اخبار مصر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
القانون يمنعهم من الالتحاق بنقابة الصحافيين ويعدُّهم 'منتحلي صفة' وتضارب القوانين ينتج 'بيزنس' القيد في الصحف المطبوعة
من بين المفارقات التي تحكم سوق الصحافة في مصر عدم الاعتراف بآلاف ممن يعملون في الصحافة على رغم قانونية أوضاع أماكن عملهم، إذ لا يزال القانون يمنع من لا يعمل في صحيفة مطبوعة من الالتحاق بنقابة الصحافيين، بالتالي فإن العاملين في 281 موقعاً صحافياً إلكترونياً مرخصاً من الدولة لا يحظون بأي حماية نقابية، بل قد توجه لهم تهمة انتحال صفة صحافي.
ويتصاعد جدال عضوية صحافيين المواقع الإلكترونية في نقابة الصحافيين بين الحين والآخر، وعاد للواجهة أخيراً بعد طرح وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان فكرة إنشاء كيان يجمع المواقع الإخبارية المرخصة لتنظيم عملها، وهو ما أثار شكوكاً في شأن اعتزام إنشاء كيان مُوازٍ لنقابة الصحافيين يجمع الصحافيين الإلكترونيين، وهو ما تم نفيه لاحقاً من جانب الوزير، وكذلك من الكاتب الصحافي الشهير ورئيس تحرير موقع 'يوليو' خالد صلاح الذي كان أكثر المتحمسين لطرح رشوان.
طرح وزير الدولة للإعلام جاء خلال لقاء مع رؤساء تحرير مواقع إخبارية ضمن لقاءات تعقدها الوزارة تحضيراً لمؤتمر كلف الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بعقده لمناقشة مستقبل قطاع الإعلام والصحافة، وهو ما أعطى زخماً إضافياً للنقاشات في شأن مصير صحافيي المواقع الإخبارية، والتي احتدمت في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
ودعا نقيب الصحافيين المصريين خالد البلشي إلى نقاش داخل النقابة في شأن 'ملف صحافيي المواقع الإلكترونية وشمول الحماية النقابية لجميع ممارسي المهنة'، مؤكداً في تصريحات تلفزيونية أن 'صحافيي المواقع الإلكترونية صحافيون، ولديهم الحق في الحماية النقابية'.
وأشار النقيب إلى مطالبته في وقت سابق بتعديل 3 أو 4 مواد من قانون النقابة، واقتراح صيغة للتعديل ثم إرسالها إلى البرلمان لمناقشتها، لكن أعضاء في البرلمان من الصحافيين حذروه من إدخال القانون إلى البرلمان قائلين 'لن تضمن كيف سيخرج'، في إشارة إلى إمكان تعديل نصوص تمس بصلاحيات النقابة وحرية العمل الصحافي.
وينص قانون نقابة الصحافيين الصادر عام 1970 على أن 'يعتبر صحافياً محترفاً من باشر بصفة أساسية ومنتظمة مهنة الصحافة في صحيفة يومية أو دورية تطبع في مصر، أو باشر بهذه الصفة المهنة في وكالة أنباء مصرية أو أجنبية تعمل في مصر'، فيما يقر القانون في مادة أخرى أنه 'لا يجوز لأي فرد أن يعمل في الصحافة ما لم يكن اسمه مقيداً في جدول النقابة'، وهو ما يجعل كل من لا يعمل في صحيفة مطبوعة ليس صحافياً أمام القانون.
ويتناقض ذلك مع قانون تنظيم الصحافة والإعلام الصادر عام 2018 الذي اعتبر المواقع الإلكترونية الصحافية كياناً معترفاً به، واشترط أن يكون رئيس تحرير الموقع ومحرروه المسؤولون مقيدين في جدول نقابة الصحافيين، وهو ما عزز مطالب الصحافيين في المواقع الإلكترونية بحقهم في الالتحاق بالنقابة.
ومنذ إصدار القانون، حصل 281 موقعاً إلكترونياً على الترخيص بالعمل كموقع إخباري، في مقابل تراجع الصحف المطبوعة، السبيل الوحيد للالتحاق بالنقابة، حيث تناقص عددها من 142 صحيفة عام 2010 إلى 61 صحيفة عام 2021، وفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وقال رئيس تحرير موقع 'الموقع' الإخباري محسن سميكة إن من حق جميع العاملين في المواقع الصحافية الحصول على مظلة حماية تتمثل في نقابة الصحافيين، باعتبارها 'بيتاً لكل الصحافيين'، مؤكداً أنه ليس هناك مظلة أخرى للصحافي سوى النقابة.
