اخبار مصر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٦ أيلول ٢٠٢٦
تبلغ نحو 100 مليون طن سنوياً ومتخصصون يصفونه بـ'النشاط الخفي' ويؤكدون: المخلفات البلاستيكية تذهب إلى التجار قبل الشركات وأسر بالكامل تمتهن النبش والتجميع والفرز
بثياب رثَّة مليئة بالخروق وحذاء متهالك من جوانبه، اعتاد الثلاثيني محمود منتصر (اسم مستعار)، ذو الجسد النحيف والبشرة السمراء واليدين المتشققتين المغطاتين بالأتربة وبقايا مخلفات لا تبرح جلده، التنقل صباح كل يوم بين الشقق السكنية في مختلف أرجاء شوارع وميادين مصر، حاملاً على ظهره مقطف (سلة كبيرة مصنوعة من أعواد النخيل ولها مقبضان ليسهل حملها)، يجمع بداخله حصاد يومه من القمامة ثم يحملها على عربة نقل بمساعدة بعض أقرانه، تمهيداً لإرسالها لأماكن الفرز المخصصة، عله يجد ضالته في العثور على عبوات مياه غازية أو زجاجات بلاستيكية فارغة، كونها تشكل إلى جانب ما يتقاضاه شهرياً من سكان العقارات، مصدر رزقه الأساس ويخوض من أجلها معارك يومية مع 'النباشين'، الذين باتوا يزاحمونه في 'لقمة عيشه' وقوت أبنائه، بينما يحاول التخلص من نواتج مخلفات الطعام وحفاضات الأطفال ومستلزمات الأدوية المستعملة باعتبارها لا تجدي معه نفعاً.
مشهد مألوف اعتاده المصريون عن مهنة جامع القمامة (الزبال) على مر العصور، غير أن بطل هذا المشهد كان مثار حديث واسع بين أوساط الرأي العام وعبر أثير غروبات منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، إثر قيام مسؤولي حي الدقي بمحافظة الجيزة بتجربة تشغيل ماكينات آلية مخصصة لجمع بعض محتويات القمامة، تحديداً 'زجاجات المياه البلاستيكية الفارغة وعبوات المياه الغازية'، واستبدال نقاط بها ثم تحويلها إلى نقود، مما أشعل مخاوف رئيس رابطة عمال النظافة وجامعي القمامة أو ما يعرف إعلامياً بصفته 'نقيب الزبالين' شحاتة المقدس، مهدداً بالتصعيد وعدم العمل في مناطق تلك الماكينات، كونها تحرم جامعي القمامة من مصدر رزقهم.
وكانت وزارة التنمية المحلية والبيئة بمصر، أطلقت ضربة البداية في هذا المشروع في يونيو (حزيران) الماضي، بتدشين أول ثلاث ماكينات لاسترداد العبوات البلاستيكية والمعدنية كنموذج تجريبي يمكن البناء عليه والتوسع في تطبيقه بمختلف المحافظات والمناطق العامة ومراكز الخدمات والتجمعات التجارية، لتعزيز منظومة الاقتصاد الدائري وتشجيع المواطنين والعاملين على المشاركة الفعالة في جمع وإعادة تدوير المخلفات، وإعادتها إلى سلاسل التدوير لخفض معدلات التلوث البلاستيكي والحفاظ على الموارد الطبيعية.
