اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ١٦ نيسان ٢٠٢٦
تناولت عبر حسابي في منصة «اكس» لأكثر من مرة التوقف الحالي للتعليم الحضوري، الذي تجاوز أربعين يوماً، بسبب الإجراءات الأمنية والتطورات الإقليمية، فتحولت المدارس والجامعات الكويتية بالكامل إلى نظام «التعليم عن بعد»، وهذا الواقع أنتج «فاقداً تعليمياً» واضحاً ومتراكماً يشمل تراجعاً ملموساً في جودة التحصيل الدراسي، وضغطاً نفسياً واجتماعياً على الطلبة وأولياء الأمور، وفقداناً في المهارات الأساسية التي يصعب تعويضها عبر الشاشات، وهو ما يذكرنا منذ سنوات في تجارب قريبة سابقة.
فالتجربة التاريخية تؤكد خطورة الوضع، فخلال جائحة كورونا 2020–2021 سجلت الكويت من أطول فترات إغلاق المدارس حضورياً في العالم (62 أسبوعاً)، مما أدى إلى «فاقد تعليمي كبير»، ووزارة التربية أطلقت مشروع «تعويض الفاقد التعليمي» في 2022 على مرحلتين لتعزيز المعارف والمهارات الأساسية في الرياضيات والعلوم واللغات، بعد أن أظهرت الدراسات الداخلية تراجعاً في التحصيل تجاوز %30 في بعض المواد، واليوم في 2026 يكرر التوقف الحالي السيناريو نفسه، إذ إن التعلم عن بعد، كما جربنا جميعاً كأولياء أمور، وعملنا كمعلمين في مختلف المراحل، لا يعوض التفاعل الحضوري ويزيد المسافات في المهارات الاجتماعية والنفسية والتحصيلية وغيرهم.
وفي هذا السياق، قد تميز التقرير المرئي الذي نشره الزميل الأستاذ علي خاجه عبر منصة القبس، حيث فتح ملف «الفاقد التعليمي» بجرأة وموضوعية، تساءل خاجه بصراحة مؤثرة: «كيف نتوقع من جيل لم يحظَ بتعليم حقيقي أن يدير بلداً؟»، فهذا السؤال ليس مجرد تعبير عن قلق شخصي، بل واقع نعيشه كلنا بحقائق علمية، وليست مصلحية كما أشيع من بعض الناس، فهي تعكس واقعاً مريراً عاشته الكويت مرتين بعد الغزو العراقي 1990 وخلال جائحة كورونا.
وقد أحسنت الزميلة جريدة الجريدة صنعاً حينما أفردت افتتاحيتها الأخيرة لهذا الموضوع الوطني البالغ الأهمية، وهي تدعو إلى «نعم لعودة الحياة الطبيعية تتويجاً للنصر». وهو ما حصل في العديد من دول الخليج وآخرها الإمارات العربية المتحدة، لذلك أحث على ضرورة الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة إدارة الحياة اليومية، وأترك لأهل الميدان التربوي القيادة بدراسة طبيعة المرحلة والحاجة الحضورية فيه، وخاصة مع تطور الجهوزية الحكومية، والتطورات الخارجية، فقد وفقت أجهزة الدولة في الجهوزية الأمنية التي سطرها رجال الجيش والحرس الوطني وقوة الإطفاء والأمن، فيصبح من البديهي أن يتطلع المجتمع إلى استعادة إيقاعه الطبيعي في المرافق كلها، وفي مقدمتها المدارس والجامعات التي تشكل عماد بناء الأجيال.
فالعودة ليست قراراً إدارياً آلياً، بل عملية استراتيجية متعددة الأبعاد، ليست الدعوة إلى عودة بنسبة %١٠٠ بشكل عشوائي، بل إلى تقييم حالة كل قطاع على حدة ووضع حلول جديدة أكثر كفاءة واستدامة، فالحياة الطبيعية عادت فعلاً في أغلب المرافق العامة والخاصة، وهذا يعزز الثقة العامة، أما في ميدان التعليم فيتطلب وقفة تأملية أعمق لأن أي خلل هنا يمس مستقبل الوطن ككل وليس التعليم فقط فهو أساس لنتيجة.
ونحن بحاجة إلى لجان وطنية مشتركة تضم خبراء التربية والاقتصاد والسياسة العامة، لتقييم الوضع خلال أسابيع قليلة، ووضع خطة زمنية واضحة للعودة التدريجية الآمنة، فيجب أن تشمل الحلول تقليل الكثافة في الصفوف، تعزيز الرقابة الصحية، واستثمار في التطور التكنولوجي المواكب للمرحلة، فبهذه الطريقة نتعامل مع الأزمة كفرصة عمل مستجدة وواعية، ونستثمر بمكاسب الجهوزية الأمنية إلى مكاسب تنموية تعليمية.
د. محمد عبدالله المطر


































