اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة الأنباء
نشر بتاريخ: ٢٨ أذار ٢٠٢٦
أحمد مغربي
خلال 30 يوما من التوترات الإقليمية المتصاعدة نتيجة الحرب الأميركية -الإسرائيلية- الإيرانية، لم يكن السؤال المطروح في الكويت: هل سيتأثر الاقتصاد؟ بل كان: كيف سيستمر؟
الإجابة لم تأت من التصريحات أو التقديرات، بل من الواقع العملي على الأرض، سوق مالي واصل التداول بشكل يومي، محققا مكاسب سوقية رغم التذبذب في بعض الجلسات، وإدراجات جديدة تمت في توقيت استثنائي، وقطاع مصرفي حافظ على تقديم خدماته دون انقطاع، إلى جانب شركات وبنوك عقدت جمعياتها العمومية في مواعيدها المحددة، وباشرت توزيع الأرباح النقدية والمنحة وفق جداول الاستحقاق، فيما استمرت السيولة في الحركة داخل الاقتصاد دون أن تتجمد أو تتجه إلى الخروج، في وقت بقيت فيه الأسواق المحلية نشطة تعكس استمرار الطلب والاستهلاك.
ما يميز هذه المرحلة أن الاقتصاد الكويتي لم يدخل في نمط دفاعي، ولم يتجه إلى الانكماش أو الترقب الحاد، بل واصل العمل بإيقاع شبه طبيعي رغم الضغوط الخارجية. وهذا الأداء لا يرتبط بعامل منفرد، بل يعكس تكاملا في عمل المنظومة الاقتصادية بمختلف مكوناتها، وقدرتها على الاستمرار تحت الضغط دون تعطل.
وخلال هذا الشهر، لم تختف المخاطر، لكنها بقيت ضمن نطاق السيطرة، ولم تتوقف الأنشطة، بل أعادت ترتيب نفسها تدريجيا، في مشهد يؤكد أن الاقتصاد الكويتي يعيد تشغيل نفسه بكفاءة وفق معطيات المرحلة.. وفيما يلي التفاصيل:
أولا: سيولة بورصة تقترب من المليار دينار
على خلاف ما تشهده عادة الأسواق في أوقات الأزمات من انحسار السيولة، حافظت بورصة الكويت على تدفقات نقدية نشطة منذ بداية الحرب في 28 فبراير الماضي، حيث بلغ إجمالي السيولة المتداولة نحو 966.22 مليون دينار عبر تداول 2.93 مليار سهم، في مؤشر واضح على استمرار النشاط الاستثماري وعدم خروج الأموال من السوق بشكل جماعي.
وتعكس قراءة توزيع السيولة على مدار الأسابيع الأربعة الأولى من الأزمة نمطا متدرجا يتسم بالهدوء النسبي، بعيدا عن التقلبات الحادة، حيث سجلت التداولات خلال أول أربع جلسات حتى 5 مارس الجاري نحو 290 مليون دينار من خلال تداول 823 مليون سهم، وهو مستوى يعكس استجابة سريعة من السوق دون حالة ارتباك.
ومع دخول الأسبوع الثاني، بلغت السيولة نحو 267 مليون دينار عبر تداول 846 مليون سهم، قبل أن تتراجع إلى 221.99 مليون دينار خلال الأسبوع الثالث من خلال تداول 676 مليون سهم، ثم إلى 187.23 مليون دينار في الأسبوع الرابع عبر تداول 588 مليون سهم.
ويشير هذا المسار إلى أن بورصة الكويت لم تتحول إلى سوق دفاعي، بل حافظت على حد أدنى قوي من التداولات، مدعومة باستمرار ثقة المستثمرين وقدرة السوق على استيعاب المتغيرات دون فقدان الزخم.
ثانيا: 141 شركة مدرجة.. والسوق الأول يعزز ثقله بـ40 شركة
في خطوة تعكس استمرارية النشاط المؤسسي لسوق المال، شهدت بورصة الكويت إدراج أسهم شركة ترولي للتجارة العامة في السوق الأول بتاريخ 25 مارس، ليرتفع إجمالي عدد الشركات المدرجة إلى 141 شركة، منها 40 شركة ضمن السوق الأول، وهو ما يعزز من عمق السوق وقاعدته الاستثمارية.
ولا تقتصر دلالة هذا الإدراج على كونه إضافة رقمية، بل تمثل مؤشرا واضحا على استمرار التوسع الرأسمالي للسوق الكويتي في توقيت استثنائي، حيث يعكس تنفيذ عملية إدراج جديدة وسط بيئة إقليمية متوترة جاهزية البنية التنظيمية وقدرتها على الحفاظ على استمرارية العمليات الاستراتيجية دون تأجيل أو تعطل. كما يعكس الإدراج استمرار ثقة الشركات والمستثمرين في السوق الكويتي كمنصة قادرة على النمو، حتى في ظل بيئة إقليمية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين.
