×



klyoum.com
kuwait
الكويت  ١١ أيلول ٢٠٢٦ 

قم بالدخول أو انشئ حساب شخصي لمتابعة مصادرك المفضلة

ملاحظة: الدخول عن طريق الدعوة فقط.

تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

klyoum.com
kuwait
الكويت  ١١ أيلول ٢٠٢٦ 

قم بالدخول أو انشئ حساب شخصي لمتابعة مصادرك المفضلة

ملاحظة: الدخول عن طريق الدعوة فقط.

تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

موقع كل يوم »

اخبار الكويت

»ثقافة وفن» جريدة القبس الإلكتروني»

«بلا عنوان».. القيصر يعود بألبوم يليق بتاريخه

جريدة القبس الإلكتروني
times

نشر بتاريخ:  الخميس ١٠ أيلول ٢٠٢٦ - ٠١:٠٤

 بلا عنوان .. القيصر يعود بألبوم يليق بتاريخه

«بلا عنوان».. القيصر يعود بألبوم يليق بتاريخه

اخبار الكويت

موقع كل يوم -

جريدة القبس الإلكتروني


نشر بتاريخ:  ١٠ أيلول ٢٠٢٦ 

أمجد جمال -

يضع ألبوم «بلا عنوان» كاظم الساهر في مساحة الفنان الذي لم يعد معنياً بأن يثبت شيئاً لأحد، الساهر الذي قضى عقوداً في اختبار الأشكال الموسيقية والقصيدة العربية والعاطفة والغناء العراقي، يصل هنا إلى درجة من السمو الفني تجعله يفعل ما يحب، ويصنع ما يستمتع بصنعه. والمفارقة أن الفنان الذي يبدو في هذه المرحلة أقل انشغالاً بالمنافسة، جعل المنافسة أكثر صعوبة على الآخرين.

ثماني عشرة أغنية يضمها الألبوم، تشبه فصولاً متعددة في تجربة رجل وفنان بلغ قمم الخبرة والنضج. ولعل عنوان «بلا عنوان» هو أولى مفارقات هذا المشروع. فكيف لألبوم بهذا الامتلاء الشعري والموسيقي والوجداني أن يختار لنفسه اسماً يوحي بالفراغ؟ قد يكون اختيار كاظم الساهر لعنوان «بلا عنوان» تعبيراً عن رفضه حصر هذه التجربة الواسعة في إطار ضيق، بعدما أصبحت مشاعره وأسئلته وتحولاته أكبر من أن يختزلها عنوان واحد. وقد يكون العنوان، مرآة لرحلة رجل أنهكته السنوات ومرّت به تجارب كثيرة، حتى صار عدم الثبات جزءاً من حكايته، عدم الثبات في مكان واحد، أو حالة واحدة، صار هو كل الأشياء وعكسها، وبات الرجوع إلى مرجوعه الأوّلي أكثر صعوبة.

لذا يبدو في هذا العمل وكأنه يحاول وصل بعض الجذور ليشعر هو نفسه بالاطمئنان الوجداني، وهنا حيث تظهر الهوية العراقية في الألبوم كأنها الملاذ لرجل «بلا عنوان». يظهر العراق في الكلمة، وفي الإيقاع، وفي المقام، وفي طريقة بناء الجملة الغنائية. وتبرز الهوية العراقية في «بلا عنوان» بصورة ربما هي الأوضح في أعمال الساهر الأخيرة، من خلال الحضور الكثيف للإيقاعات العراقية المحلية الأصيلة، مثل الجوبي والجورجينا والهجع والحطابة.

أيضا يستعيد القيصر شيئاً من ذاكرته الفنية، عبر عودة التعاون مع أسماء كان لها تأثير كبير في تشكيل مسيرته الفنية، مثل الشاعرين عزيز الرسام وأسعد الغريري، بعد انقطاع تجاوز عشرين عاماً منذ آخر تعاون. وإلى جانب ذلك، تمتد ثنائيته التاريخية مع الشاعر الراحل كريم العراقي في أغنية واحدة، لتظل تلك العلاقة حاضرة، ولو بقدر محدود، بينما تصدى القيصر لكتابة معظم أغنيات الألبوم بنفسه.

وهنا تكمن واحدة من أهم مفاتيح قراءة الألبوم، كاظم الساهر في «بلا عنوان» لا يبحث عن نصوص تناسب صوته فقط، بل يخلق بقلمه النص الذي يحتاجه صوته. يبدو الألبوم، في جانب كبير منه، كأنه خلاصة رجل يعرف تماماً ماذا يريد من الفن.

هذا الإحساس بالتحرر لا ينفصل عن طريقة إنتاج الألبوم نفسها. بعيداً عن حسابات السوق التقليدية، ينتج الساهر مشروعه لنفسه، بإشراف إنتاجي من نجله وسام، الذي يتعامل بعقلية شديدة العصرية فيما يخص خطة التسويق، وأسلوب الطرح الذكي الذي امتد على مراحل عدة محسوبة، وذلك بالتعاون مع الشريك التنفيذي «ثيرد كالتشر للترفيه». حيث نجحت إستراتيجية إصدار الأغنيات قبل طرح الألبوم كاملاً. ست أغنيات خرجت منفردة على مدار الشهور الماضية، واحدة تلو الأخرى، مع توقف محسوب أثناء فترة كأس العالم، كل أغنية صنعت زخماً خاصاً بها، ثم أضافت طبقة جديدة إلى حالة الانتظار والترقب، حتى وجد جمهور القيصر نفسه أمام لحظة إصدار الألبوم الكامل وهو لا يشعر بأنه أمام عمل جديد تماماً، وإنما أمام الصورة الكاملة التي ظل يجمع قطعها طوال أسابيع.

أيضا، خطة طرح الألبوم تخللها لقاء إعلامي للساهر في بودكاست ABtalks مع المحاور أنس بوخش. تلك الحلقة حققت انتشاراً لافتاً، وأثارت ردود فعل واسعة، وجاءت منها مقتطفات فنية مشوّقة لما يُحضّر له القيصر في الألبوم، فضلاً عن جوانب إنسانية وحياتية كشف عنها للمرة الأولى، لدرجة تجعلنا نقرأ كثيراً من الأغنيات التي ألفها على ضوء ما سمعناه في هذا اللقاء.

وعلى صعيد الصوت والأداء، يواصل كاظم الساهر تأكيد أن الزمن لم يأخذ من حنجرته شيئاً، بل منحها مزيداً من الرسوخ؛ صوته مثل الذهب لا يقل لمعانا. وعلى مستوى التلحين، لا يزال القيصر يتعامل مع المقامات الموسيقية، الشائعة منها والنادرة، بخفة لاعب يعرف أدواته تماماً، فينتقل بينها ويطوعها لخدمة الحالة تعبيريا، أو استعراضيا في أحيان من أجل المتعة. أما التوزيعات، فمهما اختلفت أسماء الموزعين، تظل هناك بصمة واحدة تجمعها، إنها رؤية القيصر الموسيقية التي تفرض روحاً ونسقاً واضحين على مختلف تفاصيل المشروع.