وأضاف سميكة لـ'اندبندنت عربية' أن عدم ضم صحافيي المواقع الإلكترونية إلى نقابة الصحافيين يمثل أزمة تستحق التحرك، مشيراً إلى وجود 281 موقعاً مرخصاً في مصر، وهو رقم كبير مقارنة بأعداد الصحف الورقية، سواء القومية أو الخاصة أو الحزبية. وأكد ضرورة العمل على إيجاد حل للأزمة، في ظل التوسع الكبير الذي شهدته المواقع الإلكترونية في مصر، قائلاً 'لا نسمع عن إصدار رخصة لصحيفة جديدة منذ سنوات'.
وأوضح أن الصحافي من غير أعضاء النقابة عندما يتعرض لمشكلة ويحال إلى جهات التحقيق، قد يواجه اتهاماً بانتحال الصفة، 'لذلك أؤيد توفير تلك المظلة للصحافيين تحت أي مسمى، سواء جدول تحت التمرين أو جدول منتسبين'.
واعتبر أن التحرك الحالي يختلف عن السابق، وأن جزءاً منه جاء على خلفية ما حدث خلال مؤتمر وزير الدولة الإعلام مع رؤساء تحرير المواقع. ولفت إلى أن المطالب الأساسية تتركز في توفير مظلة حماية لصحافيي المواقع الإلكترونية، مع وضع معايير منضبطة لتنظيم أوضاعهم.
ويرى رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام السابق كرم جبر أن الصحافيين العاملين بالمواقع الإلكترونية لهم الحق في التنظيم النقابي والحصول على مظلة قانونية توفر لهم الحماية والخدمات. واقترح في تصريحات تلفزيونية أن يبدأ التنظيم النقابي بتأسيس شعبة لمحرري المواقع، يخضع تنظيمها للشروط والضوابط ذاتها المطبقة على المؤسسات الصحافية.
واعتبر أن 'التفرقة بين الصحافيين الورقيين وزملائهم العاملين في الصحافة الإلكترونية تبدو مضحكة وباطلة... مضحكة لأننا جميعاً صحافيون إلكترونيون في جانب كبير من عملنا، ونستخدم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وباطلة لأن المساواة العادلة تقتضي عدم التفرقة بين أبناء المهنة الواحدة'.
وأشار إلى أن قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 اعترف صراحة بالمواقع الإلكترونية الصحافية، ونص على أن يكون للموقع الإلكتروني رئيس تحرير ومحررون مسؤولون، واشترط أن يكون رئيس التحرير والمحررون المسؤولون مقيدين بجدول المشتغلين بنقابة الصحافيين.
وأكد أن ذلك لا يعني أن أي شخص يكتب في موقع إلكتروني، يصبح مؤهلاً تلقائياً للانضمام إلى النقابة، والشروط والأوراق المطلوبة، وطبيعة الموقع وترخيصه، وإثبات ممارسة المهنة، تخضع للائحة القيد وقرارات مجلس النقابة، حسب تعبيره.
وأمام تناقض القوانين وحاجة الصحافيين إلى مظلة حماية قانونية لعملهم، لجأ عديد من الصحافيين بالمواقع إلى العمل، دون أجر أحياناً، في صحف مطبوعة، يستغل بعضها حاجة هؤلاء ويتقاضون مبالغ مالية مقابل قيد هؤلاء الصحافيين الذين يسعون إلى عضوية النقابة.
لأكثر من 10 سنوات، ترقب الصحافي 'محمد. س' وعود مجالس نقابة الصحافيين المتعاقبة بتعديل قانون النقابة ليسمح بضم صحافيي المواقع الإلكترونية إلى المظلة النقابية، لكنها جميعاً تحولت إلى سراب.
منذ عام 2013، تنقل بين عدد من المواقع الإلكترونية، باحثاً عن فرصة في صحيفة ورقية تمنحه صك الانضمام إلى نقابة الصحافيين. وفي أواخر 2022، تعرف الصحافي الشاب على صحيفة مغمورة 'مُكوَّدة من نقابة الصحافيين'، فقرر الانضمام إليها، ليصطدم بطلب مسؤوليها عشرات الآلاف من الجنيهات مقابل التحاقه بها مع انتظار دوره للتقدم إلى لجنة قيد تحت التمرين بالنقابة.
وذكر الصحافي الذي رفض ذكر اسمه بالكامل، أنه دفع أكثر من 70 ألف جنيه، ليبدأ عمله رسمياً في قسم المتابعات والتحقيقات 3 أيام أسبوعياً دون تقاضي أجر إطلاقاً. وعلى رغم مرور ثلاث سنوات، لا يزال ينتظر دوره للالتحاق بنقابة الصحافيين.
