اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٢٩ كانون الأول ٢٠٢٥
وليد منصور -
تُعدّ المياه حجر الأساس للصمود الاقتصادي، والازدهار الاجتماعي، وجودة الحياة في دول الخليج. وفي ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بندرة الموارد وتغير المناخ، تتجه دول المنطقة إلى تحويل الضغوط المشتركة إلى فرص إستراتيجية للنمو المستدام وتعزيز الأمن المائي.
ويُظهر تقرير مشترك أعدّته Boston Consulting Group (BCG)، بالتعاون مع الرابطة الدولية لتحلية المياه وإعادة استخدامها IDRA، بعنوان «العمل الجماعي لمعالجة شحّ المياه»، كيف تسهم الابتكارات التقنية، والتعاون المؤسسي، والحوكمة الفعّالة في انتقال دول الشرق الأوسط من إدارة الندرة إلى تبني إستراتيجيات مائية طويلة الأمد. فبعد أن كانت المياه تُنظر إليها بوصفها قيدًا تنمويًا، باتت اليوم تُعدّ ركيزة أساسية للصمود الاقتصادي والاجتماعي.
استجابة متكاملة
وأفاد التقرير بأن ندرة المياه لم تعد تحديًا إقليميًا محصورًا، بل أصبحت قضية عالمية متفاقمة. إذ لا يزال نحو ملياري شخص حول العالم يفتقرون إلى الحصول على مياه شرب آمنة، في وقت يُتوقع فيه أن يتجاوز الطلب العالمي على المياه حجم المعروض بنسبة تصل إلى %40 بحلول عام 2030.
كما يؤدي تغيّر المناخ إلى تضخيم الظواهر المناخية المتطرفة، من فيضانات مفاجئة إلى موجات جفاف طويلة الأمد، ما يزيد الضغوط على الاقتصادات الوطنية والنظم البيئية.
وفي هذا السياق، تعتمد دول الخليج أطرًا متكاملة للسياسات العامة، توازن بين الاستقرار المالي، والحماية الاجتماعية، والحفاظ على البيئة. ويؤكد التقرير أن الوصول إلى المياه لا يُعد مجرد قضية بيئية، بل يشكّل أساسًا للصحة العامة، وتوليد الفرص الاقتصادية، وضمان الاستقرار الطويل الأمد.
ويركّز التقرير على أن الجهود الفورية تنصب على توسيع قدرات التحلية وإعادة الاستخدام، بالتوازي مع تحديث البنية التحتية من خلال المراقبة الرقمية، وأجهزة إنترنت الأشياء، وتقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد التسربات. وعلى المدى الطويل، تُسهم الأنظمة اللامركزية والحلول القائمة على الطبيعة في ترسيخ الاستدامة الهيكلية للقطاع المائي.
نماذج إقليمية للتحول
تشهد منطقة الشرق الأوسط تطبيق نماذج عملية تعكس هذا التحول. ففي السعودية، أسهم إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص الذي تتبناه الشركة السعودية لشراكات المياه SWPC في التوسع الكبير لقدرات تحلية المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي، من خلال مناقصات شفافة، وحوكمة قوية، وتمويل قائم على الابتكار. وقد مكّن ذلك من تحقيق أدنى تعرفة عالمية، مع تحسين الكفاءة التشغيلية وتعزيز موثوقية الإمدادات.
وفي الإمارات، يبرز مشروع محمية الوثبة للأراضي الرطبة التابع لشركة TAQA Water Solutions كنموذج متقدم يوضح كيف يمكن لإعادة الاستخدام الدائري للمياه والحلول القائمة على الطبيعة أن تسهم في تعزيز التنوع البيولوجي ودعم أهداف الحياد الصفري للانبعاثات. وتؤكد هذه التجارب أن الاستدامة البيئية والنمو الاقتصادي ليسا مسارين متعارضين، بل عنصرين متكاملين.