هذا التحول الذي طرأ على مهنة جامع القمامة من النمط التقليدي إلى 'ماكينات استبدال المخلفات' مقابل نقاط وأموال، أعاد الحديث مجدداً حول ما يخبئه عالم 'الزبالين' الذي يختبئ خلف أكوام القمامة وأثار بدوره علامات استفهام عدة، حول مصير جامعي القمامة من عمال الجمع السكني التقليديين (الزبالين) والنباشين الذي يعتمدون كلياً على هذا القطاع غير الرسمي؟ وآليات دمجهم في منظومة الماكينات الجديدة؟ ولماذا يتصارعون على عبوات المياه البلاستيكية الفارغة وزجاجات المياه الغازية فيما لا يعبأ بأهميتها المواطن العادي؟ وهل مخلفات القمامة لا تزال تمثل عبئاً على كاهل الدولة أم تحولت إلى كنز استثماري يمكن الاستفادة منه؟
وفي خضم هذا الاشتباك، يبدي شحاتة المقدس المعروف بصفته 'نقيب الزبالين'، خلال حديثه إلى 'اندبندنت عربية'، ضيقه من اختزال البعض الأزمة في أن جامعي القمامة يرفضون ماكينات استبدال العبوات البلاستيكية التي دشنت أخيراً، معتبراً أنه توصيف 'في غير محله'، ولا يمت للحقيقة بصلة، مشيراً إلى أن جامع القمامة ليس ضد إجراءات التطوير التي تبغاها الدولة، لكنه يبحث عن حقه في ضرورة إشراكه في تلك المنظومة وعدم إقصائه منها والحصول على مصدر رزقه الأساس.
ويتساءل المقدس، 'هل يعقل أن يجري تجاهل وتهميش أكثر من 3 ملايين عامل في جمع القمامة على مستوى الجمهورية بينهم مليون في القاهرة الكبرى التي تضم القاهرة والجيزة والقليوبية من منظومة التطوير الجديدة؟ وكيف يحرم الزبال من حقه في عبوات المياه البلاستيكية وزجاجات المياه الغازية الفارغة ويترك له بقايا مخلفات الطعام وحفاضات الأطفال ومستلزمات الأدوية المستعملة المليئة بالميكروبات والبكتريا؟'، مؤكداً أن الارتقاء بالمنظومة وتطويرها يجب ألا يحدث على حساب 'رزق جامع القمامة'، وفق تعبيره.
وتشير تقديرات رسمية لوزارة البيئة والتنمية المحلية في سبتمبر (أيلول) 2025، إلى أن حجم المخلفات في مصر يبلغ نحو 100 مليون طن سنوياً، تشمل (المنزلية والزراعية والصناعية وغيرها)، فيما تتجاوز المخلفات الزراعية وحدها 50 مليون طن.
ويفسر المقدس رأيه بأن انتقاء العبوات القابلة للبيع وترك بقايا الطعام والمواد الملوثة يفرض على جامعي القمامة عبئاً إضافياً، من دون توفير مقابل عادل، منوهاً بأن العبوات البلاستيكية وزجاجات المياه الغازية بمثابة 'الفاكهة' لجامع القمامة، بحسب وصفه، كونها تعد من أغلى الأنواع، مستشهداً بمثال: الكيلو من علب الكانز يباع لمصانع التدوير بـ120 جنيهاً (2.39 دولار) وزجاجات المياه الفارغة بـ20 جنيهاً (0.40 دولار)، موضحاً أن حجم المخلفات من الوحدات السكنية والمنشآت السياحية يومياً في نطاق القاهرة الكبرى يقارب 16 ألف طن، بينهم 8 آلاف طن يحدث لهم إعادة تدوير، مثل المواد البلاستيكية ويجري توريدها للمصانع الكبرى العاملة في هذا المجال، و6 آلاف طن مواد عضوية تطعم بها الخنازير، و2000 طن مواد خطرة ومتعفنة غير صالحة للاستخدام.
وشهدت مصر قفزة في نسب تدوير المخلفات، إذ ارتفعت من 12 في المئة قبل عام 2020 إلى نحو 50 في المئة حالياً، وفق تقديرات رسمية لوزارة التنمية المحلية والبيئة في يوليو (تموز) الماضي.