أحباب.. افتتاح مناسب

«أحباب» من كلمات وألحان كاظم الساهر وتوزيع محب الراوي، وتأتي افتتاحاً مناسباً لعالم «بلا عنوان»، بأغنية ترصد علاقة عاطفية تنزلق من دفء المحبة إلى مرارة الخلاف، ثم إلى قرار توافقي بالفراق، مع حالة من التسليم الناضج بالأمر الواقع التي تختصرها جملة: «اتبع قلبك وابعد عني.. إن شاء الله بحبك متهني». ويترجم كاظم الساهر هذا المسار الدرامي ببناء موسيقي ثري؛ فاللحن يبدأ من مقام الكُرد «ري» بحالة سردية هادئة، قبل أن تتسلل نغمات الحجاز مع شعورنا بتفتت آخر بقايا الود في هذه العلاقة، ثم يتصاعد الشجن عبر الحجاز وجنس فرع النهاوند في «إصحى من أحلامك...»، وصولاً إلى مقام الشهيناز مع ذروة مشاعر الخسارة في «هاي الدنيا وهذا نصيب»، قبل العودة إلى الكُرد في الختام، وكأن الرحلة النفسية اكتملت وعادت إلى نقطة بدايتها. ويزداد البناء ثراءً بتنوع الإيقاعات؛ من الرومبا إلى الروك، ثم الوحدة الكبيرة والمقسوم البلدي.

ويكشف توزيع مُحب الراوي عن رغبة واضحة في الجمع بين أناقة الصوت الغربي وأصالة الهوية الشرقية؛ إذ تبدأ الأغنية بعزف بيانو ذي طابع كلاسيكي حالم، قبل أن يدخل الرق ويغير طبيعة المشهد، ثم تتجاور الوتريات والنحاسيات مع إيقاعات شرقية وغربية متعاقبة. حتى صوت الساهر نفسه يصبح جزءاً من التوزيع، عبر الآهات والتنهدات والهمهمات التي تملأ المساحات الفارغة بين الجمل، وتحوّل ما لا تقوله الكلمات إلى مادة موسيقية.

«هو أنت».. العودة إلى الجذور

في «هو أنت» يستعيد كاظم تعاونه مع الشاعر عزيز الرسام بعد أكثر من عقدين، في عودة واضحة إلى جذور روائعه العراقية، لكن بروح أكثر بساطة وتكثيف. تسرد الأغنية مواجهة مع حبيب عاد بعد فوات الأوان، حيث يحوّل بطل الأغنية وجعه القديم كبرياء وعتاباً، رافضاً الصفح والعودة، ثم يلوّح بالكارما باعتبار أن الظلم لا بد أن يرتد إلى صاحبه.

ويترجم الساهر هذه المشاعر موسيقياً عبر لحن روائي بامتياز، يبدأ بهمهمات استهلال الحكاية بأداء صوتي آسر لكاظم وكأنه يقول «كان ياما كان»، ثم يبدأ الغناء من مقام الكُرد بصوت يملأه الشجن «هو أنت....»، وينتقل إلى الحجاز في «ما اكتفيت ومارضيت» ويمر على نفس الميلودي الحجازي في «اللي يظلم ينظلم..»، ثم يذهب لمقام البياتي في «قلت عني قاسي...» قبل العودة إلى الكُرد الذي بدأ منه، ليصبح تنوع المقامات جزءاً من الدراما النفسية للأغنية.

أما توزيع محب الراوي، فيجمع بين الآلات الحية كالعود والقانون والناي والوتريات والجيتار الكلاسيكي، وبين الإيقاعات الشرقية والرومبا العراقية. ويضيف الساهر همهماته وآهاته إلى النسيج الموسيقي، ولكن هذه المرة يفعلها بطريقة أكثر رهافة.

«إلا أجيبك».. أجمل ثمرات «العامية العراقية»

في «إلا أجيبك» يواصل كاظم اقتطاف أجمل ثمرات العامية العراقية، مستعيداً بساطة ووهج أغنياته في التسعينيات، برؤية تناسب جمهور اليوم. كتب الساهر النص مقدماً حالة عاشق مُتيَّم يجد صعوبة في الوصول إلى قلب محبوبته. أجمل ما في القصيدة حين يتقبل بطل الأغنية حالة الحب التي يعيشها لحلاوة الشعور ذاته، حتى لو لم يتمكن من قلب المحبوبة أبدا، وذلك في قوله «حتى لو وهم بخيالي من سراب الوهم أروى».

موسيقياً، يترجم الساهر هذه التقلبات عبر رحلة مقامية تبدأ بـمقام الكُرد من درجة فا بجملة تعكس التصميم وقوة إرادة المُحب. وفي شطر «كلشي ممكن يا حبيبي»، يحدث انتقال ممتاز إلى مقام البياتي الشوري من درجة فا، وهو مقام نادر الاستخدام يدمج البياتي والحجاز، ليمنح الأغنية جرعة مكثفة من الحس الطربي الأصيل الذي يوازن شجن ورومانسية الكرد. ويرتفع الأداء التعبيري للقيصر إلى قمته عند جملة «الموت بمحبتك يسوى». قبل أن يقرر العودة مجدداً إلى مقام الكرد في مقطع «لا يا قلبي وين رايح»، ولكن بدرجة ركوز مغايرة «سي بيمول»، ولا يترك كاظم مقام البياتي الشوري قبل أن يمر عليه مرة أخيرة في «ايش هالمحبة»، ثم يرجع مع الكورال إلى كرد (فا) الذي بدأ الغناء منه في «هو هذا الحب».

أما توزيع مُحب الراوي، فيجمع بين الطابع الكلاسيكي الرومانسي وحيوية الموسيقى الشرقية، من الكمان والبيانو إلى المزمار والآلات الإيقاعية، مع تنوع واضح بين المقسوم والرومبا والوحدة. ويمنح حضور الكورال النسائي والرجالي الأغنية طابعاً أكثر حيوية واحتفالية، خصوصاً في المقاطع الحماسية مثل «وراك وراك...».

