اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة الأنباء
نشر بتاريخ: ٢٦ أذار ٢٠٢٦
أحمد مغربي
لم يعد السفر من الكويت رحلة تبدأ من بوابة المطار وتنتهي على متن الطائرة، بل تحول خلال الأسابيع الماضية إلى اختبار حقيقي للإرادة والوقت والتكلفة، فبين مواطن لا يستطيع تأجيل ارتباطاته، وطالب ملتزم بالعودة إلى جامعته، ومقيم يسابق الظروف للوصول إلى عائلته، تشكلت آلاف القصص المتشابهة التي دفعت الجميع إلى البحث عن مخرج واحد للسفر وهو «الطريق إلى السعودية».
ففي واحد من أسرع التحولات التشغيلية التي شهدها قطاع السفر في المنطقة، أعاد المسافرون من الكويت رسم مساراتهم خارج الحدود خلال أيام قليلة، في استجابة مباشرة لواقع استثنائي فرض نفسه على حركة الطيران.
وجاء هذا التحول في ظل تصاعد التطورات الأمنية، عقب ما شهدته البلاد من اعتداءات غاشمة استهدفت مرافق حيوية، من بينها مطار الكويت الدولي وأنظمة الرادار وخزانات الوقود، وهو ما فرض واقعا تشغيليا مختلفا على حركة الطيران، ودفع إلى إعادة تنظيم مسارات السفر لضمان استمراريتها.
ومع صفارات الإنذار التي تكررت طوال شهر رمضان وأيام عيد الفطر وما تلاها، لم تتوقف حركة السفر، لكنها فقدت شكلها التقليدي بالكامل، لم يعد مطار الكويت الدولي نقطة الانطلاق الأولى، بل أصبحت الرحلة تبدأ برا من الكويت مرورا بالحدود الكويتية والسعودية نحو مطار الدمام أو القيصومة، قبل أن تستكمل جوا إلى الوجهات المختلفة.
ورغم أن زمن الرحلة امتد ليصل إلى 18 ساعة، بل قد يبلغ 24 ساعة في بعض الحالات، فإن آلاف المسافرين قرروا خوض هذه التجربة، في مشهد يعكس أن الحاجة إلى السفر لم تتراجع، بل أعادت ترتيب نفسها تحت ضغط الظروف.
هذا الواقع لم يكن مجرد تغيير مؤقت، بل أسس لنموذج سفر مختلف بالكامل.
رحلة واحدة.. بثلاث مراحل
في هذا الواقع الجديد، لم تعد الرحلة تجربة مباشرة، بل سلسلة مترابطة تبدأ بالتوجه إلى نقاط تجمع داخل الكويت، ثم إنهاء الإجراءات خارج المطار التقليدي، يليها الانتقال بالحافلات إلى المنافذ البرية، قبل الوصول إلى مطارات السعودية واستكمال الرحلة جوا.
هذا التحول لم يغير مسار الرحلة فقط، بل أعاد تعريفها بالكامل، فالمسافر لم يعد يقتصر على شراء تذكرة طيران، بل أصبح يواجه تجربة سفر مركبة تشمل وقتا أطول وتكلفة ممتدة وجهدا إضافيا، ما أوجد نموذجا جديدا يمكن وصفه بـ «السفر متعدد المراحل».
نقاط انطلاق جديدة داخل الكويت
ومع انتقال العمليات التشغيلية خارج مطار الكويت، برزت مواقع بديلة كنقاط انطلاق رئيسية، حيث تحولت صالة رقم 8 في أرض المعارض بمشرف ومجمع الخيران إلى محطات أساسية لتجمع المسافرين، يتم من خلالها إنهاء الإجراءات الأولية وتنظيم الانتقال الجماعي نحو المنافذ الحدودية، ضمن وتيرة تشغيل يومية مرتفعة وتنظيم متواصل يعكس سرعة الاستجابة للظروف.
هذا التغيير لم يكن شكليا، بل أعاد توزيع النشاط المرتبط بالسفر داخل الكويت، حيث انتقلت حركة المسافرين والخدمات المرافقة من المطار إلى هذه المواقع، في خطوة عكست مرونة تشغيلية وقدرة سريعة على إعادة تنظيم العمل خلال فترة قصيرة.
بوابات السفر البديلة
خلال فترة وجيزة، تحولت مطارات السعودية، وتحديدا الدمام والقيصومة، إلى منافذ رئيسية لسفر المغادرين والقادمين من وإلى الكويت، ما أعاد رسم خريطة حركة السفر في المنطقة.
ولم يقتصر هذا التحول على الجانب الجغرافي، بل امتد إلى البعد الاقتصادي، حيث انتقل جزء من الإنفاق المرتبط بالسفر، بما يشمل النقل والخدمات اللوجستية والانتظار، إلى خارج الحدود، ما يعكس إعادة توزيع فعلية للنشاط الاقتصادي المرتبط بحركة الأفراد.
رحلة أطول.. وطلب لا يتراجع
على الرغم من ارتفاع التكلفة الزمنية والمالية، لم يتراجع الطلب على السفر، فالمواطن المرتبط بمواعيد، والطالب الملزم بدراسته، والمقيم المرتبط بأسرته، جميعهم اتخذوا قرار السفر رغم تعقيد الرحلة.
ويعكس ذلك مؤشرا اقتصاديا مهما، يتمثل في استمرار الإنفاق المرتبط بالسفر، ما يدل على بقاء مستوى من الثقة والقدرة على تحمل التكاليف، حتى في ظل الظروف الاستثنائية.
ولعل الخطوة التي أعلنت عنها طيران الجزيرة عن تشغيل رحلاتها التجارية من مطار الدمام اعتبارا من اليوم (الخميس) بالإضافة إلى رحلاتها الحالية من مطار القيصومة إضافة جوهرية تمكن الشركة من خدمة أكثر من 1000 رحلة في 20 وجهة إضافة إلى إمكانية شحن أكثر من مليوني طن من السلع الأساسية حتى 30 أبريل المقبل.
مشهد مختلف عن أزمة كورونا
يختلف هذا الواقع جذريا عن تجربة إغلاق المطارات خلال جائحة كورونا، حين توقفت حركة السفر بالكامل نتيجة القيود الصحية. أما في الأزمة الحالية، فلم يحدث توقف، بل إعادة تشكيل لحركة السفر، عبر مسارات بديلة حافظت على استمراريتها، فبدلا من الإغلاق الكامل، برز نموذج قائم على المرونة التشغيلية وإعادة توزيع العمليات، ما يعكس تطورا في آليات إدارة الأزمات مقارنة بالتجارب السابقة، وقدرة أعلى على التكيف دون تعطيل كامل للنشاط.
فبدلا من الإغلاق، برز نموذج قائم على التكيف، حيث تم نقل العمليات وتغيير المسارات دون تعطيل كامل للنشاط، ما يعكس تطورا واضحا في آليات التعامل مع الأزمات مقارنة بالتجارب السابقة.
السفر لم يتوقف.. بل غير طريقه
ما حدث خلال الأسابيع الماضية لا يمكن وصفه بتراجع في حركة السفر، بل بتحول كامل في مسارها. فالرحلات لم تلغ، بل انطلقت من مكان آخر، والمطار لم يغلق، بل تغير موقعه، والطلب لم ينخفض، بل أعاد ترتيب نفسه، وفي قلب هذه الصورة، يبرز واقع جديد: السفر من الكويت لم يتوقف.. بل خرج إلى الطريق ليكمل رحلته من هناك.


