بشكل أكثر تفصيلاً، يشرح المقدس الفارق بين طبيعة عمل جامعي القمامة والنباشين والكناسين بشوارع مصر، موضحاً أن جامع القمامة يتبع لكيان رسمي وشرعي وتربطه علاقات طيبة بسكان المناطق والأحياء السكنية لسنوات طويلة، ولديه تعاقدات مع شركات رسمية لجمع المخلفات من المنازل والمنشآت السياحية، وليس له علاقة بنظافة الشوارع نهائياً، ويحصل على أجرة شهرية نظير خدمة جمع القمامة من المنازل، إضافة إلى ربح من عوائد تدوير 'الزجاجات البلاستيكية وزجاجات المياه الفارغة'، ولديهم مربعات سكنية محددة يتوزعون فيها بشكل منظم.
بينما النباش يعتبر عدو 'الزبال الحقيقي' وهم أشخاص دخلاء على المهنة، يقطنون العشوائيات ويتعمدون إفراغ صناديق المخلفات من محتوياتها بشكل غير لائق بحثاً عن 'فاكهة القمامة' للاستفادة من عوائد تدويرها، أما 'الكناس' فيمارس وظيفته في نظافة الشوارع ويتبع لمسؤولي الأحياء في المحافظات.
وعلى هامش أزمة جامعي القمامة مع ماكينات استبدال العبوات، أثير جدال في شأن مدى شرعية 'نقابة الزبالين' وقانونيتها، فبينما يؤكد المقدس أن جامعي القمامة يندرجون تحت مظلة رسمية نقابية تسمى (النقابة العامة للنظافة وتحسين البيئة) تتبع لوزارة القوى العاملة ولديه مستندات رسمية تثبت ذلك، يؤكد رئيس اتحاد عمال مصر عبدالمنعم الجمل لـ'اندبندنت عربية'، عدم وجود نقابة عمالية رسمية بهذا الاسم، مشدداً على أن ممارسة العمل النقابي أو استخدام الصفة النقابية يجب أن يستند إلى وضع قانوني معتمد وفقاً للقواعد المنظمة للعمل النقابي في مصر.
وبينما تتفق المتخصصة في الشأن الاقتصادي الدكتورة يمن الحماقي مع ما ذهب إليه شحاتة المقدس في توصيفه للعبوات البلاستيكية بأنها 'فاكهة القمامة'، باعتبار أنها أصبحت تمثل 'منجم كنوز' للعاملين بهذا المجال وتدر أرباحاً طائلة عليهم، فإن رئيس جهاز تنظيم إدارة المخلفات ياسر عبدالله يرى أن الأمر ليس بهذه السهولة التي يصورها البعض، إذ يعتمد العائد المربح على 'كم المخلفات' التي يجنيها جامعو القمامة، ساخراً: 'إذا كانت المخلفات كنزاً مثلما يتصور البعض، لم نكن سنجدها في الشارع نهائياً'.
تضيف الحماقي، لـ'اندبندنت عربية'، أن اقتصاد القمامة مجال مربح وقطاع حيوي، لا سيما في ظل تزايد أعداد المصانع العاملة في مجال البلاستيك، موضحة أن غالبية تلك المصانع تعتمد على عمليات إعادة تدوير المخلفات البلاستيكي، كونها قليلة الكلفة، بدلاً من الحصول على المادة الخام من صناعات البتروكيماويات باهظة الثمن ومعقدة التكنولوجيا.
وقدر خالد أبو المكارم رئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة في تصريحات صحافية في يناير (كانون الثاني) 2025، أن عدد مصانع البلاستيك يصل إلى 12.5 ألف مصنع، 50 في المئة منها لا تخضع للاقتصاد الرسمي.
يؤيدها الرأي المتخصص في الشأن الاقتصادي وخبير أسواق المال الدكتور وائل النحاس، موضحاً أن هناك دولاً متقدمة تعتمد في نشاطها الاقتصادي على عمليات إعادة تدوير المخلفات بكل أنواعها، للاستفادة منها وللحفاظ على البيئة، إذ ركزت على السماد الطبيعي بديلاً عن الكيماوي، إضافة إلى أنها كانت تقوم بعمليات إعادة تدوير المخلفات مثل، المعادن والبلاستيك والورق، للاستفادة منها كقيمة اقتصادية، وكذلك بلدان عربية نجحت في الاستفادة منها في إنتاج الطاقة.
