اخبار المغرب
موقع كل يوم -الأيام ٢٤
نشر بتاريخ: ١٢ أذار ٢٠٢٦
في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم في مجال التكنولوجيا والقدرات العسكرية، لم يعد امتلاك التقنيات المتطورة مسألة اختيارية، بل أصبح أحد مقومات السيادة الوطنية وحماية المصالح الاستراتيجية للدول.
وفي هذا السياق، يبرز توجه المغرب نحو تعزيز قدراته الصناعية والتكنولوجية، خاصة في المجال الدفاعي.
ويأتي مشروع إنشاء مصنع لإنتاج وصيانة الطائرات المسيرة بمدينة بنسليمان، بشراكة مع الشركة التركية “بايكار”، ليعكس هذا التوجه الجديد للمملكة نحو الانتقال من موقع المستهلك للتكنولوجيا إلى موقع المنتج والمطور لها.
ولا يُنظر إلى هذا المشروع باعتباره مجرد استثمار صناعي إضافي، بل كخطوة استراتيجية تعكس تحولا في المقاربة المغربية تجاه الصناعات الدفاعية. فبعد سنوات اعتمد فيها المغرب على استيراد الطائرات المسيرة لتلبية احتياجاته العسكرية، يتجه اليوم إلى بناء قدرات وطنية تسمح بتصنيع هذه الأنظمة المتقدمة وصيانتها محليا، مع إمكانية تطويرها مستقبلا.
ومن المنتظر أن يركز المصنع المرتقب في مرحلته الأولى على تلبية حاجيات القوات المسلحة الملكية من طائرات مسيرة متعددة المهام، تتميز بمدى أطول وقدرات تشغيلية أكثر تطورا مقارنة ببعض النماذج المستخدمة حاليا.
غير أن أهمية المشروع لا تقتصر على تزويد المؤسسة العسكرية بالمعدات الحديثة، بل تمتد إلى بناء قاعدة صناعية متكاملة تشمل مراحل التصميم والهندسة والتصنيع والصيانة.
وفي هذا الإطار، تم تأسيس شركة مغربية تحت اسم “أطلس للدفاع”، برأسمال يناهز 2.5 مليون درهم، بهدف تطوير منظومة صناعية مرتبطة بإنتاج مكونات الطائرات المسيرة والأنظمة الإلكترونية المصاحبة لها، إضافة إلى خدمات الصيانة والدعم التقني.
ويعكس هذا التوجه رغبة المغرب في إرساء صناعة دفاعية وطنية قادرة على التدرج من مرحلة الشراكات الصناعية إلى مرحلة اكتساب الخبرة المحلية والابتكار التكنولوجي.
غير أن نجاح مثل هذه المشاريع لا يرتبط فقط بإنشاء المصانع أو نقل خطوط الإنتاج، بل يعتمد بدرجة كبيرة على نقل المعرفة التقنية وتكوين الموارد البشرية المؤهلة.
لذلك يبدو أن الرهان المغربي يتجه نحو إدماج مجالات التصميم والهندسة والتطوير ضمن المنظومة الصناعية الجديدة، بما يعزز الاستقلالية التقنية ويقلل من الاعتماد على الخارج في المعدات الحساسة.
إلى جانب بعده العسكري، يحمل المشروع أيضا أبعادا اقتصادية وتنموية مهمة، إذ يُتوقع أن يساهم في خلق فرص عمل متخصصة في مجالات الطيران والإلكترونيات والهندسة المتقدمة.
وغالبا ما تشكل الصناعات الدفاعية رافعة لتطوير قطاعات تكنولوجية أخرى، وهو ما قد يفتح المجال أمام بروز منظومة صناعية مبتكرة قادرة على الاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية.
ويأتي هذا التوجه في سياق إطار قانوني وضعته المملكة خلال السنوات الأخيرة لتنظيم قطاع الصناعات الدفاعية. فقد اعتمد المغرب قبل سنوات قانونا خاصا يهدف إلى تأطير هذا المجال وتحديد ضوابط الترخيص والتصنيع والتصدير، بما يسمح بجذب الاستثمارات مع الحفاظ في الوقت ذاته على متطلبات السيادة الوطنية والتحكم في التكنولوجيا الحساسة.
ولا يمكن فصل هذه الخطوات عن التحولات التي يشهدها ميدان الدفاع عالميا، حيث أصبحت الطائرات المسيرة أحد أبرز أدوات الحروب الحديثة وعمليات الاستطلاع والمراقبة.
وقد دفعت هذه الأهمية المتزايدة العديد من الدول إلى الاستثمار بقوة في تطوير قدراتها في هذا المجال.
وبالنسبة للمغرب، فإن الانخراط في هذه الصناعة يمثل خيارا استراتيجيا يهدف إلى تعزيز جاهزية القوات المسلحة ومواكبة التطورات المتسارعة في تكنولوجيا الدفاع.
ومع تقدم التحضيرات لإنشاء البنية الصناعية للمصنع المرتقب في بنسليمان، تشير التوقعات إلى إمكانية انطلاق مرحلة التشغيل خلال العام الجاري، ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في مسار التطور الصناعي والتكنولوجي للمملكة.
فمشروع الطائرات المسيرة لا يقتصر على كونه استثمارا عسكريا أو صناعيا فحسب، بل يعكس رؤية أوسع تسعى من خلالها المملكة إلى ترسيخ اقتصاد قائم على المعرفة والتكنولوجيا، وتعزيز استقلاليتها الاستراتيجية في عالم يتجه بشكل متزايد نحو المنافسة التكنولوجية.



































