اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٥ تموز ٢٠٢٦
وليد منصور -
في وقت تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي داخل اقتصادات الخليج، يفرض الذكاء الاصطناعي معادلة جديدة في سوق العمل. فمن جهة، تنظر المؤسسات والموظفون إليه باعتباره محركاً رئيسياً للنمو ورفع الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية، ومن جهة أخرى، تتصاعد المخاوف من أن يؤدي انتشاره المتسارع إلى إعادة رسم خريطة الوظائف وتقليص الحاجة إلى بعض المهن التقليدية.
ويكشف استطلاع حديث أن هذه المفارقة أصبحت السمة الأبرز لبيئة العمل الخليجية، حيث يجتمع التفاؤل بإمكانات الذكاء الاصطناعي مع قلق متزايد بشأن مستقبل الأمن الوظيفي.
وأظهر تقرير «نبض الموظفين في دول مجلس التعاون الخليجي» GCC People Pulse، وهو أول مؤشر شهري متخصص لقياس توجهات القوى العاملة في المنطقة، أن نحو نصف الموظفين في الكويت والسعودية والإمارات وقطر يخشون أن يؤثر الذكاء الاصطناعي في استقرار وظائفهم، رغم قناعتهم الواسعة بأهميته في دعم نمو الأعمال.
وأُعد التقرير بالتعاون بين Employee Experience Exchange (EXE) وIpsos، وشمل استطلاع آراء 1500 موظف يعملون بدوام كامل أو جزئي، لقياس توجهاتهم تجاه بيئة العمل، والثقة بالمؤسسات، والرفاه الوظيفي، والشمول، والذكاء الاصطناعي.
رهان المستقبل
أظهرت نتائج الدراسة أن %73 من المشاركين يعتبرون الذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية لتمكين الأعمال، فيما يرى %73 أيضاً أنه سيعزز القدرة التنافسية للمؤسسات التي يعملون فيها، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً بأن التقنية أصبحت عنصراً محورياً في استراتيجيات النمو والابتكار.
لكن في المقابل، أعرب %49 من الموظفين عن خشيتهم من أن يؤدي التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي إلى تهديد أمنهم الوظيفي أو تقليص الفرص المتاحة مستقبلاً، في مؤشر يعكس اتساع الفجوة بين القناعة بأهمية التقنية والاطمئنان إلى انعكاساتها على الوظائف.
ويرى التقرير أن الموظفين باتوا يدركون أن الذكاء الاصطناعي سيصبح جزءاً أساسياً من مستقبل الأعمال، إلا أن كثيرين لا يزالون يفتقرون إلى الوضوح بشأن شكل الوظائف الجديدة والمهارات، التي سيحتاجون إليها خلال السنوات المقبلة.
ثقة تتجاوز العالم
ورغم تصاعد المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فإن نتائج الاستطلاع أظهرت مستويات مرتفعة من الثقة بالمؤسسات في دول الخليج، متفوقة على المعدلات العالمية في معظم المؤشرات الرئيسية.
وأشار التقرير إلى أن %81 من الموظفين يوصون بمؤسساتهم باعتبارها أماكن مميزة للعمل، وهو معدل يزيد بتسع نقاط مئوية على المتوسط العالمي.
كما أعرب %77 عن ثقتهم في التوجه المستقبلي لمؤسساتهم، بفارق 22 نقطة مئوية فوق المعدل العالمي، فيما أكد %78 أنهم يشعرون بالقدرة على التعبير عن أنفسهم بحرية داخل بيئة العمل، بينما يرى %77 أن مؤسساتهم ملتزمة بدعم برامج التوطين وتنمية الكفاءات الوطنية.
وقالت الشريكة المؤسسة في EXE، روث دانس، إن استعداد الموظفين للتوصية بجهات عملهم يعد من أقوى مؤشرات الارتباط الوظيفي، لأنه يعزز السمعة المؤسسية ويساعد على استقطاب أفضل الكفاءات والاحتفاظ بها في سوق يشهد منافسة متزايدة على المواهب.
من جهتها، أكدت الشريكة المؤسسة في EXE، لورنا كينغ، أن وضوح الرؤية المؤسسية ووجود قيادة تتواصل بفاعلية مع الموظفين يمثلان حجر الأساس لبناء الثقة، مشيرة إلى أن الموظف الذي يفهم اتجاه مؤسسته يصبح أفضل سفير لها.
إنذار مبكر
ولم تتوقف نتائج الدراسة عند الذكاء الاصطناعي والثقة المؤسسية، بل كشفت أيضاً عن استمرار الضغوط النفسية داخل بيئة العمل الخليجية.
فقد أفاد %54 من المشاركين بأنهم تعرضوا لضغوط مستمرة خلال الأشهر الأخيرة، في حين أكد %18 فقط أنهم لم يشعروا بأي ضغوط خلال الفترة نفسها.
وأوضح الرئيس العالمي لتجربة الموظفين في «إبسوس»، جيمس تاربيت، أن الضغوط الممتدة تؤدي إلى القلق والإجهاد والاحتراق الوظيفي، وتنعكس بشكل مباشر على جودة اتخاذ القرار، والعمل الجماعي، والإنتاجية، وحتى قدرة المؤسسات على تحقيق أهدافها.
وأضاف أن بقاء الموظف في عمله لا يعني بالضرورة أنه يقدم أفضل أداء، إذ إن الضغوط المستمرة قد تقلل من مستويات المشاركة والابتكار، وتؤثر سلباً في نتائج الأعمال على المدى البعيد.
التحدي الحقيقي.. التحول البشري المصاحب للتقنيات
يخلص التقرير إلى أن التحدي، الذي يواجه مؤسسات الخليج، لم يعد مقتصراً على تسريع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل أصبح يتمثل أيضاً في إدارة التحول البشري المصاحب لهذه التقنيات.
فالمؤسسات مطالبة بتطوير مهارات موظفيها، وإعادة تأهيلهم، وتعزيز التواصل معهم، وتوضيح طبيعة الأدوار المستقبلية، بما يحد من المخاوف المرتبطة بالأمن الوظيفي.
وفي ظل التحولات المتسارعة، يبدو أن نجاح الشركات لن يقاس فقط بسرعة تبني الذكاء الاصطناعي، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين الاستثمار في التكنولوجيا والاستثمار في الإنسان، لأن التقنية قد تصنع ميزة تنافسية، لكن الثقة هي التي تضمن استدامتها.


































