اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة الجريدة الكويتية
نشر بتاريخ: ٢٦ أذار ٢٠٢٦
صدر حديثا عن وكالة الصحافة العربية (ناشرون) كتاب «النهار والشجن... إطلالات على عالم أسامة أنور عكاشة» للكاتب والباحث المصري أحمد رجب شلتوت، ليضيء على أحد أبرز الأسماء التي شكّلت الوعي الجمعي المصري والعربي عبر الدراما والأدب.ويأتي هذا الكتاب في لحظة ثقافية حرجة، حيث يغيب بها السرد الجاد، وتتبدد الحكايات بين سطحية الشاشة وفوضى التكنولوجيا، ليذكرنا بأن الفن الجماهيري يمكن أن يكون عميقاً، وأن الحلم، حتى لو بدا مستحيلاً، يظل شرطاً للحياة.لا يقتصر كتاب «النهار والشجن» على استعراض أعمال الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة (1941–2010)، بل يقدم قراءةً نقديةً متكاملةً لمشروعه الإبداعي ككل، باعتباره ظاهرةً ثقافيةً وفكريةً تمتد من القصة القصيرة للرواية، ومن المسلسل التلفزيوني للسيناريو السينمائي والمسرح، ويؤكد المؤلف منذ المدخل أن عكاشة لم يكن «كاتب دراما» فحسب، بل مثقفاً عضوياً بالمعنى الغرامشي، حمل همّ عصره وأمّته، وجعل من الحكاية وسيلةً لفهم التاريخ، وتشريح الواقع، وبناء ذاكرة جمعية.ثنائية جوهرية ومن هنا، يختار شلتوت عنوان «النهار والشجن» كتعبير دقيق عن ثنائية جوهرية في عالم عكاشة، فالنهار رمز للأمل الذي حمله جيل الخمسينيات والستينيات، بينما الشجن يرمز إلى الخذلان والانكسار الذي أعقب الهزائم السياسية والتحولات الاجتماعية. هذه الثنائية ليست تناقضاً، بل توازن إنساني يمنح أعمال عكاشة صدقها وعمقها، ويشرح سبب بقائها حيّة في الوجدان رغم مرور العقود.ويعيد المؤلف تذكيرنا بأن عكاشة بدأ كاتباً أدبياً قبل أن يصبح أيقونة تلفزيونية، فمجموعتاه القصصية «خارج الدنيا» (1967) و«مقاطع من أغنية قديمة»، وروايته الأولى «أحلام في برج بابل» (1984)، كانت بمنزلة المختبر الأول لأفكاره وشخصياته، وقد خصّص شلتوت القسم الأول من كتابه لقراءة متأنية لأعماله الروائية، من «منخفض الهند الموسمي» إلى «شق النهار»، آخر وصاياه الأدبية.
غلاف الكتاب
صدر حديثا عن وكالة الصحافة العربية (ناشرون) كتاب «النهار والشجن... إطلالات على عالم أسامة أنور عكاشة» للكاتب والباحث المصري أحمد رجب شلتوت، ليضيء على أحد أبرز الأسماء التي شكّلت الوعي الجمعي المصري والعربي عبر الدراما والأدب.
ويأتي هذا الكتاب في لحظة ثقافية حرجة، حيث يغيب بها السرد الجاد، وتتبدد الحكايات بين سطحية الشاشة وفوضى التكنولوجيا، ليذكرنا بأن الفن الجماهيري يمكن أن يكون عميقاً، وأن الحلم، حتى لو بدا مستحيلاً، يظل شرطاً للحياة.
لا يقتصر كتاب «النهار والشجن» على استعراض أعمال الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة (1941–2010)، بل يقدم قراءةً نقديةً متكاملةً لمشروعه الإبداعي ككل، باعتباره ظاهرةً ثقافيةً وفكريةً تمتد من القصة القصيرة للرواية، ومن المسلسل التلفزيوني للسيناريو السينمائي والمسرح، ويؤكد المؤلف منذ المدخل أن عكاشة لم يكن «كاتب دراما» فحسب، بل مثقفاً عضوياً بالمعنى الغرامشي، حمل همّ عصره وأمّته، وجعل من الحكاية وسيلةً لفهم التاريخ، وتشريح الواقع، وبناء ذاكرة جمعية.
ثنائية جوهرية
ومن هنا، يختار شلتوت عنوان «النهار والشجن» كتعبير دقيق عن ثنائية جوهرية في عالم عكاشة، فالنهار رمز للأمل الذي حمله جيل الخمسينيات والستينيات، بينما الشجن يرمز إلى الخذلان والانكسار الذي أعقب الهزائم السياسية والتحولات الاجتماعية. هذه الثنائية ليست تناقضاً، بل توازن إنساني يمنح أعمال عكاشة صدقها وعمقها، ويشرح سبب بقائها حيّة في الوجدان رغم مرور العقود.
ويعيد المؤلف تذكيرنا بأن عكاشة بدأ كاتباً أدبياً قبل أن يصبح أيقونة تلفزيونية، فمجموعتاه القصصية «خارج الدنيا» (1967) و«مقاطع من أغنية قديمة»، وروايته الأولى «أحلام في برج بابل» (1984)، كانت بمنزلة المختبر الأول لأفكاره وشخصياته، وقد خصّص شلتوت القسم الأول من كتابه لقراءة متأنية لأعماله الروائية، من «منخفض الهند الموسمي» إلى «شق النهار»، آخر وصاياه الأدبية.
