اخبار مصر
موقع كل يوم -الرئيس نيوز
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
تستعيد مقصورة الملك تهارقا ألوانها الأصلية اعتبارا من 13 نوفمبر الجاري، داخل متحف أشمولين بجامعة أكسفورد، من خلال مشروع بحثي يستخدم الإسقاط الرقمي لإعادة بناء مظهرها الملون قبل آلاف السنين. ويعتمد المشروع على تحليل بقايا الأصباغ التي احتفظت بها الشقوق والتفاصيل المنحوتة على الأحجار، للكشف عن ألوان اختفت من المشهد مع مرور الزمن، وفي مقدمتها الأزرق المصري، أقدم صبغة صناعية معروفة في العالم. ويتيح العرض للزوار مشاهدة تصور رقمي للألوان التي زينت المقصورة قبل نحو 2700 عام، وفق ما أوردته ذا آرت نيوزبيبر ومجلة سميثسونيان الأمريكية المتخصصة في شؤون المتاحف.
أثر عمره قرابة 3 آلاف عام
شيدت المقصورة قبل نحو 3 آلاف عام في شمال السودان، وتعد المبنى الوحيد القائم بذاته في بريطانيا الذي يعود إلى عصر الفراعنة. وترتبط بتاريخ الملك تهارقا، الذي حكم بين عامي 690 و654 قبل الميلاد، وأصبح ملكا لكوش في النوبة وفرعونا على مصر. وتصف مجلة سميثسونيان الأثر بأنه مقصورة مصرية قديمة يعود تاريخها إلى 2700 عام.
إذا كشفت الأبحاث؟
احتفظت شقوق المنحوتات الحجرية ببقايا من الطلاء الأحمر، بينما كشفت التحليلات المجهرية وتقنيات التصوير الطيفي فائق الدقة عن آثار أصباغ أخرى لم تعد مرئية بالعين المجردة، من بينها الأصفر والأزرق المصري.
وجمع الباحثون بين التصوير الفوتوغرافي وقياس الطيف لرصد البقايا اللونية وتحديد طبيعتها، كما اكتشفوا آثار حرق على الأحجار تشير إلى تعرض المقصورة للتدمير في مرحلة لاحقة من تاريخها. وكانت الكتل الرملية المنحوتة مغطاة بطبقة من الجص ومطلية بألوان زاهية، قبل أن تفقد معظم ملامحها الأصلية بفعل الزمن والعوامل المختلفة، وفق ذا آرت نيوزبيبر.
الأزرق المصري.. صبغة الآلهة والملوك
احتل الأزرق المصري مكانة خاصة في فنون الحضارة القديمة، واستخدمه المصريون في تصوير الآلهة والملوك. وتعد هذه الصبغة من أقدم المواد الصناعية التي ابتكرها الإنسان، إذ تشير مجلة سميثسونيان في تقرير آخر إلى أن أقدم عينة معروفة منها تظهر على وعاء صغير من المرمر يعود إلى عام 3250 قبل الميلاد.
ويعيد المشروع البحثي تسليط الضوء على هذه المادة التاريخية، من خلال إظهار اللون الأزرق ضمن التصور الرقمي للألوان التي زينت المقصورة، اعتمادا على الأدلة التي احتفظت بها الأحجار.
حكاية تهارقا مع معبد مهجور
تكشف النقوش والكتابات المحفورة على المقصورة جانبا من قصة بنائها، وفقا لما يرويه ليام ماكنمارا، أمين الآثار بالمتحف. فقد مر تهارقا في شبابه، أثناء رحلته شمالا باتجاه طيبة، بأطلال معبد قديم مخصص للإله آمون رع، شيده توت عنخ آمون من الطوب، بعدما غطت الرمال أجزاء منه حتى وصلت إلى سقفه. وتعهد تهارقا بترميم المعبد عندما يتولى الحكم، ثم أقام المقصورة داخل معبد جديد.
