حضورًا سياسيًا وعسكريًا مؤثرًا في البلاد.
وترى تقديرات أمنية عراقية أن مغادرة القوات الأمريكية قد تمنح طهران وحلفاءها مساحة أوسع لتعزيز نفوذهم، بعد أن مثل الوجود العسكري الأمريكي، على مدار سنوات، عاملًا موازنًا للنفوذ الإيراني داخل العراق.
وفي المقابل، تواجه الحكومة العراقية تحديًا يتمثل في تعزيز سيادة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، لا سيما أن بعض الفصائل المسلحة ترفض التخلي عن أسلحتها، رغم الدعوات الحكومية إلى إنهاء المظاهر المسلحة خارج إطار الدولة.
وتتزامن هذه التطورات مع تصعيد إقليمي بين واشنطن وطهران، ما يضيف أبعادًا جديدة إلى حسابات الأمن العراقي، في ظل ارتباط بعض الفصائل المسلحة بمحاور إقليمية تتجاوز حدود البلاد.
يمثل مستقبل المواجهة مع تنظيم «داعش» أحد أبرز التحديات التي تواجه العراق بعد الانسحاب الأمريكي، إذ لا يزال التنظيم يحتفظ بخلايا نائمة قادرة على تنفيذ هجمات، رغم خسارته الأراضي التي سيطر عليها في السابق.
وتحذر تقديرات أمنية عراقية من أن تراجع الدعم الأمريكي في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والإسناد اللوجستي قد يمنح التنظيم فرصًا لإعادة تنظيم صفوفه واستغلال الثغرات الأمنية.
وتبرز هذه المخاوف بصورة خاصة في المناطق التي تتطلب تنسيقًا مستمرًا بين القوات الاتحادية وقوات إقليم كردستان، حيث كان التعاون مع القوات الأمريكية والتحالف الدولي عنصرًا مهمًا في عمليات مكافحة التنظيم.
ومع ذلك، فإن اكتمال الانسحاب لا يعني توقف الجهود الأمريكية ضد «داعش»، إذ من المقرر استمرار العمليات المرتبطة بمكافحة التنظيم انطلاقًا من الأردن، بما يتيح لواشنطن مواصلة دعم جهود مكافحة الإرهاب من خارج الأراضي العراقية.
ويفتح انتهاء الوجود العسكري الأمريكي المباشر الباب أمام إعادة صياغة العلاقات بين بغداد وواشنطن، مع التركيز على التعاون الأمني الثنائي والعلاقات الاقتصادية والاستثمارية.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال لقائه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في واشنطن في يوليو الماضي، أن الولايات المتحدة لم تعد ترى ضرورة لاستمرار وجود قواتها العسكرية في العراق، مشيرًا إلى إمكانية تطوير العلاقات بين البلدين في مجالات أخرى.
وبذلك، لا يعني الانسحاب بالضرورة نهاية الشراكة العراقية الأمريكية، بل يمثل تحولًا في أدواتها وطبيعة حضورها، في وقت تواجه فيه بغداد تحديات تتعلق بمكافحة الإرهاب، وضبط السلاح، والحفاظ على توازن علاقاتها الإقليمية والدولية.
ويبقى الاختبار الأساسي أمام الحكومة العراقية في المرحلة المقبلة هو قدرتها على إدارة الملف الأمني بصورة مستقلة، ومنع استغلال أي فراغ عسكري أو استخباراتي، مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي في ظل التنافس الإقليمي على النفوذ داخل البلاد.


