وعي مفرط
ويكشف التحليل أن الرواية عنده كانت مساحةً أكثر حميمية وجرأة، تتيح له قول ما لا تستطيع الشاشة قوله، ففي «منخفض الهند الموسمي»، يستعير الظاهرة المناخية كاستعارة للحر الأخلاقي والاجتماعي الذي يعصف بالناس.
أما في «جنة مجنون» فيقلب المعادلة: الجنون ليس مرضا، بل وعي مفرط بعبثية الواقع، وفي «سوناتا لتشرين» و«شق النهار»، يتجه للتأمل الوجودي، متأملا العلاقة بين الحلم والواقع، والذاكرة والغياب، والفرد والسلطة.
أما القسم الثاني من الكتاب فيركز على المشروع الدرامي لعكاشة، والذي حول التلفزيون من وسيلة تسلية إلى «أرشيف بصري» للتاريخ المصري الحديث، فـ«ليالي الحلمية» ليس مجرد مسلسل، بل ملحمة تغطي نصف قرن من عمر الوطن، من الملكية إلى الانفتاح، و«الشهد والدموع» ليس قصة عائلة، بل تشريح لصراع الطبقات وللعنة الميراث الاجتماعي، و«أرابيسك» ليس حكاية حرفي، بل سؤال عن الهوية في زمن العولمة.
ويشير شلتوت إلى أن عكاشة كان سبّاقاً في توظيف البنية الملحمية بالدراما، حيث تتعدد الأصوات، وتتشابك الحكايات، ويتفاعل الخاص مع العام، كما يبرز الدور المحوري للمرأة في أعماله، ليس كضحية، بل كفاعل اجتماعي وضمير أخلاقي، كما في شخصيات نازك السلحدار، حورية في «عصفور النار»، أو أبلة حكمت.
هواجس كبرى
وفي القسم الثالث، ينتقل المؤلف من القراءة الجزئية إلى التركيب العام، فيستخلص خمسة «هواجس كبرى» تشكّل العمود الفقري لمشروع عكاشة:
الحب: ليس رومانسية، بل ساحة صراع طبقي وقيمي، غالباً ما ينتهي إلى الانكسار.
الحرية: قيمة وجودية يسعى إليها الفرد، لكنها تحاصرها قوى المجتمع والدولة.
المال: ليس مجرد ثروة، بل سلطة جديدة تفسد القيم وتعيد تشكيل العلاقات.
السلطة: متعددة الأوجه، من الأب إلى الدولة، ومن العرف إلى المال.
الهوية: سؤال مفتوح، يتجلى في شخصيات مثل بشر عبدالظاهر في «زيزينيا»، أو حسن النعماني في «أرابيسك».
ويؤكد شلتوت أن هذه الهواجس لا تعيش منفصلة، بل تتفاعل في شبكة معقدة تكشف عن رؤية عكاشة للإنسان والمجتمع.
شخصية درامية حيّة
ويخصص المؤلف فصلاً مستقلاً لدور الإسكندرية في دراما عكاشة، موضحا أنها ليست مجرد مكان، بل شخصية درامية حية، تمثل مصر المصغرة: من التنوع الكوزموبوليتاني في «زيزينيا»، إلى الصراع الطبقي في «الراية البيضا»، وصولاً إلى الهامش الشعبي في «عفاريت السيالة».
ومن أبرز الإسهامات النقدية في الكتاب تسليط الضوء على ما يسميه المؤلف «الشخصية الدونكيشوتية» في عالم عكاشة: ذلك الحالم الذي يقاوم طواحين الهواء، متمسكا بمبادئه رغم هزيمته. أبو العلا البشري، حسن النعماني، زينهم السماحي، كلها شخصيات تمثل ضمير المجتمع، وتكشف أن الهزيمة الحقيقية ليست في سقوط الحالمين، بل في انكسار عالمهم أمام سطوة المال والفساد.
وظيفة السرد
ويختتم أحمد رجب شلتوت كتابه بتذكيرنا بأن عكاشة لم يكن كاتبا من زمن مضى، بل صوت ضمير لا يزال يدقّ في صمت هذا العصر، ففي زمنٍ يُراد له أن يكون بلا ذاكرة ولا أسئلة، يصبح الحالم المهزوم بطلاً أخلاقياً، وتصبح الحكاية فعل مقاومة.
«النهار والشجن» ليس مجرد دراسة أدبية، بل دعوة لاستعادة وظيفة السرد كأداة للفهم والمقاومة، وتأكيد على أن الحلم، حتى لو كان مستحيلاً، يظل شرطاً أساسياً للحياة، وهو بذلك يقدم خدمةً ثقافيةً جليلة، ليس فقط لعشاق عكاشة، بل لكل من يؤمن بأن الفن يمكن أن يغيّر العالم، ولو بكلمة طيبة واحدة.


