«عشر دوخات».. كلمات كريم العراقي

من كلمات كريم العراقي وألحان كاظم الساهر وتوزيع محب الراوي. وتتسم بلغة غزلية شفافة تنقل مشاعر الهيام والتعلق الحسي والرومانسية الرقيقة، حيث تتجلى جماليات النص في صور شعرية مميزة، وأوصاف تجعلك كمستمع تقع في إعجاب تلك الشخصية الخيالية بالقصيدة. واللافت عبارة «معك القهوة حلوة بغير سكر» كتوظيف للتفاصيل اليومية البسيطة لإبراز أثر وجود الحبيب الذي يضفي الحلاوة على أبسط لحظات الحياة، حيث يعتمد النص على مفردات سلسة من اللغة اليومية الدارجة، ما يجعله قريب من القلب.

وعلى الجانب الموسيقي، صاغ القيصر اللحن من مقام عجم (فا) بطابعه المبهج والمريح للنفس ليتناغم مع أدائه الغنائي المليء بالهمس والنعومة، كاظم في هذا الألبوم مثله مثل الممثل المسرحي البارع، يتقمص بصوته شخصية جديدة في كل أغنية.

بين كل من كتبوا للساهر، هناك كيمياء خاصة بين نصوص كريم العراقي وصوت كاظم، حتى لو اقتصرت هنا على أغنية واحدة مثل «عشر دوخات»، سيكفي لتكون هي بالتأكيد قنبلة من قنابل الألبوم.

بينما قدم الموزع محب الراوي رؤية تجمع بين البهجة والرصانة الإيقاعية عبر المزج بين المقسوم الشرقي وإيقاع الرومبا بالبيركاشن العالمي واكتملت هذه اللوحة الفنية بافتتاحية ساحرة من آلة الهارب والجيتار الكلاسيكي، قبل أن نسمع صولوهات شجية قادتها آلات الناي والأكورديون والوتريات.

«راحت عليك»

«راحت عليك» كتبها كاظم الساهر، وعلى السطح تبدو وكأنها عن فكرة الحبيب العائد بعد فوات الأوان، حيث يُقابل برفض قاطع مُحاط بالكبرياء والعتاب الصارم مثلها مثل «هو أنت». لكن الحقيقة أن موضوعها أعمق من ذلك، حيث تظهر مفاجأة النص في منتصف الأغنية مع تكرار عبارة «قالت قالت»، ليتبين أن القصيدة تُسرد بلسان امرأة لا رجل، امرأة تعرضت لظلم وقسوة بالغين من رفيق حياتها، مما أدى إلى انعدام أمانها المطلق تجاهه. صرّح كاظم، في حواره مع أنس بوخش، أنه استلهم هذه القصيدة من تجربة أم انقلب عليها الزمن والرفاق والأبناء وآل مصيرها لتقيم في «دار العجزة»، ألهمته تلك السيدة بلسانها الذي يفيض حكمة، وعاطفتها التي تملأ الدنيا لتشمل حتى من خذلوها. تبنى كاظم موقفاً دفاعياً عنها في القصيدة، وبات يردد تعبيرات حادة بلسانها تعكس مدى القسوة والجحود، وانهيار الثقة بالمستقبل، كما في القول الشديد المعنى: «يمكن إذا هدني الزمن ترميني بالشارع.. يمكن على موتي أبد ما عندك أي مانع»، حيث فضّل كاظم هنا النهج الواقعي للكلمة واستغنى مؤقتاً عن قاموسه الشاعري. ثم يتوج هذا النص بذروة الكبرياء في الجملة الحاسمة: «خليني أتشرد ولا أكون الك تابع»؛ هنا حيث امرأة تؤثر حياة الوحدة في البقاء تحت وطأة رفيق لا يؤمن جانبه.

وعلى الصعيد الموسيقي، صاغ كاظم الساهر اللحن من مقام كرد من درجة «لا» بأسلوب درامي يعتمد على التصاعدات التعبيرية التي تتأرجح بين التعاطف مع المرأة والحدة في الرد بلسانها، مع أداء غنائي يفيض بالصدق والحساسية. بينما جاء توزيع ميشال فاضل خارجاً عن المألوف باكتسائه قالب الهارد روك؛ حيث وظف الدرامز الصاخبة وكوردات الجيتار الكهربائي ذي الصوت المشوّش الغليظ ليعكس الحجم الفعلي للقسوة والعدوانية في هذا العالم. وتترجم الموسيقى حالة الغضب والرفض المطلق التي يحملها النص ضد العقوق والجحود والخيانة. كمل تضمن التوزيع تعظيما لدور الكورال على الطريقة الإنشادية.

«متى».. حالة عشق ينهشه الغياب

«متى» من كلمات وألحان كاظم الساهر وتوزيع هشام نياز. فيها يستلهم الساهر قالب الأبوذية الشعري، وهو قالب شهير في الشعر العراقي الشعبي، يُعظِّم هذا القالب من استخدام أداة «الجناس» اللغوي. فيصيغ هنا حالة عاشق ينهشه الغياب والاشتياق.

ويختار الساهر مقام الحجاز كار، الذي يتكون من جنسي حجاز فيمنح المسامع شجناً شرقياً عميقاً ومساحة واسعة للسلطنة، بينما يحافظ اللحن على روح الطقطوقة الكلاسيكية عبر التنقل بين المذهب وأغصان عدة. وتبلغ الأغنية ذروة تأثيرها في الغصن الختامي أو الكودا، حين يتحول الغناء إلى مساحة حرة أقرب إلى الموال، يسخّر فيها القيصر كامل طاقته الصوتية.

أما التوزيع، فيمنح «متى» هوية عراقية واضحة من خلال العود والناي والكولة والربابة والكمان الشرقي وإيقاع المقسوم، مع مفارقات لافتة في المعالجة؛ فالنحاسيات في الفواصل تُستخدم بروح الفرق الشعبية العراقية التي تعزف في الأعراس، وكأنها «زفة» تتراقص على وجع العاشق، بينما تتلون الهارمونيات لتعطي لمحات من الجاز في بعض المناطق. ثم تتراجع كثافة الآلات تدريجياً حتى تأتي اللحظة الأكثر تأثيراً حين تصمت الإيقاعات في الكوبليه الختامي، ويبقى صوت الساهر وحده يحمل نداءه الأخير. بهذا التناقض بين الصخب والصمت، وبين الاحتفال والوجع، تكون «متى» واحدة من الأغنيات التي تكشف بوضوح كيف يستطيع الساهر أن يجعل التراث العراقي منهل لتجديد مدرسته الموسيقية.