لكن الانتظار يظل مُجدياً، وفق رأيه، إذ تمنحه نقابة الصحافيين مظلة حماية خلال عمله وتواصله مع المصادر المختلفة، فضلاً عن تمتعه بتأمين طبي له ولأسرته، ويعد 'البدل الصحافي' سبباً لا يمكن تجاهله، في ظل تقلب سوق الصحافة في مصر وضعف المرتبات والمعاشات.
والبدل الصحافي أو بدل التدريب والتكنولوجيا هو دعم مالي من الدولة لأعضاء النقابة لتشجيع التطوير المهني للصحافيين، ويصرف منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، لكن مع تدهور الأوضاع الاقتصادية لكثير من الصحافيين أصبح 'البدل' يعد داعماً أساساً لهم.
وأكد رئيس تحرير موقع 'الموقع' أن 'القضية ليست البدل الصحافي، وإنما توفير الحماية وتجنب أي ملاحقة قضائية تتعلق بانتحال صفة صحافي'، بعيداً من تأسيس أي كيانات أخرى خارج المظلة النقابية.
ويُبدي رئيس تحرير صحيفة 'الأهرام' السابق أسامة سرايا مخاوف من 'إغراق' النقابة بعدد كبير من الصحافيين من 'مواقع وهمية' لا تمتلك القدرة على الاستمرار أو الجدية في كونها مؤسسة إعلامية، حيث طالب في تصريحات تلفزيونية بوضع قواعد تحدد المؤسسات الصحافية المؤهلة لإلحاق صحافييها بالنقابة، وذلك قبل السماح بانضمام الصحافيين الإلكترونيين.
وعلى عكس الصحافي السابق الذي يظل بانتظار عضوية النقابة، لا ترى الصحافية 'سارة أبوشادي' أملاً في المحاولات المتكررة لمنح الصحافيين الإلكترونيين ما ترى أنه حقهم في مظلة الحماية النقابية، حيث تؤكد أنها تسعى حالياً إلى العمل خارج مصر للحصول على تقدير مناسب.
وحصلت سارة أبوشادي على جوائز دولية مرموقة عدة في الصحافة، وتعد من أبرز الصحافيين في مجال التحقيقات خلال السنوات الأخيرة، وكان من بين أبرز الجوائز التي حصدتها 'الضوء الساطع العالمية' العام الماضي.
وترى سارة أبوشادي أن أزمة قيد الصحافيين الإلكترونيين بنقابة الصحافيين لا تكمن في الصحافيين الإلكترونيين ولا في النقيب بشخصه، وإنما في جانب كبير من الجمعية العمومية للنقابة التي ترفض التغيير. وأوضحت أن كثيراً من الزملاء يرون أن وجود صحافيي المواقع الإلكترونية يهدد مكانهم داخل النقابة، وهو ما قالت إنها لا تفهم دوافعه.
وقالت سارة لـ'اندبندنت عربية' إنها عملت قرابة خمس سنوات في مؤسسة صحافية ورقية من دون مقابل مادي ودون أي حقوق، أملاً في الحصول على عضوية النقابة، لكنها لم تحتمل الاستمرار بعدما صار حقها يضيع يوماً بعد يوم، فقررت ترك المؤسسة، وأشارت إلى أن طبيعة العمل التي تسعى إليها لم تجدها في المؤسسات الورقية، فاتجهت إلى المواقع الإلكترونية على أمل أن يتغير الوضع يوماً ما وتصبح عضواً بالنقابة.
وأوضحت أنها خريجة كلية الإعلام وتعمل في المهنة منذ نحو ثماني سنوات، وأن عملها حظي باعتراف دولي وليس محلياً فحسب، ومع ذلك، قالت إنها قد تصنف عند أي خلاف مع أحد المسؤولين 'منتحلة صفة'، لأن القانون المعمول به لا يعترف بها صحافية، وهو وضع يشترك فيه معظم العاملين في الصحافة الإلكترونية، الذين يمكن أن يتعرضوا لمشكلة في أي لحظة بسبب عملهم.
وأشارت إلى أنها فقدت الأمل في دخول النقابة، لأن الجدال سيستمر 'سنين وسنين'، فالنقيب وأعضاء المجلس لن يستطيعوا تغيير القانون، والجمعية العمومية سترفض التغيير، لذلك تبحث عن فرصة للسفر لتحصل في الأقل على الاعتراف بكونها صحافية، وهو ما لا تقدر عليه النقابة ولا الدولة في ظل غياب قانون يتيحه.


































