اخبار الكويت
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ١٨ أذار ٢٠٢٦
يوسف حمود - الخليج أونلاين
تعد منطقة الخليج العربي اليوم أكبر مركز لتحلية المياه في العالم، إذ تستحوذ دول مجلس التعاون على نحو 50% من القدرة العالمية المركبة لتحلية المياه
سلطت الحرب الدائرة في المنطقة، منذ 28 فبراير 2026، الضوء على واحدة من أكثر البنى التحتية حساسية في الخليج، وهي محطات تحلية المياه التي تعتمد عليها دول مجلس التعاون لتوفير الجزء الأكبر من احتياجاتها من المياه العذبة في ظل ندرة الموارد الطبيعية للمياه في المنطقة الصحراوية، حيث تعد هذه المحطات اليوم العمود الفقري للأمن المائي في الدول الست.
ومع توسع نطاق الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة على دول الخليج خلال الحرب، برزت مخاوف متزايدة من إمكانية تعرض منشآت الطاقة والمياه الساحلية لأي أضرار مباشرة أو غير مباشرة، خصوصاً أن العديد من محطات التحلية تقع بالقرب من الموانئ والمنشآت الصناعية ومحطات توليد الكهرباء التي قد تكون أهدافاً في الصراعات العسكرية.
لكن الحرب سلطت الضوء أيضاً على جانب آخر يتمثل في حجم الاستثمارات الضخمة التي ضختها دول الخليج خلال العقود الماضية في قطاع التحلية وتأمين إمدادات المياه، سواء عبر بناء محطات عملاقة لإنتاج المياه أو تطوير شبكات نقل المياه إلى المدن الداخلية أو إنشاء احتياطيات استراتيجية للطوارئ.
وتشير تقديرات قطاع المياه والطاقة إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تستثمر عشرات المليارات من الدولارات في مشاريع المياه، في وقت يعتمد فيه أكثر من 60 مليون نسمة في المنطقة مباشرة على المياه المحلاة لتلبية احتياجات الشرب والاستخدامات المنزلية والصناعية، وفق البنك الدولي.
مركز عالمي لتحلية المياه
تعد منطقة الخليج العربي اليوم أكبر مركز لتحلية المياه في العالم، إذ تستحوذ دول مجلس التعاون على نحو 50% من القدرة العالمية المركبة لتحلية المياه، وهو ما يعكس حجم الاعتماد الكبير على هذه التكنولوجيا لتأمين إمدادات المياه في واحدة من أكثر مناطق العالم جفافاً من حيث الموارد الطبيعية للمياه العذبة.
وتبلغ القدرة الإنتاجية لمحطات التحلية في دول الخليج نحو 27 مليون متر مكعب يومياً من المياه المحلاة، وهو ما يمثل أحد أكبر أنظمة إنتاج المياه الصناعية على مستوى العالم، إذ يعادل هذا الحجم ملء آلاف أحواض السباحة الأولمبية يومياً لتلبية احتياجات السكان والاقتصاد.
وتتصدر السعودية دول المنطقة بقدرة إنتاجية تصل إلى 11.5 مليون متر مكعب يومياً من المياه المحلاة، ما يمثل نحو 22% من الإنتاج العالمي، وتأتي بعدها الإمارات بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 7.6 ملايين متر مكعب يومياً موزعة على عدد كبير من المحطات الساحلية وفق 'المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة في السعودية'.
أما بقية دول الخليج فتنتج الكويت نحو 3.11 ملايين متر مكعب يومياً، بينما تبلغ قدرة سلطنة عُمان نحو 2.2 مليون متر مكعب يومياً، وتنتج قطر نحو 1.8 مليون متر مكعب يومياً، في حين تبلغ القدرة الإنتاجية للبحرين نحو 846 ألف متر مكعب يومياً، وفق 'الوكالة الدولية للطاقة المتجددة'.
استثمارات ضخمة
دفعت ندرة المياه الطبيعية في الخليج الحكومات إلى ضخ استثمارات ضخمة في قطاع التحلية خلال العقود الماضية، حيث أصبحت مشاريع المياه من أكبر برامج البنية التحتية التي تنفذها الحكومات الخليجية لضمان استقرار الإمدادات المائية في المدن الكبرى والمناطق الصناعية.
وتشير تقديرات مؤسسات الطاقة والمياه إلى أن الاستثمارات الخليجية في مشاريع التحلية وشبكات نقل المياه والبنية التحتية المرتبطة بها تجاوزت 100 مليار دولار، خلال العقدين الماضيين، مع استمرار التوسع في مشاريع جديدة لمواكبة النمو السكاني والاقتصادي في المنطقة، وفق تقارير دولية.