«جمالك».. لغة عذبة تقوم على التغزل

أغنية «جمالك» تمثل التعاون الأول بين كاظم والشاعر الكويتي سعد المسلم، الذي كتب أنشودة غزلية تفيض بالرقة وذكاء الوصف. وتتناول موضوع الانبهار والدهشة المتجددة أمام حُسن المحبوبة الذي يتجاوز حدود الوصف والزمن، إذ يفتتح الشاعر قصيدته باستفهام تعجبي في قوله «يحب يوصل جمالك وين.. أبو أوصاف مدري منين». وتصل الشاعرية أوج طرافتها في المتوالية الزمنية: «قبل يومين أحلاهم وبعد يومين أطغاهم.. وأنا والله مو فاهم بعد سنتين شتسويّن»، قبل أن يختتم هذا الشغف بالإشارة إلى سطوة العيون في «عليك عيون لو تنوي كل شي تقدر». يعتمد النص على لغة عذبة وسلسة تقوم على التغزل المباشر.

وعلى الصعيد الموسيقي، صاغ كاظم الساهر اللحن من مقام نهاوند صول مع التفاتات مؤقتة نحو كرد ري؛ إذ يقتصر اللحن على أبعاد السلم الصغير وحده، وما يحمله من عاطفة ورومانسية ودفء، ليقدم لحناً يتسم بالبساطة والتأثير المباشر في المشاعر. واعتمد توزيع عثمان عبود على التلوين بين الأصوات الشرقية ببروز آلات القانون والناي والوتريات، متوِّجاً الجمل الموسيقية بفاصل مزماري مميز عبر الكيبورد، مع التنوع والسلاسة في التنقل الإيقاعي بين حيوية المقسوم وفخامة الرومبا، مما أضفى على الأغنية روحاً مبهجة ومتوازنة.

«وشم».. تغوص في العلاقات السامة والتعلق المرضي

أغنية «وشم» من كلمات الشاعر أسعد الغريري، وتغوص في قاع العلاقات السامة والتعلق المرضي الذي يكبل عاشقاً متيماً بطرف يحترف في إهماله ويخذله باستمرار، لكن العاشق يجد نفسه عاجزاً عن التحرر أو الخروج من هذا السجن الوجداني لأن العشق استقر في أعمق طبقات روحه. وتتجلى جماليات النص في توظيف تشريحي لأعضاء الجسد وصور الفراق الممكنة لبيان استحالة الانفصال؛ حيث يستخدم الغريري مقاربة مفاهيمية ذكية بين الجسدي والروحي في قوله: «لو كنت في صدري وشم، أو كنت في شرياني دم، لو كنت كفاً أو كنت فم، والله كنت استغني عنك للأبد»، مبرزاً أن الوشم يسهل محوه وحتى أعضاء الجسد يمكن استئصالها أو بترها ولو نظرياً، بينما تكمن المفارقة المؤلمة في قوله: «لكنما روح أنت في هذا الجسد، ومالي غنى عنك أبداً»، وهو المفهوم العصي على البتر أو التخلص منه. وتصل حالة الإدمان العاطفي أوج قسوتها وتناقضها حين يعترف الراوي بعماه الوجداني أمام الإساءة في عبارة «حتى القساوة منك كنت أحسبها إحسان»، ليصيغ النص لوحة شعرية شديدة القتامة عن وطأة العشق السام عندما يتحول إلى قدر لا مفر منه.

وعلى الصعيد الموسيقي، صاغ كاظم الساهر هذه القصيدة بأسلوب لحني مركب يُعد درساً في التلاعب بالنغم والتنقل المقامي المفاجئ؛ إذ يستهل المذهب من مقام النهاوند على درجة دو في «لو كنت في صدري وشم»، قبل أن يباغت الأذن بانتقالة ذكية إلى مقام اللامي على درجة صول عند «لو كنت كف» عبر تخفيض الدرجة الخامسة لكرد الصول ونطق نغمة «الدو دييز»، ثم يعود سريعاً للنهاوند في «أو كنت فم» مستحدثاً رفعاً للرابعة «من الفاء إلى فا دييز» ليتشكل مقام النكريز على درجة النهاوند نفسها، وذلك كله في المساحة التمهيدية الأولى فقط. وتستمر الألاعيب النغمية في الكوبليه الثاني حين ينطلق من كرد الصول في «يا غلطة أولها ندم» ثم يعرج خاطفاً لمقام اللامي بالطريقة ذاتها بملامسة «الدو دييز»، ليصل أداؤه الصوتي إلى أوج ذروته التعبيرية والشجية عند عبارة «عذبت روحي تموت فيك». وجاء توزيع شاكر حسن ليعزز هذا التعقيد اللحني؛ حيث يبدأ بمدخل كلاسيكي من عزف البيانو الرقيق المتصاعد نحو أوركسترالية الوتريات والنحاسيات، قبل أن يدخل كاظم الغناء على قالب الجاز اللاتيني بتآلفات هارمونية مركبة تتناسب مع التحولات المقامية، وردود تتسم بطابع الارتجال الذي يميز موسيقى الجاز. لينتقل في المقطع الثاني إلى إيقاع الوحدة المدعوم بلمسات البيركاشن الشرقي، مما منح الأغنية ثراء درامياً موسيقياً لافتاً.

«هي قوة».. كاظم يدلل على تمكنه الشعري

كتبها كاظم الساهر ليُدلل مجدداً، ليس على تمكنه الشعري فقط، بل على تنوع مصادر إلهامه وتعدد القوالب التي يحكمها بقلمه. تتجلّى الهوية العراقية في هذا العمل كواحدة من أكثر أغاني الألبوم تكريساً للروح والتراث، حيث تمزج لوعة العشق بتهكّم وبلاغة اللسان الشعبي وتلقائيته. وتأتي جمالية الكلمات من قدرتها على تحويل المعاناة إلى سخرية سوداء عفوية تفيض بالجمال الفولكلوري، ولا سيما في التهكم المحبّب «على شنهو العالم تحسد؟ على هذي العيشة التحفة»، حيث تتنفس الأغنية ريح دجلة والفرات، وتمنح الألبوم بصمة عراقية خالصة.

وعلى الصعيد الموسيقي، ينثر الساهر سحره الخالص من خلال صياغة لحنية تتسق تماماً مع عفوية النص؛ إذ يبني الجملة الرئيسية للأغنية على مقام البياتي من درجة صول، وهو المقام ذو النكهة الشعبية الراسخة. ولا يخلو اللحن من استعراض خفيف للعضلات النغمية حين ينتقل بسلاسة في شطر «ولا مرة يواسي العين» إلى مقام «البياتي الشوري» عبر إدخال نغمة (دو دييز) التي ترفع من شحنة الشجن والشرقية. كما يعتمد القيصر على تكرار بعض المفردات المفتاحية مثل كلمة «قوة»؛ لتكريس بساطة الفكرة اللحنية وتسهيل سرعة حفظها وترديدها من قبل المستمع، وهو المغزى من روح الفولكلور، مُتوجاً ذلك بأداء غنائي يتسم بالبساطة والرحابة. وتكتمل الحالة الشعبية بتوزيع الموزع عثمان عبود الذي صدّر العمل بصولو مزمار (كيبورد) في المقدمة، متكئاً على إيقاع «الملفوف» الراقص، مع توظيف ذكي ومميز لأصوات الكورال لتعميق الروح الفولكلورية.

