اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ١٠ أيلول ٢٠٢٦
تواصل دار الإفتاء المصرية تأصيل منهجها المؤسسي في صناعة الفتوى المعاصرة عبر منظومة تجمع بين التأهيل العلمي والانضباط الأخلاقي والجودة المؤسسية والتواصل الإعلامي الواعي والتوظيف المسؤول للتقنيات الحديثة، وذلك من خلال محاضرات الدورة التدريبية التي شهدت مناقشة عدد من القضايا المتصلة بمنظومة المعاملات المالية، بما يعكس تكامل الأبعاد العلمية والإفتائية والتقنية في بناء خطاب ديني قادر على التعامل مع مستجدات الواقع بكفاءة ودقة ومسؤولية، جاء ذلك في إطار توجيهات فضيلة الأستاذ الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية.
واستهل الدكتور محمد مهنا، أستاذ القانون الدولي بجامعة الأزهر، حديثه حول الميثاق الأخلاقي لمنظومة المعاملات المالية بالتأكيد على أن الفتوى أمانة عظيمة ومسؤولية دينية ومجتمعية، وليست مجرد معلومة فقهية تنقل إلى المستفتي، مستحضرًا شدة احتياط أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتوى، وإحالة أحدهم المسألة إلى غيره من أهل العلم إدراكًا لخطورة القول في دين الله تعالى، مع بيان أن دار الإفتاء المصرية أَوْلت الجانب الأخلاقي عناية خاصة من خلال ميثاق يحكم ممارسة العمل الإفتائي، انطلاقًا من اتصال الفتوى بدين الناس ودنياهم وامتداد آثارها إلى الفرد والأسرة والمجتمع ومؤسسات الدولة.
وفي سياق بناء الشخصية الإفتائية المتكاملة، أبرز أستاذ القانون الدولي بجامعة الأزهر التكامل بين مقامَي الفتوى والتقوى، مبينًا أن الفقيه ينظر إلى الحكم الذي يرفع الحرج عن المكلف ويبين ما تبرأ به ذمته، بينما يتجه السالك إلى ما يحقق مزيدًا من الكمال والارتقاء في مقام الإحسان، مع ضرورة أن يكون قول المفتي موافقًا لعمله وأن يتحلى بضبط النفس وتزكية الروح وحسن الخلق، مستشهدًا بقول الله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2]، كما بيَّن أن الخطاب الإفتائي الرشيد يراعي اختلاف مقامات الإيمان والإحسان وأحوال المستفتين، وأن اختلاف المذاهب الفقهية المعتبرة يمثل تنوعًا في طرائق الاجتهاد والاستنباط لا اختلافًا في أصول الشريعة، مشددًا على أن التأهيل الإفتائي لا يكتمل بتحصيل العلوم وحده، وإنما يحتاج إلى بناء علمي وأخلاقي يقوم على أربعة عناصر هي: النص بما يتطلبه من أدوات شرعية ولغوية وأصولية، والواقع بما يفرضه من فهم للمستجدات والتحولات، والغير بما يشمله من معرفة الأعراف والعادات وخصوصيات المجتمعات، والنفس بما تستلزمه من تزكية ومراقبة وتجرد من الأهواء، إلى جانب الإخلاص باعتباره أساسًا لنزاهة الفتوى وسلامة مقاصدها.
وانتقل الدكتور إبراهيم نجم، الأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم، إلى بيان ملامح التناول الإعلامي لفتاوى المعاملات المالية، مركزًا على أن سلامة الفتوى في القضايا المالية المستحدثة تبدأ من التصوير الدقيق للواقعة، ثم التكييف الفقهي والاستدلال والترجيح وصولًا إلى الحكم الشرعي، وهي مراحل قد يغفلها التناول الإعلامي السريع عندما ينتقل مباشرة إلى الخلاصة دون استيعاب البنية التعاقدية للمعاملة، مع التأكيد على أن اختلاف الحكم بشأن المنتج المالي الواحد باختلاف صوره التعاقدية، كما يظهر في بعض صور الفوركس والعملات الرقمية عبر السنوات، لا يمثل تناقضًا في المنهج، وإنما يعكس دقة فقهية تستوجب تحديد الصورة التعاقدية قبل نسبة أي حكم إلى دار الإفتاء المصرية.
وعلى مستوى التعامل مع المستجدات الرقمية، ركز الأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم على أن الفتاوى المتعلقة بالعملات المشفرة والمحافظ الإلكترونية والمعاملات الرقمية تستند إلى اعتبارات شرعية واقتصادية متكاملة تشمل حفظ المال وحماية المستهلك والسيادة النقدية للدولة، بما يستوجب نقلها إلى الجمهور في سياقها الكامل، مع ضرورة التمييز بين الفتوى الفردية المرتبطة بسؤال محدد والفتوى المؤسسية المعتمدة والبيان التوضيحي العام، داعيًا وسائل الإعلام والمنصات المتخصصة إلى التحقق من السياق الكامل للفتاوى المالية المعاصرة والتمييز بين المصطلحات المالية المستوردة وصورها الفقهية المتعددة، بما يحفظ الدقة العلمية ويجنب الجمهور الالتباس أو التوجيه المضلل، بالتوازي مع مواصلة دار الإفتاء تحديث منهجية الفتوى الرقمية والتواصل الإعلامي المصاحب لها بما يحقق التوازن بين الثبات الشرعي والمرونة في التطبيق.