ثالثا: 50.41 مليار دينار قيمة السوق الرأسمالية
حافظت بورصة الكويت على مستوى مستقر من حيث القيمة الرأسمالية، حيث بلغ إجمالي القيمة السوقية نحو 50.41 مليار دينار، توزعت بواقع 42.56 مليار دينار للسوق الأول، و7.85 مليارات دينار للسوق الرئيسي.
ويعكس هذا التماسك قدرة السوق على امتصاص الضغوط قصيرة الأجل دون تسجيل تراجعات حادة، مدعوما بثقل الأسهم القيادية في السوق الأول، الذي يشكل الركيزة الأساسية لاستقرار القيمة السوقية، حيث نجح السوق في تنفيذ المراجعة الأولى لمؤشرات فوتسي راسل وستاندرد آند بورز خلال جلسة 18 مارس الجاري، وهي محطة فنية مهمة أسفرت عن دخول سيولة أجنبية بلغت نحو 36.7 مليون دينار، ليرتفع إجمالي السيولة المتداولة في ختام الجلسة إلى نحو 74.86 مليون دينار.
رابعا: إدارة نقدية استباقية
وفي خطوة تعكس إدارة نقدية استباقية، تحرك بنك الكويت المركزي لتعزيز مرونة القطاع المصرفي من خلال حزمة إجراءات شاملة استهدفت توسيع القدرة التمويلية للبنوك دون الإخلال بمتانة مراكزها المالية، مستندا إلى قاعدة قوية من مؤشرات السلامة المالية التي تفوق المتطلبات الدولية بهوامش مريحة، سواء على مستوى السيولة أو كفاية رأس المال.
وجاءت الإجراءات الأخيرة لتترجم هذا التوجه عمليا، حيث تم خفض معايير السيولة الأساسية عبر تقليص معيار تغطية السيولة (LCR) من 100% إلى 80%، ومعيار صافي التمويل المستقر (NSFR) من 100% إلى 80%، ونسبة السيولة الرقابية (RLR) من 18% إلى 15%، إلى جانب توسيع الحدود القصوى للفجوات التراكمية في نظام السيولة لتصل إلى 20% لفترة 7 أيام، و30% لشهر، و40% لثلاثة أشهر، و50% لستة أشهر، بما يمنح البنوك مرونة أكبر في إدارة تدفقاتها النقدية.
وعلى صعيد التمويل، قام «المركزي» برفع الحد الأقصى للإقراض (MLL) من 90% إلى 100%، وهو ما يعزز قدرة البنوك على ضخ التمويل في الاقتصاد ودعم استمرارية الأنشطة المختلفة، في وقت تتطلب فيه المرحلة الحفاظ على تدفق الائتمان دون انقطاع.
كما شملت الحزمة الإفراج عن جزء من المصدة الرأسمالية التحوطية بنسبة 1% من الأصول المرجحة بالمخاطر (CET1)، ما أدى إلى خفض متطلبات كفاية رأس المال إلى%12 بدلا من 13%، وهو إجراء يهدف إلى تحرير جزء من رأس المال لدعم الإقراض دون المساس بالاستقرار المالي.
خامسا: الجمعيات العمومية وتوزيعات الأرباح
واصلت الشركات والبنوك المدرجة انعقاد جمعياتها العمومية وفق الجداول الزمنية المحددة، إلى جانب بدء تنفيذ توزيعات الأرباح النقدية والمنحة للمساهمين دون أي تأخير، في مؤشر واضح على استقرار العمليات المؤسسية، ويعكس هذا الانتظام كفاءة منظومة سوق المال، خاصة دور وزارة التجارة والصناعة وشركة المقاصة في إدارة عمليات التسوية والتوزيع بدقة، بما يضمن وصول المستحقات إلى المساهمين وفق الآليات المعتمدة دون تعطل أو تأجيل.
كما يؤكد استمرار هذه الاستحقاقات أن الشركات لم تتجه إلى تأجيل قراراتها المالية أو التحفظ على توزيعاتها، بل واصلت التزاماتها تجاه المساهمين، وهو ما يعزز من ثقة المستثمرين، ويكرس صورة السوق الكويتي كبيئة مستقرة قادرة على الحفاظ على انضباطها المؤسسي حتى في ظل الظروف الاستثنائية.
وفي المحصلة، لا تكشف بيانات هذا الشهر عن مجرد استقرار عابر، بل عن اقتصاد يمتلك القدرة على العمل بكفاءة تحت الضغط دون أن يفقد توازنه، حيث تلاقت السيـــولة النشطــــة مع الانضـــباط المؤسسي والسياســة النقديــة الاستباقية لتشكل منظومة متماسكة حدت من انتقــــال الصدمـــــــة واحتــــوت آثـــارها. فالتداول استمر، والتمويل تدفق، والاستحقاقات نفذت في مواعيدها، ما يؤكد أن الاقتصاد الكويتي لا يكتفي بالصمود أمام الأزمات، بل يديرها بمرونة وكفاءة، محافظا على استقرار بيئته الاستثمارية وثقة مكوناته في واحدة من أكثر الفترات الإقليمية حساسية.


































