اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ١٢ أيلول ٢٠٢٦
وليد منصور -
تكتسب الشراكات بين القطاعين العام والخاص زخماً متسارعاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لتتحول تدريجياً إلى إحدى الأدوات الرئيسية لتنفيذ مشروعات البنية التحتية، في وقت تتصدر فيه دول الخليج هذا التحول، مدفوعة بخطط تنويع الاقتصادات وزيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.
وقال تقرير نشره موقع «تراد آرابيا»: إن الشراكات بين القطاعين العام والخاص باتت آلية مهمة لتنفيذ مشروعات البنية التحتية في المنطقة، مع تقدم دول الخليج في استخدام هذا النموذج لاستقطاب رؤوس الأموال والخبرات الخاصة.
وأشار التقرير إلى أن نمو سوق الشراكات يستند إلى سلسلة من الإصلاحات التنظيمية والمؤسسية التي نفذتها حكومات المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وشملت إصدار تشريعات جديدة للشراكة، وتبسيط إجراءات طرح المشروعات والمشتريات، إلى جانب تأسيس جهات حكومية متخصصة تتولى الإشراف على خطط المشروعات ومراحل تنفيذها.
وأوضح أن هذه التحولات تمنح المستثمرين والمطورين قدراً أكبر من الوضوح بشأن الفرص المطروحة وآليات تنفيذها، بالتزامن مع سعي الحكومات إلى تعبئة رؤوس الأموال الخاصة والاستفادة من الخبرات الفنية والإدارية للقطاع الخاص في برامج البنية التحتية الكبرى.
نموذج خليجي
ووفق التقرير، تختلف طبيعة الشراكات المطبقة في دول الخليج عن النماذج الشائعة في الأسواق الغربية، إذ تعتمد المنطقة بصورة واسعة على هياكل «الدفع مقابل الإتاحة»، خصوصاً في مشروعات المرافق والبنية التحتية الاجتماعية.
وتقوم هذه الآلية على ربط المدفوعات الحكومية بمدى توافر الأصل وجودة أدائه والتزامه بالمعايير المتفق عليها، بدلاً من ربط الإيرادات بحجم استخدام المستهلكين للمشروع. ويؤدي ذلك إلى تخفيض مخاطر الطلب التي يتحملها المستثمر، ويوفر تدفقات مالية أكثر قابلية للتوقع، بما يدعم فرص تمويل مشروعات البنية التحتية الطويلة الأجل.
وقال التقرير: إن أهمية الشراكات لم تعد تقتصر على توفير التمويل اللازم للمشروعات، بل توسعت لتصبح أداة تستعين بها الحكومات لجلب خبرات القطاع الخاص وقدراته في إدارة المشروعات وتحسين كفاءة التشغيل.
وأشار إلى أن الحكومات باتت تنظر كذلك إلى أداء الأصول على المدى الطويل بوصفه عنصراً رئيسياً في اختيار نموذج الشراكة، بدلاً من التركيز فقط على توفير السيولة اللازمة لإنشاء المشروع.
استثمارات اجتماعية
ولفت تقرير «تراد آرابيا» إلى أن هذا التوجه ينسجم بصورة واضحة مع برامج التحول الاقتصادي الكبرى في المنطقة، وفي مقدمتها «رؤية السعودية 2030»، التي تستهدف زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد وفتح قطاعات جديدة أمام الاستثمار المحلي والدولي.
وتتزامن هذه التحولات مع ارتفاع أعداد السكان وزيادة الطلب على المرافق والخدمات والبنية التحتية الاجتماعية، ما يفرض احتياجات استثمارية متزايدة على الحكومات. وتتيح الشراكات للقطاع العام الوصول إلى قاعدة أوسع من مصادر التمويل، مع توزيع تكلفة المشروع على العمر التشغيلي للأصل بدلاً من تحمل التكلفة كاملة في بداية التنفيذ.
وأشار التقرير إلى أن نطاق استثمارات الشراكة يتسع أيضاً إلى ما وراء القطاعات التقليدية، مثل النقل والطاقة، إذ تشهد المنطقة موجة متنامية من المشروعات في قطاعات الرعاية الصحية والتعليم والإسكان، بما يعزز انتقال نموذج الشراكة إلى قلب البنية التحتية الاجتماعية.
تمويل إسلامي
وقال التقرير: إن التمويل الإسلامي يؤدي بدوره دوراً متزايداً في تمويل مشروعات الشراكة، مستفيداً من تفضيلات المستثمرين الإقليميين وتوافر السيولة المحلية، وهو ما يفتح أمام الحكومات والمطورين قنوات إضافية لتمويل المشروعات الكبرى.
وفي الوقت نفسه، تعمل حكومات المنطقة على تحقيق توازن بين توسيع دور القطاع الخاص في التنفيذ والإدارة، والمحافظة على مستوى قوي من الرقابة العامة، خصوصاً في المشروعات المرتبطة بالخدمات الأساسية للمواطنين.
ومع ترسخ التشريعات والأطر المؤسسية الخاصة بالشراكات، واتساع نطاق القطاعات المستهدفة، وتطوير هياكل تمويل أكثر ملاءمة لطبيعة الأسواق الإقليمية، توقع التقرير استمرار نموذج الشراكة في لعب دور محوري في تنفيذ البنية التحتية الخليجية خلال السنوات المقبلة، بما يدعم التنويع الاقتصادي ويرفع قدرة الاقتصادات على مواجهة التقلبات.
فرص متنامية
وبالنسبة إلى المستثمرين والمطورين وشركات المقاولات والمؤسسات التي تتابع فرص مشروعات البنية التحتية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أكد التقرير أن فهم حجم سوق الشراكات واتجاهاتها أصبح أكثر أهمية مع اتساع قائمة المشروعات والقطاعات والدول التي تعتمد هذا النموذج.
فالتحول الجاري لا يرتبط فقط بالحاجة إلى تمويل مشروعات جديدة، وإنما يعكس تغيراً أعمق في فلسفة تطوير البنية التحتية، يقوم على إشراك القطاع الخاص في مختلف مراحل المشروع والاستفادة من قدراته التمويلية والإدارية والتشغيلية، مع توزيع المخاطر والتكاليف على فترات زمنية أطول.
الشراكات ترسم مستقبل البنية التحتية
أشار تقرير «تراد آرابيا» إلى أن ترسخ الأطر التشريعية والمؤسسية، وتوسع الشراكات من النقل والطاقة إلى الصحة والتعليم والإسكان، وصعود أدوات التمويل الإسلامي، كلها عوامل تعزز مكانة هذا النموذج في خطط التنمية الإقليمية. ومع استمرار دول الخليج في قيادة التحول، تتجه الشراكات بين القطاعين العام والخاص إلى أن تصبح ركيزة أكثر حضوراً في تمويل وتنفيذ وإدارة البنية التحتية، وداعماً رئيسياً لخطط التنويع الاقتصادي وتعزيز المرونة على المدى الطويل.


