وفي محور الجودة والاعتماد في إصدار الفتوى، عرض الدكتور محمود شلبي، مدير عام الإدارة العامة للمراجعة الشرعية، رؤية متكاملة لمفهوم الجودة باعتباره جزءًا أصيلًا من صناعة الفتوى وليس مجرد إجراء إداري أو شكلي، مشددًا على أن الفتوى مسؤولية شرعية ومجتمعية تتطلب منظومة مؤسسية تضبط مراحل إعدادها ومراجعتها واعتمادها، بدءًا من البحث والتحرير والتكييف وانتهاءً بالصيغة النهائية، مع عناية خاصة بسلامة التحرير اللغوي وعلامات الترقيم، وتحليل النصوص الفقهية في سياقها العلمي، وتوحيد ألقاب العلماء وضبط الإشارة إليهم، والرجوع إلى المصادر الأصلية متى كان ذلك متاحًا، والتحلي بالأمانة في نقل نصوص الأئمة وعدم تغيير دلالاتها أو إخراجها عن سياقاتها.
وفي الإطار ذاته، أبرز مدير عام الإدارة العامة للمراجعة الشرعية مجموعة من المعايير التي تشكل أساس الجودة والاعتماد، وفي مقدمتها التخصص والتأهيل العلمي، وتحرير محل السؤال واستكمال المعلومات اللازمة للتصور الصحيح، والتكييف الفقهي الدقيق ورد النازلة إلى أصولها ودراسة أقوال الفقهاء وأدلتهم، ومراعاة المقاصد والمآلات وآثار الفتوى ونتائج تطبيقها، إلى جانب إخضاعها لمستويات متعددة من المراجعة العلمية والشرعية واللغوية، بما يسهم في حماية المستفتين من الفتاوى المتسرعة أو الشاذة، ورفع مستوى الاتساق في الخطاب الإفتائي، وتعزيز ثقة المجتمع في المؤسسة، وبناء رصيد معرفي مؤسسي يمكن الرجوع إليه وخدمة الباحثين والدارسين من خلال توثيق الفتاوى وأرشفتها، لافتًا إلى أن الجودة لا تعني مجرد خلو الفتوى من الخطأ، وإنما سلامة العملية الإفتائية بكامل مراحلها، وأن تجربة دار الإفتاء في هذا المجال تقدم نموذجًا يجمع بين الأصالة العلمية والانضباط المؤسسي والاستجابة لمتغيرات الواقع.
وفي الجانب التقني، استعرض المهندس أحمد زكي، مهندس البرمجيات وأنظمة المعلومات بدار الإفتاء المصرية، تجربة الدار في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، موضحًا أن الرقمنة لم تعد خيارًا وإنما ضرورة تفرضها طبيعة العصر وحجم التدفق المتزايد للأسئلة والاستفسارات، وأن توظيف التقنيات الحديثة يستهدف تطوير الأداء المؤسسي ورفع كفاءة الخدمات المقدمة للمستفيدين، دون أن يعني ذلك الاستغناء عن المفتي أو إحلال التقنية محل العنصر البشري، وإنما تمكينه من أدوات تساعده على الوصول إلى المعلومات واسترجاعها بصورة أسرع وأكثر تنظيمًا، في ظل بقاء الفهم والتحليل والترجيح والتكييف وتنزيل الأحكام على الوقائع من المهارات التي لا تستغني عنها صناعة الفتوى.
واختتم مهندس البرمجيات وأنظمة المعلومات بدار الإفتاء المصرية حديثه بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يوفر إمكانات مهمة في سرعة الوصول إلى المعلومات واسترجاعها بصورة منظمة ومعالجة كميات كبيرة من البيانات، غير أن الاستفادة من هذه القدرات تستلزم وعيًا بحدود التقنية وما قد يصاحبها من معلومات غير دقيقة أو نتائج متحيزة أو مصادر غير موثقة وتحديات تتعلق بالخصوصية وحماية البيانات، الأمر الذي يجعل التحقق من المعلومات ومراجعة مصادرها شرطًا أساسيًّا قبل اعتمادها، مشيرًا إلى أن سرعة الوصول إلى المعرفة لا تلغي الحاجة إلى الإنسان وإنما تعزز أهمية دوره في المجالات التي تتطلب الفهم والحكم، وأن استمرار دار الإفتاء في تطوير أدواتها الرقمية يأتي ضمن منظومة تجعل التقنية وسيلة لتمكين المفتي وتطوير الأداء وخدمة المستفتين بكفاءة وسرعة، مع الحفاظ على الضوابط العلمية والشرعية التي تمثل أساس العمل الإفتائي.


































