اخبار المغرب
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٣٠ أب ٢٠٢٦
تتغير ملامح المدن بسرعة استعداداً للبطولة وأسئلة كثيرة حول عمليات الهدم ومصير المرحلين والتعويضات والكلفة الاجتماعية
تتغير ملامح عدد من المدن المغربية بوتيرة متسارعة بسبب تسارع أعمال إعادة التهيئة وتأهيل البنية التحتية استعداداً لاستضافة كأس العالم 2030، إذ إلى جانب الملاعب والطرق وشبكات النقل والمرافق الجديدة، تمتد التحولات إلى أحياء سكنية ومجالات حضرية يجري هدم بعضها أو نزع ملكيتها وإعادة إسكان قاطنيها، في عملية تعيد رسم الخريطة العمرانية لمدن مغربية عدة.
وفي وقت تقدم السلطات المغربية هذه الأعمال باعتبارها جزءاً من تحديث المدن ومعالجة مظاهر السكن غير اللائق وتأهيل الفضاءات الحضرية، تثير عمليات الهدم ونزع الملكية أسئلة كثيرة حول مصير السكان المرحلين، ومدى كفاية التعويضات وإعادة الإسكان، فضلاً عن أثر الانتقال في أنماط العيش ومواقع العمل وشبكات العلاقات الاجتماعية.
ولا يبدو تحضير المغرب لكأس العالم لكرة القدم 2030 مجرد سباق لإنجاز الملاعب وإنشاء البنى التحتية، بل أيضاً مناسبة يعاد خلالها تشكيل معالم وملامح أساسية من المدن المغربية، بما تحمله هذه العملية من مكاسب عمرانية وتحديات اجتماعية.
ويستعد المغرب لمونديال 2030 عبر عمل عمراني واسع يتجاوز حدود الملاعب والفنادق والشوارع إلى أحياء سكنية كبرى يجري هدمها أو إعادة تأهيل أخرى في مدن مثل الرباط والدار البيضاء ومراكش.
وشهدت مدينة الدار البيضاء عمليات هدم كبرى طاولت أحياء في المدينة القديمة التاريخية، خصوصاً في إطار مشروع 'المحج الملكي' الذي يربط وسط المدينة بمحيط مسجد الحسن الثاني الشهير، ومنها درب موحى، ودرب بوطويل، ودرب الإنجليز، ودرب الرماد وغيرها من أحياء المدينة القديمة.
وفي وقت يقول السكان والنشطاء المحليون إن أعمال الهدم وإعادة التهيئة تأتي في سياق التحضير لاحتضان كأس العالم لعام 2030، يورد مسؤولون محليون أن الأمر يتعلق بمشروع قديم، لكن المونديال هو الذي سرع مراحل تنفيذه على أرض الواقع.
ووسط مدينة الرباط، شهد حي المحيط القديم والتاريخي عمليات هدم كبرى بغية إحداث تحولات عمرانية ضخمة تروم تحسين جاذبية وصورة العاصمة الإدارية للمملكة، لتكون في مصاف العواصم العالمية عند احتضان كأس العالم المرتقبة.
وعرفت أحياء بمدينة مراكش السياحية عمليات هدم وإعادة تهيئة، من قبيل حي يوسف بن تاشفين المعروف بـ'بين لقشالي'، والسبايس، والزيتون القديم، وأليغرو، بينما عمدت السلطات إلى ترحيل السكان إلى فضاءات وأحياء أخرى.
ويترقب آلاف السكان في أحياء شعبية ذات كثافة سكانية عالية، مثل أحياء الفرح والرشاد وغيرهما، عمليات هدم وإعادة تهيئة كبرى في سياق التهيؤ لكأس العالم 2030، والحال نفسها في بعض أحياء مدينة سلا المجاورة للعاصمة، وفي مدن أخرى ستحتضن مباريات المونديال.
وتفضي عمليات هدم أحياء سكنية بعينها وإعادة تأهيل أحياء أخرى إلى إعادة تنقيل السكان نحو مناطق سكنية جديدة، مع نيل تعويضات مادية لسداد كلفة الإيجار مدة زمنية معينة، غير أن هذه التعويضات غالباً لا تجد القبول عند السكان مالكي المنازل الذين يلجأون إما إلى الاحتجاج أو القضاء للحصول على تعويضات عادلة، وفقهم.
ولا تقتصر هذه التحولات على إعادة رسم المجال العمراني، بل تمتد أيضاً إلى النقاش حول الكلفة الاجتماعية لهذه الأعمال، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر التي وجدت نفسها مطالبة بمغادرة مساكنها والانتقال إلى أحياء جديدة.
في هذا الصدد، يستعرض محمد مجدولين، وهو باحث في الاقتصاد الاجتماعي، بعض ملامح الكلفة الاجتماعية الخفية لمونديال 2030، التي تتحملها الأسر بعدما وجدت نفسها على حين غرة في قلب قرارات الهدم وإعادة تشكيل ملامح بعض المدن المغربية استعداداً للحدث الرياضي العالمي.
وأبرز مظاهر هذه الكلفة الاجتماعية، وفق المتحدث ذاته، هو انتقال آلاف السكان من منازلهم التي يقطنون فيها أعواماً طويلة إلى منازل وأحياء جديدة في مناطق أخرى من المدينة أو حتى خارجها، مما يبعثر أوراق هذه الأسر ويربك وتيرة حياتها اليومية الاعتيادية.
