اخبار مصر
موقع كل يوم -الرئيس نيوز
نشر بتاريخ: ١٩ حزيران ٢٠٢٦
نشر موقع 'هورن ريفيو'، الذي يُموَّل من إثيوبيا، تقريرًا يعكس عمق القلق في أديس أبابا من الشراكة الصومالية المصرية المتنامية، متجاهلًا أن هذه الشراكة وُلدت وترعرعت من إرادة سياسية واعية، في إطار حسابات استراتيجية تتجاوز علاقات الجوار التقليدية، نحو مظلة لحماية عمق الأمن القومي المصري.
غير أن القراءة التحليلية للتقرير تكشف عددًا من الثغرات والمغالطات المنهجية، أبرزها التعامل مع التحركات المصرية باعتبارها موضع شك دائم دون سند، في مقابل منح التحركات الإثيوبية افتراضًا مسبقًا بالمشروعية.
كما يغفل التقرير سياقات أساسية لا يمكن فهم المشهد الإقليمي من دونها، وفي مقدمتها التوترات بين القاهرة وأديس أبابا الناتجة عن قرارات أحادية، وتراجع الانخراط الإثيوبي في آليات التشاور الأفريقي المشترك.
معايير مزدوجة
بينما ينتقد التقرير التعاون بين القاهرة ومقديشو، باعتبارهما عاصمتين تتمتعان بسيادة كاملة واعتراف دولي، فإنه يدافع في المقابل عن مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال غير المعترف بها دوليًا، ويتجاهل ما يصفه مراقبون بتحركات إثيوبية تسهم في زعزعة استقرار القرن الأفريقي والمساس بسيادة الصومال ووحدة أراضيها. وفي المقابل، يركّز التقرير على إثارة الشكوك حول أهداف القاهرة.
السياق الغائب
يُعد أحد أبرز أوجه القصور في التقرير تجاهله شبه الكامل للسياق الحاكم للعلاقات المصرية الإثيوبية. فمن الصعب فهم أي تحرك مصري في القرن الأفريقي بمعزل عن أزمة سد النهضة، التي تنظر إليها القاهرة باعتبارها قضية أمن قومي تمس المورد المائي الرئيسي للدولة.
ورغم أن هذا الملف يمثل الخلفية الاستراتيجية الأهم للعلاقة بين البلدين، فإنه يكاد يكون غائبًا عن التقرير، ما يجعل التحليل مبتورًا ويفتقد أحد أهم العوامل المفسرة للتحركات المصرية في المنطقة.
ماذا تجاهل التقرير بشأن الصومال؟
يتعامل التقرير مع الصومال وكأنها ساحة بعيدة عن المصالح المصرية، بينما تتجاهل هذه الرؤية حقيقة جيوسياسية أساسية، مفادها أن الصومال تقع في قلب البيئة الاستراتيجية المرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب، وهما من أهم الممرات البحرية المؤثرة في الأمن الاقتصادي المصري وحركة التجارة العالمية المرتبطة بقناة السويس.
ومن هذا المنطلق، فإن اهتمام القاهرة بالصومال لا يحتاج بالضرورة إلى تفسيرات تتعلق باستهداف طرف ثالث، فكما تنظر أديس أبابا إلى الصومال باعتبارها عمقًا أمنيًا بحكم الجوار، تنظر مصر إليها باعتبارها جزءًا من محيطها الاستراتيجي المرتبط بأمن البحر الأحمر واستقرار الإقليم.
استدعاء الماضي لتفسير الحاضر
يحاول التقرير الاستناد إلى حرب أوغادين عام 1977 والدعم المصري للصومال خلال تلك المرحلة لتفسير التحركات الحالية، غير أن الاعتماد على وقائع تعود إلى ما يقارب نصف قرن لا يقدم دليلًا على النوايا الراهنة، بقدر ما يعكس استمرار بعض الهواجس التاريخية في التفكير الاستراتيجي الإثيوبي.
فالمنطقة شهدت منذ ذلك الحين تحولات جذرية في التحالفات وموازين القوى والأولويات السياسية، ما يجعل إسقاط أحداث الماضي على الواقع الحالي أمرًا يتطلب قدرًا أكبر من الحذر المنهجي.
بين القلق الإثيوبي والحق المصري
يؤكد التقرير حق إثيوبيا في القلق من المتغيرات الإقليمية التي تمس بيئتها الاستراتيجية، لكنه في الوقت نفسه يتجاهل حق مصر في حماية مصالحها وأمنها القومي ضمن الأطر القانونية والمؤسسية المعترف بها.
فالمشاركة المصرية في بعثة 'أوسوم'، التي انتقدها التقرير، جاءت تحت مظلة الاتحاد الأفريقي وبالتنسيق مع الحكومة الصومالية الشرعية، ولم تكن تحركًا أحاديًا خارج الشرعية الدولية أو الإقليمية.
وبناءً عليه، تبدو كثير من استنتاجات تقرير 'هورن ريفيو' أقرب إلى التعبير عن المخاوف الإثيوبية المتزايدة من تنامي الحضور المصري في القرن الأفريقي، أكثر من كونها خلاصات قائمة على أدلة موضوعية.
وفي المحصلة، يطرح التقرير أسئلة للنقاش تستهدف الجمهور الإثيوبي، لكنه من نوع النقاش الذي ينسجم مع توجهات الحكومة هناك، إذ يتوسع في تفسير الدوافع المصرية، بينما يتجاهل الدوافع والسياقات الإثيوبية المقابلة، ويقع في أكثر من موضع في ازدواجية واضحة في المعايير.
ولذلك، فإن القيمة الحقيقية للتقرير لا تكمن فيما يقدمه عن مصر، بل فيما يعكسه من حجم القلق المتصاعد داخل بعض الأوساط الإثيوبية من عودة القاهرة لاعبًا مؤثرًا في معادلات القرن الأفريقي.


