«تجاهلني».. مناورة غرامية حافلة بالذكاء العاطفي

تتناول أغنية «تجاهلني»، التي كتب كلماتها الشاعر يحيى العلاق، مناورة غرامية حافلة بالذكاء العاطفي والتحدي اللذيذ بين حبيبين، حيث يحث بطل الأغنية محبوبته بسخرية محببة على الاستمرار في المكابرة: «مثّل سوّي روحك أبد ما مهتم»، مستعرضاً يقينه المطلق بعمق العاطفة المخبأة في قوله: «والله تحبني حب بس الله يعلم.. تسهر لي وتغني لي وصاير نجمة في ليلي». وتصل الشاعرية الشعبية ذروتها حين يفضح النص التناقض بين لغة الجسد ولغة اللسان في عبارة: «نظراتك تخونك، غرامك واضح بلونك.. قسوة لسانك عكس ما قالت عيونك»، حيث يقدم العلاق نصاً عذباً يجمع بين المشاكسة العاطفية ودفء الاعتراف بالحب.

ويستقر لحن كاظم الساهر على مقام الراست من درجة فا، ليتشكل بناء لحني مرن يعكس حركة المناورة والتردد بين الحبيبين. ويتحول الساهر ببراعة نحو مقام السوزدلار «وهو مقام نادر الاستخدام» في مقطع «تجاهلني بعد تعبني عذّبني.. وتظاهر بعد حَسّسني ما تحبني»، من خلال التلاعب بجنس الفرع وتحويله إلى النهاوند على درجة دو. ثم ينتقل مجدداً إلى مقام البشاير «وهو مقام نادر الاستخدام» نسمعه عند عبارة «بس نظراتك تخونك.. غرامك واضح بلونك»، وذلك عبر تحويل جنس الفرع إلى الكرد على درجة دو. وبذلك يكوّن كاظم لحنه وفق ثلاثة أشكال مختلفة لمقام الراست «الراست الأساسي، والراست مع النهاوند، والراست مع الكرد»؛ وهي انتقالات مقامية فرعية دقيقة داخل السلم ذاته تترجم موسيقياً حالة الكر والفر العاطفي، والتأرجح بين إخفاء المشاعر وإظهارها في هذا التحدي اللذيذ بيت الحبيبين.

«سجلتك غياب».. تعكس مرارة الفقد مع الحيرة

أغنية «سجلتك غياب» كتبها كاظم الساهر لتروي تجربة عاطفية تعكس مرارة الفقد مع الحيرة في تفسير غياب المحبوبة؛ وتتركز البلاغة بجملة «سجلتك غياب»، والتي تُحيل الفعل الإداري الروتيني إلى توثيق مؤلم لخيبة الأمل وإعلان رسمي للفراق. بينما تحمل عبارة «يسألوني عليك وما عندي جواب» خلاصة الانكسار وحيرة المحب أمام تطفل المحيطين وشائعات عيش الحبيب «متهني وسعيد» بعيداً؛ لتجتمع في النص جماليات العتب الصادق وشساعة الفجوة بين ذكريات الحنين وواقع الخذلان.

وعلى الصعيد الموسيقي، ينطلق لحن الأغنية التي صاغها كاظم الساهر من مقام الكرد على درجة «صول»، ليُقدّم واحداً من أبسط ألحان الألبوم من خلال الالتزام بهذا المقام دون التنقل إلى مقامات أخرى، مما منح الأغنية حالة استقرار متواصلة، إذ أن حالة الغياب التي يشكو منها البطل هي حالة ممتدة وباردة وبلا تفسير وبلا شرح وبلا إجابات عن أسئلته، ومن ثم اللحن مستقر على مقام واحد. وتكفّل الموزع عثمان عبود بتقديم رؤية توزيعية تمزج بين البُعد الدرامي للنص مع اللمسة الشعبية؛ حيث بَرَزَت فواصل مزمار الكيبورد للربط بين الجمل اللحنية، مع الاعتماد الأساسي على إيقاع «المقسوم» الحيوي. كما تجلّى الذكاء التوزيعي في توظيف «الكورال» الذي لعب دوراً مؤثراً، حيث جسّد صوت الأشخاص المحيطين ببطل الأغنية الذين يلاحقونه دائماً بأسئلتهم الفضولية عن محبوبته الغائبة.

«كله كذب».. درس بالغ في كيفية احتواء دلال النساء

في إطار مدرسة عاطفية متفردة تجعل منه أستاذاً في «سيكولوجية المرأة»، يتفنن القيصر كاظم الساهر في أغنية «كله كذب» بتقديم درسٍ بالغ الأناقة في كيفية احتواء دلال النساء وتفكيك عبثية الخصام العابر. الافتتاحية تحسم الأمر عبر جملة «كله كذب هذا الزعل»، حيث ينزع الشاعر عن الجفاء أي جدية. إن احتراف فن التعامل مع الأنثى يبدأ من الفهم العميق لتركيبتها النفسية؛ وهو ما نلمسه حين يُشخّص طبيعة المحبوبة في عبارتي «مغرور بس طيب قلب» و«دلوع ويحب اهتمام»، يدرك القيصر أن هذا الغرور والدلال لا يُعالج بالندّية أو الجفاء، بل بالاستغراق في الاحتواء وإمطار الحبيبة بفيضٍ من الحنان كما تترجمها الصورة الفنية الشجية «أريد أضمه بمهجتي وأمطر عليه بوس وغزل».

وعلى الصعيد الموسيقي، ينطلق لحن الأغنية التي صاغها كاظم الساهر من مقام الكرد على درجة «صول»، ويستقر هنا معظم الوقت، بتقطيعات تتدفق وفق سيلٍ من العواطف الدافئة، قبل أن ينتقل بذكاء تعبيري إلى مقام الحجاز على نفس الدرجة عند وصوله إلى عبارة «خلاني أذوب بين إيديه..»، ليعكس الدفء والذوبان الوجداني في تلك اللحظة. وجاء توزيع الموزع محب الراوي متضمناً طاقة رومانسية هائلة تجسدت بوضوح في طريقة حركة الوتريات وانسيابيتها، وفي الافتتاحية العاطفية للبيانو، إلى جانب بهجة إيقاع «المقسوم» المدعوم بـ (الصقفة) الثنائية، والتي لم تكن مجرد إضافة إيقاعية، بل بدت بمنزلة دفع وتشجيع حماسي لبطل الأغنية ليمضي في قراره بمصالحة حبيبته وتدليلها، متجاوزاً أي جفاء أو كبرياء نرجسي. ثم جاء صولو الأكرديون في فواصل الأغنية بطلبع مُفرح وكأنه يصور جمال الحياة بجانب المحبوبة بعد إنهاء الخاصم.