وأوضح مجدولين أن انتقال الأسر، من أبناء وأزواج وآباء وأمهات، إلى أماكن أخرى غير التي عرفوها، لا سيما لأصحاب الملكيات العقارية، يتجاوز مجرد حركية اجتماعية من فضاء إلى آخر، لأنه اقتلاع من الجذور وتغيير لمسارات حياتية كاملة.
واستطرد بأن الخسائر الاجتماعية لا تتمثل فقط في هدم المنزل، حتى لو تم تعويض المستهدفين مالياً، بل في خسارة علاقات اجتماعية تشكلت طوال أعوام مع الجيران والأقارب، وخسارة الامتياز المكاني حيال المدارس والسوق وبقية تفاصيل الشبكات الاجتماعية والاقتصادية اليومية.
وهنا تظهر كلفة لا تدخل عادة في حسابات مشاريع البنية التحتية، وهي كلفة الانتقال اليومي، ذلك أن إعادة إسكان أسرة في منطقة أبعد قد تعني مصاريف إضافية للنقل، ووقتاً أطول في التنقل، وربما اضطرار أحد أفراد الأسرة إلى تغيير عمله أو التخلي عنه. أما بالنسبة إلى أصحاب الأنشطة التجارية الصغيرة فإن تغيير الموقع قد يعني فقدان الزبائن الذين بنوا معهم علاقة اقتصادية على مدى أعوام.
وسجل مجدولين كلفة اجتماعية وصفها بالفادحة، وهي أن 'الأحياء التي تم هدمها، مثل حي المحيط بمدينة الرباط والمدينة القديمة بالدار البيضاء، ليست أحياء سكنية عادية، بل هي ذاكرة اجتماعية عريقة قائمة بذاتها'، مضيفاً أيضاً كلفة سلبية أخرى تتمثل في فقدان زخم حياة التكافل والتضامن بين العائلات التي تعرف بها هذه الأحياء الشعبية والقديمة أكثر من غيرها.
وهكذا لا يمكن اختزال الكلفة الاجتماعية لتنظيم المغرب مونديال 2030 في عدد المنازل التي هدمت أو الأسر التي أعيد إسكانها، لأن الكلفة الحقيقية أوسع، فهي وقت ضائع في التنقل، ودخل قد يفقد، وأنشطة تجارية قد تختفي، وروابط اجتماعية قد تتفكك، وأحياء قد تتغير تركيبتها الاجتماعية.
في المقابل، يرى متابعون للشأن الحضري أن التحولات المرتبطة بمونديال 2030 يمكن أن تشكل فرصة لتسريع تحديث المدن المغربية، شريطة أن تواكبها مقاربة اجتماعية تضمن حقوق السكان وتحافظ، قدر الإمكان، على استقرارهم وروابطهم الاجتماعية.
في هذا السياق، يرى الباحث الاجتماعي كريم عايش، أن أوراش الاستعداد لمونديال 2030 تمثل فرصة تاريخية لتسريع التحول العمراني الذي يشهده المغرب، والانتقال بمدنه الكبرى والمجاورة نحو نماذج حضرية أكثر حداثة وتوازناً واستدامة، وأن مشاريع إعادة التهيئة، إلى جانب توسيع شبكات النقل وتحسين الطرق والفضاءات العمومية وإنجاز المرافق الرياضية والخدماتية، من شأنها أن تعزز جاذبية مدن مثل الرباط وسلا والدار البيضاء ومراكش، فضلاً عن الإسهام في تحسين جودة حياة سكانها على المدى البعيد.
وشدد عايش على ضرورة عدم اختزال عمليات إزالة بعض المباني أو إعادة هيكلة الأحياء في مجرد عمليات هدم، معتبراً أنها يمكن أن تندرج ضمن معالجة اختلالات عمرانية تراكمت على مدى أعوام، ولا سيما في المناطق التي تعاني هشاشة في السكن أو نقصاً في التجهيزات الأساسية.
ويرى أن 'برامج إعادة الإسكان قد تتيح للأسر المعنية الانتقال إلى مساكن أكثر لياقة وأماناً، تتوفر فيها شروط الصحة والراحة، وترتبط بصورة أفضل بشبكات الماء والكهرباء والتطهير والنقل وبقية الخدمات الاجتماعية'.
غير أن عايش يربط نجاح هذه المشاريع بمدى احترام حقوق السكان المعنيين، مؤكداً أهمية اعتماد تواصل واضح معهم وإشراكهم في القرارات التي ترتبط بمستقبلهم، إلى جانب ضمان تعويضات منصفة وتوفير البدائل السكنية الملائمة قبل تنفيذ عمليات الانتقال، مردفاً أن 'المقاربة الاجتماعية تقتضي أيضاً الحفاظ، قدر الإمكان، على الروابط الاجتماعية للأسر المرحلة، وضمان استمرار قربها من المدارس ومراكز العمل والخدمات الصحية'.
وبناء على ذلك، خلص عايش إلى أن 'أعمال مونديال 2030 يمكن أن تسهم في تغيير ملامح المدن المغربية بصورة إيجابية، وتحويلها إلى فضاءات أكثر تنظيماً واندماجاً وجاذبية'، مبرزاً أن 'طموح المغرب لا ينبغي أن يقتصر على إنجاح حدث رياضي عالمي، وإنما يتعين أن يتجه أيضاً نحو بناء مدن عصرية تضع المواطن وحقه في السكن اللائق في صميم التنمية الحضرية'.



































