اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٢٥ كانون الأول ٢٠٢٥
عيسى عبدالسلام -
عكست حركة التداول في بورصة الكويت للأوراق المالية خلال ديسمبر الجاري حالة من الاستقرار المتوازن في مستويات السيولة، ضمن نطاق يعد طبيعياً ومتسقاً مع خصائص هذه الفترة من العام امتدت الى بقية الأسواق الخليجية والمنطقة، ففي السوق الكويتي تراوحت قيم التداول اليومية بين 40 و80 مليون دينار، وهو مستوى يعكس انتقال السوق الى مرحلة تهدئة مرحلية مدروسة، تسبق عادة دورات نشاط جديدة أكثر وضوحاً مع بداية العام. وتشير معدلات السيولة المتداولة لأداء السوق خلال ديسمبر الى أن مستوياتها حافظت على وتيرة تداول منتظمة دون تقلبات حادة أو ضغوط بيعية، في دلالة على متانة الهيكل الاستثماري وثبات مراكز المستثمرين، فالسيولة المتداولة لم تنحسر بصورة مفاجئة، بل اتسمت بالانضباط ضمن نطاق متوسط يعكس نضج السوق وقدرته على استيعاب المتغيرات الموسمية دون الاخلال بتوازنه العام.
وقد حافظت التداولات على انتظامها اليومي، مع تسجيل بعض التحسن المحدود في عدد من الجلسات، دون أن تتمكن من اختراق مستوى 80 مليون دينار بشكل مستدام، ما يؤكد أن السوق يتحرك ضمن نطاق تهدئة محسوب وليس في مسار تراجعي مفتوح، ووفق أوساط السوق هناك مجموعة من العوامل التي أدت الى ذلك السلوك الاستثماري، أبرزها ما يلي:
1- العامل الموسمي ونهاية السنة المالية: تتجه غالبية المحافظ والصناديق الاستثمارية الى اغلاق دفاترها واعادة تقييم أدائها السنوي، الى جانب تثبيت الأرباح المحققة خلال العام وتقليص مستويات المخاطر، هذا السلوك المؤسسي يؤدي بطبيعته الى تراجع معدلات ضخ السيولة الجديدة، ويحد من وتيرة بناء المراكز الاستثمارية، خصوصاً في ظل غياب ضرورة للدخول في صفقات كبيرة قبل نهاية العام.
2- ترقب النتائج المالية والتوزيعات: لعب عامل الترقب دورا محوريا في كبح السيولة، اذ يفضل عدد كبير من المستثمرين انتظار اعلان النتائج المالية السنوية للشركات المدرجة، الى جانب الافصاح عن سياسات التوزيعات النقدية وأسهم المنحة، ويعد هذا الترقب سلوكا طبيعيا في هذه المرحلة، حيث يسعى المستثمر الى بناء قراراته الاستثمارية على معطيات مالية واضحة، ما يؤدي الى تأجيل عمليات الشراء والاكتفاء بادارة المراكز القائمة، وهو ما ينعكس مباشرة على دوران السيولة داخل السوق.
3- انحسار المحفزات الاستثنائية: انحسار عوامل الدفع التي كانت قد دعمت التداولات في فترات سابقة، ولا سيما مع انتهاء المراجعات السنوية للمؤشرات الدولية، وما صاحبها من تدفقات نقدية مرتبطة باعادة الأوزان ومزادات الاغلاق، الأمر الذي ساهم في أعادة السوق الى مستوياته التشغيلية الطبيعية، ومع غياب هذه التدفقات غير المتكررة، باتت السيولة تعتمد بشكل أساسي على الطلب الاستثماري المحلي، الذي يتسم عادة بالحذر في مثل هذه الفترات.
4- سلوك المؤسسات الاستثمارية: اتسم أداؤها خلال ديسمبر بالتحفظ الواضح، حيث فضلت تثبيت مراكزها في الأسهم القيادية ذات العوائد المستقرة، دون التوسع في بناء مراكز جديدة أو رفع مستويات التعرض للمخاطر، وقد انعكس هذا التوجه على انخفاض متوسط قيمة الصفقات، رغم استقرار نسبي في عدد العمليات المنفذة، ما ساهم في بقاء السيولة ضمن نطاق محدود.
5- ترقب الأدوات الاستثمارية الجديدة: في ظل الاعلان عن تحركات ايجابية نحو اجراء تعديلات على بعض الأدوات الاستثمارية الحالية كصانع السوق والتداول على الهامش «المارجن»، وترقب اقرار العديد من المنتجات الأخرى كصناديق المؤشرات المتداولة والسندات والصكوك وتداول الأوراق المالية المقومة بالدولار، أضاف مزيدا من الحذر الى المشهد، ودفع ذلك شريحة من المستثمرين الى تفضيل الاحتفاظ بالسيولة النقدية، على حساب الدخول في مراكز جديدة داخل سوق الأسهم.
نظرة مستقبلية
على صعيد التوزيع القطاعي، أظهرت حركة التداول خلال ديسمبر تركزا واضحا للسيولة في عدد محدود من القطاعات، وفي مقدمتها القطاع البنكي الذي حافظ على جاذبيته بفضل متانته التشغيلية واستقراره الربحي، الى جانب نشاط انتقائي في بعض القطاعات الأخرى كقطاع الخدمات والاتصالات والعقارات، في المقابل تراجع الاقبال على الأسهم الصغيرة والمتوسطة، ما حد من اتساع قاعدة التداولات وأبقى السيولة محصورة في نطاق ضيق نسبيا.
ورغم هذا التراجع النسبي، فإن النظرة المستقبلية لسيولة السوق تبدو أكثر ايجابية مع اقتراب الاعلان عن النتائج المالية ودخول السوق موسم التوزيعات، حيث إنه من المتوقع أن تشكل هذه المرحلة نقطة تحول في سلوك المستثمرين، مع عودة جزء معتبر من التوزيعات النقدية الى السوق، ما يعزز دوران السيولة ويرفع من عمق التداولات تدريجيا، كما أن أي تطورات تنظيمية أو ادخال أدوات استثمارية جديدة من شأنها توسيع قاعدة المستثمرين وتنشيط حركة التداول على المدى المتوسط.
إعادة تموضع
تجدر الاشارة الى أن هدوء سيولة بورصة الكويت خلال شهر ديسمبر لم يترافق مع ضغوط بيعية حادة أو تراجعات سعرية مقلقة، بل جاءت انعكاسا لحالة ترقب واعادة تموضع طبيعية مع نهاية العام، ومع توافر محفزات ايجابية تتمثل في النتائج والتوزيعات وتحسن المزاج الاستثماري، تبقى البورصة مهيأة لعودة تدريجية في مستويات السيولة، بما يدعم استقرارها ويعزز من فرص النشاط خلال المرحلة المقبلة.


































