اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ٢٦ أذار ٢٠٢٦
نجح علماء الفلك أخيرا في فك لغز استمر نحو نصف قرن حول الانبعاثات السينية الغامضة الصادرة عن النجم غاما ذات الكرسي (نافي)، أحد ألمع نجوم كوكبة ذات الكرسي ومن فئة النجوم النشطة المعروفة باسم “Be”.
فهذا النجم، وعلى خلاف أقرانه من الفئة نفسها، ظل يطلق أشعة سينية عالية الطاقة بمستويات أربكت النماذج النظرية لعقود، ما جعله حالة استثنائية دفعت الباحثين لطرح تفسيرات متباينة دون الوصول إلى دليل حاسم.
على مدار سنوات طويلة، انقسمت التفسيرات العلمية بين احتمال وجود تفاعلات مغناطيسية عنيفة داخل النجم، أو عمليات غير مفهومة في القرص الغازي المحيط به، بينما رجحت فرضيات أخرى وجود جرم مرافق خفي قد يكون وراء هذه الإشعاعات غير المألوفة.
ورغم كثافة الدراسات وتعدد الفرق البحثية التي تناولت الظاهرة، بقيت كل هذه السيناريوهات تفتقر إلى البرهان الرصدي المباشر.
التحول الحقيقي جاء بفضل القياسات فائقة الدقة التي وفرتها مهمة XRISM (مهمة التصوير الطيفي بالأشعة السينية)، التي منحت العلماء قدرة غير مسبوقة على تتبع حركة البلازما فائقة السخونة المسؤولة عن الأشعة السينية.
هذه البيانات كشفت نمطا حركيا دقيقا لم يكن متوافقا مع حركة النجم الأساسي من نوع 'Be'، بل مع جرم آخر يدور حوله.
التحليل الطيفي المفصل أظهر أن مصدر الأشعة السينية ليس النجم نفسه، بل مادة ترتبط بقزم أبيض غير مرئي يدور حوله فقد تبين أن سرعة البلازما تتغير بطريقة تتبع الحركة المدارية لهذا القزم الأبيض، وليس حركة النجم العملاق.
هذا الدليل يعد الأول من نوعه الذي يربط مباشرة بين البلازما فائقة الحرارة والجرم المرافق، ليحسم الجدل العلمي القائم منذ عقود.
الاكتشاف أكد أن غاما ذات الكرسي ليس نجما منفردا كما كان يعتقد، بل جزء من نظام نجمي ثنائي، حيث تنتج الأشعة السينية الشديدة من تفاعل المادة مع القزم الأبيض.
وهذا التفسير يقلب معظم الفرضيات السابقة التي ركزت على النجم نفسه وقرصه الغازي.
لا تقتصر أهمية هذا الإنجاز على حل لغز نجم واحد، بل تفتح الباب أمام فهم أعمق لأنظمة نجمية أخرى تظهر سلوكا مشابها في الأشعة السينية.
كما يساهم في تطوير نماذج جديدة لتطور النجوم الثنائية، خاصة تلك التي تلعب فيها الأجرام المدمجة ونقل المادة دورا محوريا في إنتاج الظواهر عالية الطاقة.
قصة غاما ذات الكرسي تبرز كيف يمكن للتقدم التقني في أدوات الرصد أن يعيد كتابة ما اعتقد العلماء أنهم يعرفونه.
فحتى النجوم التي درست طويلا قد تخفي أسرارا عميقة، لا تكشفها إلا أدوات أكثر دقة.
ومع كل مهمة فضائية جديدة، يقترب العلماء خطوة إضافية نحو فهم الكون نجما بعد نجم.


