«الحلوين».. حالة وجدانية

تنسج كلمات الشاعر بشير العبودي حالة وجدانية بها قدر من التجريد والغموض، وتتناول لوعة المشتاق وحيرته بين الأمل والجفاء. تبدأ بلاغة النص بالتساؤل «إيش قالوا الحلوين.. ذكرونا لو ناسين؟»، وهو سؤال يختصر كل القلق والخوف من نسيان الأحبة، ليتجه الشاعر بعدها إلى المناجاة والبوح بثقل السهر والتفكير في عبارة «يا صاحبي قل لي.. الليل شيخّلّي بعيون السهرانيين؟». وتتجلى الصورة الفنية الأبرز في قدرة العاشق على إخفاء حزنه بعبارة «أضحك كذب والروح تتألم». وتأتي الخلاصة الوجدانية للمشاعر في عبارة «يا سائلي عن لهفة المشتاق.. خلّي السؤال عيوني تتكلم»، لترسخ فكرة أن أصدق ما يعبر عن الشوق والحنين هي لغة العيون التي لا تعرف التزييف ولا تحتاج إلى كلام.

وعلى الصعيد الموسيقي، صاغ كاظم الساهر لحن الأغنية باعتبارها وصلة طويلة من المناجاة والشكوى الوجدانية؛ حيث استخدم بالتناوب مقام الكرد من درجة «لا» في مطلع «إيش قالوا الحلوين..»، ليتحول بسلاسة إلى مقام الصبا من نفس الدرجة عند عبارة «يا صاحبي قل لي الليل شيخلي..»، مستخدما نفس التناوب المقامي بين الكرد والصبا في الكوبليه الثاني. وتبرز جمالية مقام الصبا هنا بطابعه الحزين المعروف، ليعكس بجلاء مشاعر الحبيب القلق والمتألم من لهفة الاشتياق وخاصة مع وحشة الليل والسهاد، وتتجلى ذروة جمال الصبا في الدقيقة 02:50 حين تختفي أصوات الآلات الموسيقية باستثناء الناي والطبلة وصوت كاظم، وكأننا نسمع نمط طور الملاية العراقي بطابعه الشعبي الحزين. وفي التوزيع، اعتمد محب الراوي على إيقاع «المقسوم» بتشكيلات غنية ومتعددة طوال الأغنية، قبل الانتقال المؤقت لإيقاع «الرومبا» في شطر «ما نحتمل كافي يجرحونا..». وتتوج الافتتاحية الموسيقية بـ«صولو» كلارينيت شجي يتداخل مع أصوات «الماريمبا» ومصاحبة الطبلة البلدي، لتمهيد الطريق إلى قالب شرقي دسم مطعم بكل الأصوات والنكهات الشرقية الأصيلة.

«ولا أشكي لك».. بقلم كاظم الساهر

تطرح أغنية «ولا أشكي لك»، بقلم كاظم الساهر، موقفاً حاسماً يُقدّم عزة النفس والاستقلالية على استجداء العاطفة من حبيب مغرور. إذ يتخذ الشاعر قراراً مسبقاً بمنع الشكوى لإغلاق باب الشماتة أو المَنّ: «ولا أشكي لك ولا أبكي لك.. خلي الحسرة بصدري تجرح ولا تطلع بره». وتصل النبرة إلى ذروة التحدي بإعلان ترتيب الأولويات صراحةً: «عزة نفسي وراحة بالي حريتي الأول والثاني»، قبل أن يختتم هذا الموقف عبر تذكير القلب بقدرته على التجاوز: «هو كم يوم وأنسى وأفرح.. ولا تضعف يا قلبي دخيلك».

تشعر في لحن كاظم الساهر باستحضار روح عمالقة النغم سيد درويش وزكريا أحمد، مع التمثيل الأقرب لقالب الدور الذي طغى في مطلع القرن العشرين. وبنى القيصر لحنه على مقام الحجاز من درجة فا في معظم الأغنية، مع التنقل الوثَّاب بين الجوابات والقرارات في الكوبليه الأول. وفي الكوبليه الثاني، يعرج اللحن قليلا نحو النهاوند من درجة سي بيمول عند عبارة «ولا راح أتكلم وأتظلم...»، وهي انتقالة تحول درجة الركوز لتوفر تلوين في النبرة يخدم الموضوع. وجاء توزيع محب الراوي نابضاً بالهوية العراقية الأصيلة بمعاونة عازف الإيقاعات صفاء غريب، حيث استخدما إيقاع الخشابة (وهو التنويع العراقي على إيقاع الشفتاتلي الشرقي)، ولم يكتفوا بذلك بل انتقلوا بعدها لإيقاع الهجع العراقي في «ولا راح أتكلم وأتظلم...»، مدعوماً ببطانة متنوعة من الوتريات الشرقية، وصولوهات قانون حسن فالح، وناي محمد عاطف، وعود هيثم الحضرمي، لتكتسي الأغنية ثوباً عراقياً زاهياً.

«للأبد».. شاعرية عذبة تتوهج بنبل شعوري

على خطوات المعنى الخالد الذي اختزله موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب في مقولته «عشق الروح ملهوش آخر لكن عشق الجسد فان»، تعود أغنية «للأبد» للفنان كاظم الساهر لتبث الحياة في المعنى نفسه، ولكن بنظرة أكثر شمولية. يستهل النص رحلته بنفي موارب للأدوات المادية للحب: «ما أريد أحبك بالقلب.. ولا أريد أحبك بالعقل.. ولا أريد أحبك بالجسد»، وكأنه ينسحب خطوة إلى الخلف ليضعنا أمام حتمية فناء الحواس بفناء المادة نفسها، قبل أن يباغتنا بالبديل الأبدي الوحيد: «الجسد يفنى وينتهي.. بالروح أريدك للأبد». ومن هذا التسامي الفلسفي، يتحول إلى الامتنان للقدر في: «مولود أنا ببرج الهنا حتى أفوز بعشرتك»، مؤكداً أن العشق الحقيقي لا يكتمل إلا حين يتحرر من قبضة كل ما هو ملموس.

وتتجلى في هذا النص شاعرية عذبة تتوهج بنبل شعوري نادر، ما يجعلها أغنية الألبوم الأكثر رهافةً، وسمواً.

