اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٣ أيلول ٢٠٢٦
لم يكن السائق قبل سنوات طويلة يحتاج إلى أكثر من طريق مفتوح، ومحرك ميكانيكي بسيط يعمل بسلاسة، ووجهة واضحة يقصدها، ليشعر بمتعة القيادة الحقيقية. كانت السيارة تمنح صاحبها إحساساً بالحرية والانطلاق، وكانت الرحلة جزءاً من المتعة نفسها، وليست مجرد وسيلة للوصول. أما اليوم، فرغم أن السيارات أصبحت أكثر تطوراً وفخامة وأماناً وراحة من أي وقت مضى، فإن كثيراً من السائقين يرددون العبارة ذاتها: لم تعد القيادة كما كانت؟ والمفارقة أن السبب لا يكمن في السيارة نفسها، بل في كل ما يحيط بها.
فالتكنولوجيا حققت قفزات هائلة؛ أنظمة سلامة متقدمة، ومقصورات أكثر هدوءاً، ومحركات أكثر كفاءة، وتجهيزات ذكية تجعل القيادة أسهل من أي وقت مضى. لكن البيئة خارج السيارة تغيرت بوتيرة أسرع، حتى أصبحت القيادة اليومية بالنسبة لكثيرين تجربة مرهقة أكثر منها ممتعة.
ويأتي الازدحام المروري في مقدمة هذه التحديات، بعدما تحول إلى جزء ثابت من تفاصيل الحياة اليومية في الكويت، فلم تعد الرحلات تُقاس بالمسافات، بل بالوقت المهدر في طوابير المركبات، ولم تعد الطرق التي كانت تمنح السائق شعوراً بالانطلاق سوى مساحات طويلة من التوقف والانتظار، وهكذا تحولت القيادة من تجربة تمنح الراحة إلى اختبار يومي للصبر، يستنزف الوقت والطاقة قبل الوصول إلى الوجهة.
لكن الزحام ليس وحده من سلب القيادة متعتها، فالعامل البشري أصبح هو الآخر جزءاً من المشكلة. فالسلوكيات العشوائية لبعض السائقين، مثل تغيير المسارات بشكل مفاجئ، وعدم الالتزام بالحارات، والقيادة بسرعات غير مناسبة، والاقتراب الخطر من المركبات الأخرى، خلقت حالة من التوتر المستمر لدى السائق الملتزم، الذي أصبح يقود وهو يتوقع الخطأ في أي لحظة، ولم يعد الانزعاج ناتجاً من الطريق وحده، بل من غياب الالتزام لدى فئة ما زالت تتعامل مع القيادة باعتبارها استعراضاً لا مسؤولية.
ولهذا أصبحت القوانين المرورية الصارمة والرقابة الذكية ضرورة لا خياراً. فالمشكلة لم تكن يوماً في كثرة الأنظمة، بل في استهتار البعض بحق الآخرين في الأمان. وعندما يتحول هذا الاستهتار إلى تهديد مباشر للأرواح، يصبح تطبيق القانون بحزم حماية للمجتمع قبل أن يكون عقوبة للمخالف. وقد أسهمت التشريعات الجديدة وأنظمة الرصد الحديثة في إعادة قدر كبير من الانضباط إلى الطريق، والحد من كثير من السلوكيات، التي كانت تشكل خطراً يومياً على الجميع.
وفي الوقت نفسه، أصبحت السيارات نفسها أكثر تدخلاً في عملية القيادة. فهي تراقب الطريق، وتنبه السائق، وتحافظ على المسار، وتتدخل عند الضرورة لتفادي الاصطدام. ولا شك أن هذه التقنيات أنقذت آلاف الأرواح، لكنها غيّرت أيضاً العلاقة التقليدية بين الإنسان والسيارة، فأصبح السائق يشارك الآلة اتخاذ القرار أكثر مما يقوده وحده.
ورغم كل ذلك، فإن متعة القيادة لم تختفِ، بل تغيّر معناها، لم تعد ترتبط بالسرعة أو بقوة المحرك، بل أصبحت تعني الهدوء، والراحة، والثقة، والشعور بالأمان. فالسيارة الأفضل اليوم ليست الأسرع، بل التي تجعل رحلتك أقل توتراً وأكثر راحة.
وربما لم تعد متعة القيادة اليوم تعني أن تصل أسرع، بل أن تقود في طريق يحترم فيه الجميع النظام، وتصل إلى وجهتك مطمئناً. فالمشكلة لم تعد في السيارات، بل في البيئة التي تتحرك فيها؛ بين زحام لا ينتهي، وضغوط متزايدة، وسلوكيات فردية ما زالت تحتاج إلى وعي بقدر حاجتها إلى قانون، فكلما ارتقى سلوك السائق، عادت القيادة أقرب إلى معناها الحقيقي.. تجربة تمنح الحرية، لا التوتر.
ومع تغيّر تجربة القيادة، تغيّر معها سلوك السائق نفسه، حتى أصبح قرار شراء السيارة محكوماً بعوامل تتجاوز الطريق والمواصفات.. ولعل سبتمبر يكشف أولها.مشعل يوسف الصفران


