وتكشف هذه الرواية عن ارتباط بناء المقصورة بذاكرة الملك ومشروعه الديني، كما توضح النقوش تعدد الصور التي قدمت بها الملكية في عهده.
ملك بوجهين في النقوش
تصور النقوش تهارقا بصور مختلفة تعكس امتداد سلطته بين مصر والنوبة. وتظهره بعض المشاهد في هيئة فرعون مصري يرتدي التاج المزدوج لمصر العليا والسفلى، بينما تقدمه مشاهد أخرى ملكا كوشيا يرتدي تاجا خاصا تعلوه صورتان لثعبان، مع رأس كبش وأقراط تحمل شكل قرص الشمس.
وتضم الزخارف مشاهد تجمع الملك بآلهة منف وهليوبوليس، إلى جانب آمون رع بصورتيه الطيبية والمحلية المعروفة باسم 'جماتن'، وهو ما يجعل المقصورة سجلا فنيا ودينيا يعكس تنوع الرموز التي استخدمتها السلطة الملكية في ذلك العصر، وفق ذا آرت نيوزبيبر.
من الخرطوم إلى أكسفورد
وصلت المقصورة إلى أكسفورد قبل 90 عاما، بعد نقلها في 150 صندوقا، ضمن هدية قدمتها الحكومة السودانية إلى بعثة جامعة أكسفورد للتنقيب في النوبة، التي أجرت أعمال حفر وتنقيب في المنطقة على مدى عدة مواسم. وقدمت نورا غريفيث المقصورة إلى متحف أشمولين عام 1936، تخليدا لذكرى زوجها فرانسيس لولين غريفيث، الذي قاد البعثات ومول معظم أعمالها، وأصبح أول أستاذ لعلم المصريات في جامعة أكسفورد.
ويقول ليام ماكنمارا إن المشروع سيمنح الزوار فرصة لفهم الزخارف الملونة الأصلية للمقصورة بصورة لم تكن متاحة من قبل. ويحظى العمل بدعم جيمس لوبتون، رئيس مجلس زوار المتحف، وزوجته بياتريس، فيما يظل العرض مجانيا لزوار قاعات مصر القديمة والسودان.
تجارب أخرى لإعادة الألوان
سبق لمتحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك استخدام الإسقاط الرقمي لإعادة الألوان إلى معبد دندور، ضمن معرض 'لون المعبد'، مستندا إلى مسوح سابقة للمعبد ولمعابد أخرى، من بينها معابد الكرنك، وفقا لمجلة سميثسونيان.
وفي مصر، تتخذ جهود استعادة الألوان مسارا مختلفا يعتمد على الترميم المباشر للأسطح الأثرية. ففي معبد إدفو، عمل خبراء من وزارة السياحة والآثار وجامعة فورتسبورغ الألمانية على إزالة الغبار وفضلات الطيور والسناج المتراكم، لتظهر درجات من الأحمر والأزرق، إلى جانب بقايا من ورق الذهب على صور بعض الآلهة.
وفي معبد إسنا، بدأ التعاون بين وزارة السياحة والآثار وجامعة توبنغن الألمانية عام 2018، واستخدم المرممون فرش الأسنان والكحول لإزالة طبقات الأوساخ التي غطت النقوش والزخارف.
إعادة بناء الألوان دون المساس بالحجر
تجمع هذه التجارب بين مسارين مختلفين لاستعادة المظهر التاريخي للآثار. يعتمد الأول على إزالة الرواسب والأوساخ من الأسطح الأصلية للكشف عن الألوان التي لا تزال موجودة، بينما يستخدم الثاني التكنولوجيا الرقمية لإعادة تصور الزخارف التي اختفت بمرور الزمن.
وتستند تجربة مقصورة تهارقا إلى بقايا أصباغ حقيقية رصدها الباحثون، لكنها تقدم إعادة بناء علمية للمظهر الأصلي باستخدام الضوء، لا إعادة طلاء للأحجار أو ادعاء بقاء جميع الألوان على حالتها الأولى.


































