اخبار مصر
موقع كل يوم -الرئيس نيوز
نشر بتاريخ: ٢٤ أيلول ٢٠٢٦
يضع الناقد السينمائي الأمريكي ريتشارد برودي، في مقال نشرته مجلة 'ذا نيويوركر'، فيلم 'نازا' الوثائقي في مواجهة مباشرة مع الحرب في غزة، إذ يكشف الفيلم، من خلال مصادر عسكرية واستخباراتية إسرائيلية، عن أنظمة وسياسات وممارسات يقول إنها أسهمت في ارتفاع أعداد القتلى المدنيين واتساع نطاق الدمار.
وفي نوفمبر 2023 وأبريل 2024، نشر الصحفي الإسرائيلي يوفال أبراهام تحقيقين حول ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين في الهجمات التي شنتها إسرائيل على غزة ردا على هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023. وأفاد أبراهام، في التحقيقين المنشورين بالإنجليزية في مجلة '972+' وبالعبرية في 'لوكال كول'، بأن هذه الوفيات ارتبطت بسياسات محددة للجيش الإسرائيلي، بينها توسيع تعريف الأهداف البشرية المشروعة، واستخدام الذكاء الاصطناعي في اختيار الأهداف، وتدمير مبان غير عسكرية، وقبول مستوى مرتفع من الخسائر الجانبية.
من التحقيقات إلى الفيلم
حول أبراهام هذا البحث إلى فيلم بعنوان 'نازا'، أخرجه بالمشاركة مع راشيل زور. ويشير الاسم إلى اختصار عبري لعبارة تعني 'الضرر الجانبي'، وهو تعبير يستخدم في الأوساط العسكرية الإسرائيلية.
عرض الفيلم للمرة الأولى في 10 سبتمبر خلال مهرجان فينيسيا السينمائي، حيث حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة. ثم عرض في مهرجان نيويورك السينمائي، على أن يبدأ عرضه العام في الولايات المتحدة في نهاية سبتمبر، قبل الانتقال إلى نطاق أوسع من دور العرض.
لكن الفيلم واجه منذ ظهوره ردود فعل غاضبة في إسرائيل. ووفقا لمجلة 'ذا نيويوركر'، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى سن تشريع يسمح بسحب الجنسية من كل من يشوه سمعة جنود الجيش الإسرائيلي، بينما دعا وزير الثقافة والرياضة ميكي زوهار إلى التحقيق فيما إذا كان أبراهام وزور قد حصلا على معلومات من حماس، بما قد يشكل خيانة. كما أمر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير المدعي العام العسكري بالنظر في إمكانية ملاحقة صناع الفيلم والمشاركين فيه.
24 مصدرا عسكريا واستخباراتيا
يعتمد 'نازا' على مقابلات مع 24 شخصا خدموا أو ما زالوا يخدمون في الجيش أو أجهزة الاستخبارات خلال حرب غزة. ويظهر هؤلاء في مقابلات ليلية فوق أسطح مبان في تل أبيب، بينما جرى تغيير أصواتهم وملامحهم رقميا لإخفاء هوياتهم. وتتناول الشهادات طريقة استخدام نظام 'نازا'، الذي يحدد، وفقا للفيلم، عددا من الوفيات المدنية التي يمكن قبولها باعتبارها أضرارا جانبية عند استهداف شخص معين.
كما تتحدث المصادر عن نظام ذكاء اصطناعي يسمى 'لافندر'، يستخدم كميات ضخمة من البيانات للمساعدة في تحديد الأهداف. ويشير الفيلم إلى أن مراقبة الاتصالات في غزة تتيح جمع معلومات واسعة عن الأشخاص المستهدفين، بما في ذلك أنماط الاتصالات الهاتفية ومواقعهم.
وتصف إحدى الشهادات آلية عرفت باسم 'أين أبي؟'، تقوم على محاولة تحديد وجود الهدف داخل منزله، بما في ذلك من خلال مراقبة هواتف أفراد عائلته. ويقول الفيلم إن هذه الآليات أدت في بعض الحالات إلى ضرب منازل في الوقت الذي كان فيه الهدف خارجها.
بين النظام العسكري والمسؤولية الشخصية
يركز 'نازا' على الأشخاص الذين يكشفون هذه الأنظمة بقدر تركيزه على المعلومات نفسها. فالمصادر لا تتحدث فقط عن التقنيات المستخدمة في تحديد الأهداف، بل عن تجربتها الشخصية في تنفيذ الإجراءات والعمليات التي قد تؤدي إلى مقتل مدنيين، بينهم أطفال.
وتعرض الشهادات حالات يتحدث فيها المشاركون عن سماع اللحظات الأخيرة في حياة أشخاص تعرضوا للقصف، وعن أصوات أفراد عائلات يصرخون ويبكون بعد مقتل أطفالهم.
ويرى الفيلم أن هذه الشهادات تكشف كيف يمكن لتحول العمليات العسكرية إلى إجراءات منظمة وبيروقراطية أن يجعل أفعالا استثنائية تبدو عادية بالنسبة إلى الأشخاص المشاركين فيها.
تل أبيب في مواجهة غزة
لا يستخدم الفيلم تل أبيب مجرد خلفية للتصوير، بل يجعل المدينة جزءا أساسيا من قصته. وتظهر المدينة ليلا من فوق أسطح المباني، بأبراجها وشوارعها المضيئة وحركة السيارات والمباني الحديثة.
وفي الوقت نفسه، تعرض شاشات التلفزيون داخل منازل السكان خطابات وتصريحات لمسؤولين إسرائيليين يدافعون عن الحرب. ويقدم الفيلم هذا التباين بين الحياة اليومية في تل أبيب والدمار في غزة باعتباره جزءا من فكرته الأساسية حول ما يقال وما لا يقال في المجتمع والإعلام.
ويستعيد الفيلم أيضا بعض الصور التاريخية لمدينة تل أبيب، قبل أن ينتقل إلى صورتها المعاصرة خلال الحرب، في محاولة لربط الحاضر بتاريخ المدينة والمجتمع الإسرائيلي.
شهادة تتحول إلى مواجهة
ويشير الناقد الأمريكي إلى أن فيلم 'نازا' يستلهم، من الناحية السينمائية، فيلم 'شوا' للمخرج كلود لانزمان، الذي اعتمد على شهادات الناجين والمؤرخين وحتى المشاركين في الجرائم النازية لتوثيق المحرقة.
لكن 'نازا' يتناول أحداثا مستمرة، ويصور مصادره وهي تتحدث عن أنظمة وعمليات ما زالت آثارها حاضرة. وفي نهايته، يعرض الفيلم لقطات من غزة يظهر فيها أب يبحث بين أنقاض مبنى مدمر عن أطفاله.
وبذلك ينتقل الفيلم من المعلومات المتعلقة بالاستهداف والذكاء الاصطناعي والعمليات العسكرية إلى سؤال أوسع حول المسؤولية الشخصية للأشخاص الذين شاركوا في هذه الأنظمة، وما إذا كانت الإجراءات العسكرية التي تبدو تقنية وبيروقراطية يمكن أن تخفي وراءها نتائج إنسانية هائلة.
ويرى أبراهام وزور أن الشهادات التي جمعاها تكشف تحولا لدى بعض المشاركين، من مشاعر الفخر والواجب والانتقام التي رافقت بداية الحرب إلى مشاعر الرعب والندم والذنب، في مواجهة النتائج التي خلفتها العمليات العسكرية في غزة.


