وفي السعودية يجري تنفيذ برنامج ضخم ضمن رؤية 2030 يتضمن إنشاء 30 محطة تحلية جديدة، خلال السنوات المقبلة، بهدف زيادة إنتاج المياه وتطوير تقنيات التحلية وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة في قطاع المياه، وفق وزارة الزراعة والري في المملكة.
كما توسعت الإمارات في إنشاء محطات حديثة تعتمد على تقنية التناضح العكسي، بما في ذلك مشاريع كبرى في أبوظبي ودبي تهدف إلى زيادة الإنتاج وخفض تكاليف الطاقة وتقليل الانبعاثات المرتبطة بعملية إنتاج المياه المحلاة، وفق 'شركة الاتحاد للماء والكهرباء الإماراتية'.
أهمية التحلية
تعتمد معظم المدن الخليجية الكبرى بشكل شبه كامل على المياه المحلاة لتلبية احتياجات السكان اليومية من المياه، إذ لم تعد الموارد الجوفية قادرة على تلبية الطلب المتزايد الناتج عن النمو السكاني والتوسع العمراني والصناعي في المنطقة.
في السعودية، يعتمد أكثر من 8 ملايين نسمة في العاصمة الرياض على المياه التي تنقل عبر شبكة ضخمة من الأنابيب من محطات التحلية الواقعة على سواحل الخليج والبحر الأحمر لمسافات تمتد مئات الكيلومترات نحو المدن الداخلية، وفق المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة.
أما في الإمارات، فيعتمد أكثر من 4 ملايين نسمة في مدينة دبي على المياه المحلاة التي تنتجها محطات مثل جبل علي وحصيان لتلبية احتياجات السكان والقطاع السياحي والفندقي والصناعي في الإمارة، وفق 'هيئة كهرباء ومياه دبي'.
كما تعتمد قطاعات اقتصادية رئيسية مثل الصناعة والطاقة والبتروكيماويات والسياحة اعتماداً مباشراً على استقرار إمدادات المياه، ما يجعل محطات التحلية جزءاً أساسياً من البنية الاقتصادية في دول الخليج.
التقنيات الحديثة
شهدت تقنيات تحلية المياه تطوراً كبيراً، خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقل عديد من دول الخليج إلى استخدام تقنية التناضح العكسي (RO) التي تعد أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة مقارنة بالتقنيات الحرارية التقليدية المستخدمة سابقاً في محطات التحلية.
وتستهلك تقنية التناضح العكسي نحو 3.5 كيلوواط ساعة لكل متر مكعب من المياه، بينما قد تصل تقنيات التقطير الحراري التقليدية مثل 'MSF' إلى 10–16 كيلوواط /ساعة لكل متر مكعب، ما يجعل التحول إلى التقنيات الحديثة عاملاً مهماً في خفض تكاليف الإنتاج، وفق 'الوكالة الدولية للطاقة'.
كما بدأت بعض دول الخليج في استخدام الطاقة الشمسية لتشغيل محطات التحلية الجديدة، خصوصاً في السعودية والإمارات، بهدف تقليل استهلاك الوقود الأحفوري وخفض الانبعاثات الكربونية المرتبطة بإنتاج المياه.
وتشير خطط قطاع المياه في الخليج إلى أن تقنية التناضح العكسي أصبحت تمثل نحو 69% من القدرات الجديدة للتحلية في المشاريع الحديثة، وهو ما يعكس التحول التكنولوجي المتسارع في هذا القطاع الحيوي، وفق 'الرابطة الدولية لتحلية المياه'.
أهمية حماية البنية المائية
وأظهرت الحرب الحالية في المنطقة أن محطات التحلية والبنية التحتية المرتبطة بها يمكن أن تتأثر بشكل غير مباشر بالعمليات العسكرية، خاصة عندما تقع هذه المنشآت بالقرب من الموانئ أو محطات توليد الكهرباء أو المنشآت الصناعية الحيوية.
فقد سجلت تقارير خلال الأسابيع الأولى من الحرب أضراراً في منشآت مرتبطة بالطاقة والمياه في عدة دول خليجية نتيجة سقوط شظايا صواريخ أو حطام طائرات مسيرة تم اعتراضها في الجو.
كما تعرضت منشآت في البحرين والكويت والإمارات لأضرار محدودة، رغم استمرار معظم محطات التحلية في العمل وعدم تسجيل انقطاع واسع في إمدادات المياه للسكان حتى الآن، وفق 'بي بي سي'.
وتبرز هذه الحوادث أهمية الاستثمارات الخليجية في تعزيز حماية البنية التحتية للمياه وبناء احتياطيات استراتيجية للطوارئ، إذ تعمل بعض الدول مثل الإمارات على تطوير قدرة تخزين تكفي لتوفير المياه لمدة 45 يوماً في حالات الطوارئ القصوى، بحسب وزارة الطاقة والبنية التحتية الإماراتية.


