صاغ كاظم الساهر اللحن من مقام العجم من درجة دو، وهو المقام الذي يفيض براحة نفسية وابتهاج صافي يترجم زهد العاشق وسمو نفسه، ثم ينتقل في الكوبليه لمقام الكرد من درجة مي في عبارة «مولود أنا في برج الهنا....» ليترجم فرحة العاشق بحظه السعيد. ويأتي توزيع ميشال فاضل ليدعم هذه الحالة بنعومة وشاعرية خلابة تتجلى في فواصل الكمان والسترينجز ذات الطابع الغربي البحت، مع الاتكاء على إيقاع البوليرو اللاتيني الهاديء وكوردات الجيتار الكلاسيكي. وتبرز الذروة التوزيعية حين يسكن الإيقاع والآلات لوهلة ساحرة في الثلث الأخير من الأغنية، قبل أن يستجمع أجزاءه بذكاء من جديد؛ ليقود السامع نحو نهاية بالغة النعومة والانسيابية.

«تدخنين».. للشاعرة القديرة لميعة عباس عمارة

تعتمد قصيدة «تدخنين» للشاعرة القديرة لميعة عباس عمارة على ديالوج شعري مكثف ومشحون بالتحدي والكبرياء؛ يُحكى أن لميعة كتبت تلك القصيدة من وحي موقف حقيقي تعرضت له، حيث غازلها أحد الشعراء في ملتقى شعري، بطريقة تنطوي على ابتزاز فكري، واختبار لنمط حياتها ومدى تحررها، سألها: «أتتدخنين؟ أتشربين؟ أترقصين؟»، ليأتيه الرفض الحاسم والمكرر بـ«لا»، مما يدفعه إلى وصفها بـ«جمع لا» في تعبير عن ضيقه من عصيانها. وفي المقابل، يرتفع صوت المرأة بثقة عالية، وتتهكم عليه بوصفه «الخبير بالنسوان»، مؤكدةً أن استعصاءها عليه لا ينبع من مجرد التمنع أو الرجعية، بل من امتلاكها لكبرياء الشرق وإيمانها بتقاليده «كل حمول الشرق في أرداني»، فتعيد بذلك رسم موازين القوى؛ وتثبت أن محاولاته لا تزيدها إلا تحليقاً وارتفاعاً عن رغباته السطحية.

الطابع الأنثوي البحت في أشعار لميعة حال دون أن يغني القيصر أي أشعار لها سابقا، رغم كونه أحد المعجبين بما تكتب. لكنه وجد ضالته أخيرا في تلك القصيدة، التي تتحول إلى دويتو مع المطربة الشابة «سيندي لطي»، والتي أضافت بصوتها الدافيء بُعدا تنويعيا لألبوم «بلا عنوان».

ينطلق لحن كاظم الساهر من مقام الكرد من درجة (لا) في عبارة «تدخنين؟ أتشربين؟...» ينشدها بطبقة صوته الرخيمة، قبل أن ينتقل اللحن بصوت سيندي نحو مقام عجم (فا) عند «أنا التي تراني تراني»، مستعرضاً الاعتزاز والكبرياء. ثم تتنقل سيندي بسلاسة إلى مقام راست (ري) في «فما الذي يشد رجليك...»، ثم تتوج هذا الثراء المقامي بالعروج إلى مقام النهاوند عند عبارة «إن عطاء اليوم شيء ثاني...».

وجاء توزيع ميشال فاضل مدعّماً لروح المناظرة؛ إذ يبدأ بتسجيل صوتي للشاعرة الراحلة لميعة عباس عمارة وهي تتلو أبياتها، لتنطلق افتتاحية موسيقية من قالب الرومبا اللاتينية مع صولو أكورديون مليء بالمراوغة اللحنية التي تحاكي مناورة الرجل في مغازلة المرأة، فان استخدام إيقاعاً غربياً جاء ليساير نمط الحياة المتحرر. بينما ينقلب المشهد الموسيقي فور دخول صوت سيندي ليتغير التوزيع نحو إيقاعات شرقية أصيلة تتنوع بين المقسوم والوحدة، وكأن الأغنية تترجم المناظرة الفكرية والثقافية في شكل صراع بين هوية كل إيقاع.

«أتت».. القصيدة الفصحى الوحيدة التي كتبها القيصر

«أتت» هي القصيدة الفصحى الوحيدة التي كتبها كاظم الساهر بنفسه في الألبوم وسط سيطرة الأغنيات العراقية، لتكون هي الأطول من حيث المدة الزمنية، ولعلها العمل الأكثر دسامة في الألبوم من حيث البناء والتركيب واللغة. وترصد القصيدة علاقة عاطفية سامة وملغومة بالتناقض؛ امرأة تعرف كيف تغوي وتراوغ، تظهر وتختفي كما يحلو لها، تتلاعب بمشاعر من حولها، وهناك رجل يدرك ألاعيبها جيداً لكنه يعجز عن مقاومتها. ويحوّل الساهر هذا الصراع إلى رحلة نغمية تبدأ من النهاوند (فا) بحالة من التماسك النفسي المؤقت، ثم يتنقل اللحن في رحلة وعرة بين الراست والسوزناك والبياتي والكرد، قبل العودة إلى النهاوند في الختام. لكن القيمة الأبرز هنا هي أداء الساهر نفسه؛ فهو لا يكتفي بتلحين التحولات النفسية، بل يجسدها بصوته، متنقلاً من الهدوء الواثق إلى التوتر والانفعال ثم الانفجار، ثم الهزيمة والتسليم، مستفيداً من طبقاته الصوتية صعوداً وهبوطاً ومن الإطالات والتنهدات ليجعل الصوت شريكاً في سرد الحكاية.

ويوازي توزيع هشام نياز هذه الرحلة بألوان وإيقاعات شديدة التنوع، فمن إيقاع الجوبي العراقي، مرورا بالمقسوم والرومبا، وصولا إلى الهارد روك والصلصا والفوكس، بما يمنح كل تحول نفسي طابعه الخاص. ويبرز الهارد روك تحديداً في لحظة الغواية الكبرى والتي تأتي في هيئة ذروة موسيقية تجسد سقوط البطل، عندما يقول «عضت على جمر الفم...». وهي من أقوى الذرى الموسيقية التي سمعناها، ليس في مسيرة القيصر وحده، بل في العموم.

«هلو حياتي».. نكهة بغدادية تراثية أصيلة

تتزين أغنية «هلو حياتي» من كلمات كاظم الساهر بنكهة بغدادية تراثية أصيلة تعيد السامع إلى دفء الأزقة القديمة وعراقة الحارة العراقية، حيث صاغ الساهر كلماتها بأسلوب غنائي عفوي غني ببساطته ورقته. وربما هذا ما جعلها الأغنية الأنجح في الألبوم من حيث أرقام الاستماعات، حيث كانت أسرع أغنية تكسر حاجز المليون مشاهدة على يوتيوب في مدة قياسية. ينطلق النص بتأطير غرامي دافئ يحتفي بالجمال ببراءة الغزل المباشر في: «يللي سبيت الكرخ والرصافة.. يا مدلل أهله وحلوة كل أوصافه»،. وتتواصل التعبيرية الشعبية الشفافة بعبارات دارجة في الحياة اليومية بها روح الأمثال الشعبية: «هلو حياتي هلو عيني وردة.. حضن الحبيب أحلى من المخدة».