المعضلة، في رأي النحاس، أن اقتصاد القمامة بمصر 'نشاط خفي'، وكثير منه يتم خارج المنظومة الرسمية، فمع تزايد أعداد النباشين بالشوارع أصبحت مخلفات القمامة البلاستيكية تذهب للتجار قبل الشركات، وأصبحت أسر بالكامل تعمل في مجال تجميع المخلفات وفرزها لإعادة تدويرها وتعتمد على أرباحه، مستشهداً بتجربة شخصية، 'في عام 2015 استعنت بشركة أسترالية عاملة في مجال تدوير المخلفات لتحويل نواتجها لطاقة، وأجريت عديد من الدراسات والبحوث مع مراكز بحثية مصرية متخصصة والتقيت عديداً من المسؤولين، ولكن لم تؤت التجربة ثمارها آنذاك بسبب صعوبة العثور على منتجات يصعب تدويرها'.
من جانبه يؤكد رئيس جهاز تنظيم إدارة المخلفات بوزارة التنمية المحلية والبيئة ياسر عبدالله لـ'اندبندنت عربية'، أن الدولة تحاول إصلاح إرث قديم في هذا الملف بعدما تركته طوال 80 عاماً في يد قطاع غير رسمي، عبر نشر الوعى بأهمية الفصل من المنبع، بالتوازي مع تشجيع الشركات على جمع المخلفات التي جرى فصلها من الوحدات السكنية، بما يساعد على رفع كفاءة عمليات إعادة التدوير وتحقيق استفادة أكبر من المواد القابلة للاستغلال، موضحاً أن الجهاز يجرى حالياً دراسات في مناطق عدة من أجل معرفة طبيعة نشاطها السكاني واحتياجها من الحاويات ونوعية المخلفات، مشيراً إلى أن عناصر المنظومة لكي تكتمل يجب أن يوجد فيها بنية تحتية ومصانع ومدافن صحية للتخلص من النفايات غير الصالحة.
وفق رئيس جهاز تنظيم إدارة المخلفات فإن حجم نواتج المخلفات المنزلية يقدر بـ26 مليون طن سنوياً، منوهاً بأن كل كيس قمامة له خصائصه التي تختلف حسب مكان انتشاره، سواء كانت منطقة فقيرة أو متوسطة أو راقية، موضحاً أن المخلفات في مصر يغلب عليها الطابع العضوي، مثل بقايا الطعام والخضراوات، التي يتم توجيهها لإنتاج الأسمدة العضوية، بما يحقق قيمة اقتصادية ويدعم الاستخدام الأمثل للموارد، والجزء الذي يمتلك قيمة حرارية من المخلفات يجري تحويله إلى وقود بديل يستخدم في مصانع الأسمنت.
لكن المعضلة في تقدير عبدالله التي تواجه منظومة إدارة المخلفات التي بدأ نشاطها فعلياً عام 2019، تتمثل في عدم وجود مواعيد منتظمة لإخراج السكان مخلفات القمامة إلى الشوارع، إضافة إلى عدم وجود حاويات ثابتة تخدم على العقارات شاهقة الارتفاع وبما يتناسب مع قدرات متعهدي القمامة بالأحياء، فضلاً عن تأمين أماكن الماكينات لمنع السطو على ما بداخلها، إضافة إلى تقنين أوضاع النباشين وإدماجهم ضمن منظومة رسمية، إلى جانب المتابعة المستمرة للمناطق 'غير الصديقة للبيئة' التي لا تلتزم بالاشتراطات البيئية، ويتم إرسال مخلفاتها لشركات المعالجة، موضحاً أن هناك ما يقارب أكثر من 30 شركة في معالجة المخلفات البلدية.


