التعاون أساس التقدم
يشدد التقرير على أن تسريع الأثر يتطلب تعاونًا واسع النطاق، محددًا ستة ممكنات رئيسية لذلك:
- الاستثمار المشترك في البحث والتطوير والتجارية، بما يتيح توسيع استخدام التقنيات منخفضة التكلفة وكفؤة الطاقة.
- مواءمة الحوافز المالية مع الأهداف الاستراتيجية عبر دعم حكومي مستهدف وأدوات تمويل مبتكرة.
- توحيد المعايير التنظيمية لخلق يقين في الطلب وضمان قابلية التوسع.
- تطوير أطر متكاملة لسياسات المياه تجمع بين التخطيط، والاستثمار، والسياسات البيئية.
- تعزيز قنوات التواصل بين القطاعين العام والخاص لضمان فعالية السياسات وتسريع تبني الحلول.
- إطلاق تحالفات تعليمية تقودها الصناعة لرفع الوعي العام بأهمية التقنيات المائية المستدامة.
ويرى التقرير أن هذه الآليات تضمن أن تكون الحلول قابلة للتوسع، وشاملة، ومرتبطة بالواقع المحلي، مؤكدًا أن التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع هو السبيل لتحويل الابتكار من فكرة واعدة إلى أثر ملموس.
شحّ الموارد
تعمل دول الخليج على إعادة صياغة علاقتها بالمياه، محوّلة شحّ الموارد من تحدٍ مزمن إلى محرّك للتعاون والابتكار. ومن خلال دمج مبادئ الاقتصاد الدائري، والتكنولوجيا المتقدمة، والمسؤولية المشتركة في الإستراتيجيات الوطنية، تضع المنطقة أسسًا مستدامة لتنويع الاقتصاد وتعزيز الرفاه الاجتماعي، بما يدعم أمنها المائي وأجيالها القادمة.
يُشار إلى أن الكويت تُركّز في مشاريعها المائية على تحلية المياه ضمن محطة الزور الشمالية بمرحلتيها الثانية والثالثة، بطاقة إنتاجية تبلغ 120 مليون غالون يوميًا. ويُنفَّذ المشروع بنظام الشراكة مع القطاع الخاص وبتمويل كامل من المستثمرين، مع اعتماد تقنيات موفِّرة للطاقة، على أن يبدأ الإنتاج في يونيو 2028، بما يعزّز أمن المياه ويخفض التكاليف. وفي السياق ذاته، يُعَدّ مشروع محطة تنقية أم الهيمان ركيزة أساسية لمعالجة مياه الصرف الصحي في المنطقة الجنوبية، عبر إنشاء أكبر محطة من نوعها في المنطقة بطاقة استيعابية تبلغ 500 ألف متر مكعب يوميًا في مرحلته الأولى، وقابلة للتوسع إلى 700 ألف متر مكعب.
بين المعالجات العاجلة والإصلاحات الهيكلية
يحدد التقرير ثلاثة أسباب رئيسية لشحّ المياه، هي: قيود الإمداد، وضغوط الطلب المتزايدة، وضعف القدرة على الصمود أمام الصدمات. ولمواجهة هذه التحديات، يستعرض التقرير عشرة محركات عملية تمتد عبر سلسلة القيمة المائية:
1 - مراقبة وتنظيم استخدام المياه الجوفية.
2 - تنويع مصادر الإمداد المائي من خلال مصادر بديلة.
3 - تقليل الفاقد عبر تحديث البنية التحتية.
4 - نشر أنظمة مياه لا مركزية.
5 - ضمان التوزيع المستدام باستخدام أطر مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
6 - تعزيز الكفاءة من خلال التكنولوجيا وتغيير السلوك الاستهلاكي.
7 - تطوير برامج التوعية والتعليم العام.
8 - تشجيع المعالجة في الموقع وإعادة الاستخدام الدائري.
9 - تعزيز القدرة على الصمود عبر استراتيجيات متكيفة مع المناخ.
10 - اعتماد حلول إيجابية للطبيعة ومنخفضة الانبعاثات الكربونية.


