وعلى الصعيد الموسيقي، صاغ الساهر اللحن من مقام النهاوند على درجة لا بطابع يُحاكي التراث العراقي الشفاهي، معتمداً أسلوب التقطيع الجملي المميز لأغاني الأعراس والمناسبات الشعبية، والالتزام الثابت بمقام واحد طوال الغناء كإحدى أبرز سمات التبسيط الفلكلوري. ويبرز في توزيع فاضل فالح الاعتماد المحوري على إيقاع الجورجينا العراقي الأصيل بميزانه المركب، ليرسخ الهوية الشعبية للأغنية ويمنحها حركية تراثية محببة. وتكتسب هذه البنية الموسيقية أهمية استثنائية بكون الأغنية هي المسك الختامي للألبوم، مما يجعل هذا الشجن العراقي التراثي يترسب في الذاكرة الانطباعية للمستمع، ليكون خاتمة مسك لأحد أكثر ألبومات الساهر إخلاصاً وانتماءً للهوية العراقية.

 بلا عنوان .. القيصر يعود بألبوم يليق بتاريخه  بلا عنوان .. القيصر يعود بألبوم يليق بتاريخه  بلا عنوان .. القيصر يعود بألبوم يليق بتاريخه  بلا عنوان .. القيصر يعود بألبوم يليق بتاريخه  بلا عنوان .. القيصر يعود بألبوم يليق بتاريخه  بلا عنوان .. القيصر يعود بألبوم يليق بتاريخه  بلا عنوان .. القيصر يعود بألبوم يليق بتاريخه  بلا عنوان .. القيصر يعود بألبوم يليق بتاريخه  بلا عنوان .. القيصر يعود بألبوم يليق بتاريخه  بلا عنوان .. القيصر يعود بألبوم يليق بتاريخه
موقع كل يومموقع كل يوم

أخر اخبار الكويت:

قطرات عين في مرحلة التجارب تخفف من مشاكل الرؤية الليلية لدى السائقين

* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.

موقع كل يوم
16

أخبار كل يوم

lebanonKlyoum.com is 2506 days old | 196,484 Kuwait News Articles | 2,147 Articles in Sep 2026 | 25 Articles Today | from 19 News Sources ~~ last update: 3 min ago
klyoum.com

×

موقع كل يوم


مقالات قمت بزيارتها مؤخرا



 بلا عنوان .. القيصر يعود بألبوم يليق بتاريخه - kw
بلا عنوان .. القيصر يعود بألبوم يليق بتاريخه

منذ ٠ ثانية


اخبار الكويت

مراكز البيانات تجتاح الأراضي الزراعية الأمريكية - qa
مراكز البيانات تجتاح الأراضي الزراعية الأمريكية

منذ ٥ ثواني


اخبار قطر

الندوة العالمية تختتم ملتقى المتطوعين في البوسنة والهرسك - sa
الندوة العالمية تختتم ملتقى المتطوعين في البوسنة والهرسك

منذ ١٠ ثواني


اخبار السعودية

تراجع بتكوين دون مستوى 78 ألف دولار - kw
تراجع بتكوين دون مستوى 78 ألف دولار

منذ ١٥ ثانية


اخبار الكويت

سعر خام الحديد يتجاوز 100 دولار للطن مجددا - ae
سعر خام الحديد يتجاوز 100 دولار للطن مجددا

منذ ٢٥ ثانية


اخبار الإمارات

سلفيت: الاحتلال يواصل اقتلاع أشجار الزيتون وتجريف الأراضي في ديربلوط - ps
سلفيت: الاحتلال يواصل اقتلاع أشجار الزيتون وتجريف الأراضي في ديربلوط

منذ ٣٠ ثانية


اخبار فلسطين

طيران الشرق الأوسط يعلن رحلة إضافية إلى لندن الخميس - lb
طيران الشرق الأوسط يعلن رحلة إضافية إلى لندن الخميس

منذ ٣٥ ثانية


اخبار لبنان

فوز الانصار والعهد والساحل والبرج في كأس لبنان - lb
فوز الانصار والعهد والساحل والبرج في كأس لبنان

منذ ٤٠ ثانية


اخبار لبنان

لابيد : نتنياهو كان مغرورا وغير مبال بتحذيرات ما قبل 7 أكتوبر - ps
لابيد : نتنياهو كان مغرورا وغير مبال بتحذيرات ما قبل 7 أكتوبر

منذ ٥٠ ثانية


اخبار فلسطين

طعام بسيط قد يدعم صحة القلب والكبد والدماغ .. تعرف على فوائده - eg
طعام بسيط قد يدعم صحة القلب والكبد والدماغ .. تعرف على فوائده

منذ ٥٥ ثانية


اخبار مصر

ارتفاع الذهب مع تراجع الدولار وترقب بيانات التضخم - bh
ارتفاع الذهب مع تراجع الدولار وترقب بيانات التضخم

منذ دقيقة


اخبار البحرين

وفاة رجل الأعمال لزهر سطا - tn
وفاة رجل الأعمال لزهر سطا

منذ دقيقة


اخبار تونس

اللامي: مواجهة الفساد العابر للحدود تتطلب تنسيقا دوليا وملاحقة فاعلة لعوائده - iq
اللامي: مواجهة الفساد العابر للحدود تتطلب تنسيقا دوليا وملاحقة فاعلة لعوائده

منذ دقيقة


اخبار العراق

عاجل:انتشار امني في عدن - ye
عاجل:انتشار امني في عدن

منذ دقيقة


اخبار اليمن

 يديعوت أحرونوت عن مسؤول لبناني رفيع المستوى : لمنح الحكومة مهلة زمنية ومساحة سياسية تتيحان لها إضعاف حزب الله - lb
يديعوت أحرونوت عن مسؤول لبناني رفيع المستوى : لمنح الحكومة مهلة زمنية ومساحة سياسية تتيحان لها إضعاف حزب الله

منذ دقيقة


اخبار لبنان

الذهب يتحرك في نطاق ضيق قبل بيانات التضخم الأمريكية - ye
الذهب يتحرك في نطاق ضيق قبل بيانات التضخم الأمريكية

منذ دقيقة


اخبار اليمن

* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.






لايف ستايل