اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة الأنباء
نشر بتاريخ: ١٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
بيروت ـ جويل رياشي
شكل كتاب «أسافر وحدي ملكا» لمنصور الرحباني خلوته الوجدانية التي واجه فيها أسئلته الكبرى عن الرحيل والغياب، الوطن والغربة، الحياة والمصير، هذا النص الشعري المتفرد، الذي كتب كقصيدة واحدة مؤلفة من 34 جزءا، خرج مساء أمس من صفحاته الصامتة إلى فضاء الموسيقى، حين جسده أسامة الرحباني عملا موسيقيا حول الكلمة إلى مشهدية صوتية، والتأمل إلى تجربة سمعية شاملة، في اختتام مئوية منصور (1925-2025)، في كنيسة القلب الأقدس التاريخية في الجميزة بالعاصمة بيروت.
وأحيت الحفل الفنانة هبة طوجي بمرافقة الأوركسترا السيمفونية الوطنية الأوكرانية، ومشاركة جوقة جامعة سيدة اللويزة، في تعاون مشترك بين «مهرجان أبوظبي للثقافة والفنون» وأسامة الرحباني.
وقدمت طوجي والكورال والعازفون والراوي جاد الرحباني أداء رفيع المستوى عكس ثراء تجربة منصور الشعرية وعمقها، فيما أضفى الإخراج بعدا دراميا مؤثرا عزز الطابع الملحمي للعمل.
وانطلق العمل الموسيقى من رؤية جعلت الإنسان محور الوجود وغاية الإبداع، وهو المفهوم الذي شكل حجر الأساس في فكر الأخوين الرحابنة عموما. فالإنسان، في جوهر التجربة الرحبانية، كائن عابر لا يبقى منه سوى أثره، وهذا الأثر هو ما يمنح المعنى لكل فعل إبداعي ولكل سيرة تستعاد. من هنا، لم تكن الأعمال الرحبانية مجرد نصوص فنية، بل شهادات حية على الإنسان، من أجله وإليه.
وتجلت هذه الرؤية في مقاربة الرحابنة لمسيرة الحياة كرحلة كفاح تمتد من الولادة إلى الموت، رحلة غالبا ما تعاش من دون التوقف عند سرها الأكبر. غير أن منصور الرحباني نظر إلى هذه المسيرة من منظور إيماني.
ولا شك في ان منصور الرحباني في كتابه «أسافر وحدي ملكا» جاء من قلب المجتمع اللبناني ولم ينفصل عنه يوما، فكان صوته امتدادا لصوته، وتجربته مرآة لمعاناته. ويختصر الديوان في جزء غير قليل منه زمن الخوف والملاجئ أيام الحرب اللبنانية. ومما يقوله وسمعناه بصوت طوجي: «في اليوم السابع جاز القصف، صعدنا في الشرفات، جلسنا، وتنبأت على بيروت». ويضيف: «سأموت الليلة عن بيروت، سأصلب في الحمراء. فيكون للبنان رجاء وحياة للشهداء».
وقال أسامة الرحباني لـ«الأنباء» عن الوقت الذي استغرقه التحضير للعمل: «بدأت بالعمل منذ سنة ونصف السنة تقريبا، ولكن بشكل متقطع. أما التوليفة النهائية فاستغرقت نحو ثلاثة أسابيع». وردا على سؤال حول سبب اختيار كنيسة القلب الأقدس لاستضافة الحفل، أوضح أن اختيار المكان لم يكن تفصيلا تقنيا، بل كان جزءا من الرؤية الفنية للعمل. وأشار إلى أنه عند التحضير لأي مشروع فني، ينطلق أولا من البحث عن فضاء يحمل في ذاته قيمة جمالية وروحية، وهو ما وجده في هذه الكنيسة بما تختزنه من تاريخ وعمق ورهافة، حيث يتجلى جمالها في كل تفاصيلها المعمارية. ولفت إلى أنه أمضى وقتا طويلا في البحث عن موقع قادر على احتضان هذا العمل الفني الكبير، قبل أن يستقر خياره على هذا الصرح الذي انسجم تماما مع طبيعة العمل وروحه.
وشكل هذا العمل الموسيقي المحطة الختامية الرسمية لفعاليات مئوية منصور تتويجا لسلسلة أنشطة ثقافية وفنية امتدت على مدى أشهر في مختلف المناطق اللبنانية، وشهد تكريم هبة طوجي بوسام وطني خصها به راعي الحفل رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ممثلا بوزير الثقافة غسان سلامة.


































