اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ١٢ شباط ٢٠٢٦
وليد منصور -
في قلب أوروبا الهادئة، تقف سويسرا أمام سؤال وجودي: هل يمكن لبلد بُنيت سمعته على الانفتاح والكفاءات العالمية أن يضع حدا صارما لعدد سكانه؟ تصويت مرتقب قد يعيد رسم ملامح الهجرة والاقتصاد معا، ويكشف إلى أي مدى أصبح القلق من الاكتظاظ وارتفاع تكاليف المعيشة حاضرا في وجدان الناخب السويسري، حتى لو كان الثمن تهديد موقع البلاد كإحدى أكثر الوجهات جذبا للأعمال والمهارات حول العالم.
أفادت وكالة بلومبيرغ بأن سويسرا تستعد للتصويت على مقترح قد ينقل هذه الفكرة إلى مستوى جديد، عبر فرض حد أقصى لعدد السكان، موضحة أنه في حال إقرار التصويت المقرر في 14 يونيو، فقد يؤدي ذلك لاحقا إلى حظر شامل على الوافدين الجدد إذا ارتفع عدد السكان من نحو 9 ملايين حاليا إلى أكثر من 10 ملايين، مع عدم وجود تمييز يُذكر بين اللاجئين والعمالة الماهرة وكبار المديرين أصحاب الرواتب المرتفعة.
وأفادت وكالة بلومبيرغ بأن البلاد تتجه إلى استفتاء في 14 يونيو على مقترح يفرض سقفا لعدد السكان، في خطوة يرى مراقبون أنها قد تقود لاحقا إلى حظر شبه شامل على الوافدين الجدد إذا تجاوز عدد السكان عتبة 10 ملايين نسمة، مقارنة بنحو 9 ملايين حاليا.
ويأتي التصويت ضمن نظام الاستفتاءات الفريد الذي يتيح للمواطنين تعديل الدستور والسياسات العامة مباشرة، بينما تشير استطلاعات الرأي إلى احتمال حقيقي لتمرير المقترح، وسط تحذيرات من أن القيود الجديدة قد تخلق نقصا في المهارات الحيوية وتؤثر في تنافسية الاقتصاد السويسري عالميا.
اقتصاد جاذب وضغوط متصاعدة
على مدى عقود، شكل الاقتصاد السويسري الديناميكي نقطة جذب رئيسية للعمالة الأجنبية والشركات متعددة الجنسيات، إذ تستضيف البلاد مؤسسات مالية وصناعية عملاقة مثل UBS وNestle وNovartis، إلى جانب شركات تقنية وإعلامية كبرى مثل Google وIBM وWalt Disney. وأسهم هذا الزخم في جعل نصيب الفرد من الناتج الاقتصادي من بين الأعلى عالميا.
لكن النمو السكاني المتواصل منذ نحو خمسة عقود بدأ يثير استياء شريحة من السكان، الذين يشكون من ارتفاع الإيجارات والازدحام المروري واكتظاظ وسائل النقل العام، معتبرين أن ذلك يضغط على جودة الحياة. وفي هذا السياق، دفع حزب الشعب السويسري اليميني (SVP)، الذي حصد %28 من الأصوات في آخر انتخابات، بفكرة تحديد سقف للسكان منذ عام 2023 باعتبارها وسيلة لحماية البيئة والحفاظ على نمط الحياة المحلي.
تحوُّل ديموغرافي
وخلال العقد الماضي، ارتفع عدد سكان سويسرا بنحو %10، وهي وتيرة تفوق بكثير متوسط النمو السكاني في الاتحاد الأوروبي الذي لم يتجاوز %2 خلال الفترة نفسها، وفق بيانات البنك الدولي. وتشير الأرقام إلى أن الهجرة تمثل المحرك الرئيسي لهذه الزيادة، إذ لا يشكل النمو الطبيعي سوى عُشر الارتفاع الإجمالي.
وكان عام 2023 نقطة لافتة مع إدراج اللاجئين الأوكرانيين لأول مرة ضمن الإحصاءات الوطنية، فيما ظل معظم الوافدين في السنوات الماضية قادمين من دول الاتحاد الأوروبي أو من دول ترتبط باتفاقيات اقتصادية مع سويسرا.
استفتاء محفوف بالاحتمالات
ورغم معارضة الحكومة السويسرية للخطة، أظهرت استطلاعات أواخر نوفمبر أن نحو %48 من الناخبين يميلون إلى دعم المقترح مقابل %41 ضده، بينما بقي %11 مترددين. ويشير مراقبون إلى أن الدعم الشعبي يبدو مستقرًا، وهو ما يضع البلاد أمام اختبار حقيقي لمدى استعداد مواطنيها للذهاب بعيدا في ضبط النمو السكاني.
السقف السكاني
المبادرة المقترحة تتضمن آلية تدريجية تبدأ إذا تجاوز عدد السكان 9.5 ملايين نسمة قبل عام 2050، وهو سيناريو يرجح أن يتحقق خلال السنوات المقبلة وفق التوقعات الحالية. وفي المرحلة الأولى، قد تُفرض قيود على طالبي اللجوء ولم شمل عائلات المقيمين الأجانب، مع تشديد شروط الإقامة والتجنيس.
أما إذا تجاوز عدد السكان 10 ملايين، فقد تنسحب سويسرا من معاهدات دولية تُعد - بحسب نص المقترح - محفزة للنمو السكاني. وفي حال استمرار الارتفاع، قد تصل الخطوة إلى الانسحاب من اتفاق حرية تنقل الأشخاص مع الاتحاد الأوروبي، ما قد يهدد وصول سويسرا إلى السوق الأوروبية الموحدة ويضع مستقبل إقامة نحو 1.5 مليون مواطن أوروبي في البلاد على المحك.
اقتصاد بين المخاطر والرهانات
حتى الآن، لا توجد تقديرات رسمية لحجم التأثير الاقتصادي، لكن التوقعات تشير إلى احتمال تباطؤ النمو نتيجة نقص العمالة وتسارع شيخوخة المجتمع، فضلا عن مخاطر اضطرابات تجارية إذا تضررت الاتفاقيات الثنائية مع الاتحاد الأوروبي، الذي يستقبل أكثر من %40 من الصادرات السويسرية.
في المقابل، يرى مؤيدو المبادرة أن تقليص وتيرة النمو السكاني قد يخفف الضغط على الإيجارات والبنية التحتية وأنظمة الرفاهية الاجتماعية، معتبرين أن الحفاظ على جودة الحياة يستحق اتخاذ قرارات صعبة.
كيف ينظر مجتمع الأعمال السويسري إلى المقترح؟
ذكرت بلومبيرغ أن عدة جماعات ضغط أعربت عن مخاوفها. فقد حذرت منظمة Economiesuisse من «أضرار كبيرة» محتملة، مشيرة إلى توقع نقص يصل إلى 430 ألف عامل بحلول عام 2040 لا يمكن تعويضه دون الهجرة. كما قال اتحاد الصناعات Swissmem إن استقطاب العمالة الماهرة من الاتحاد الأوروبي «ضروري» لقطاع يعتمد على الصادرات.
وأوضحت الوكالة أن بعض قادة الأعمال يدعمون المقترح، من بينهم الرئيسة التنفيذية لشركة Ems-Chemie Holding AG، ماغدالينا مارتولو-بلوخر، ورجل الأعمال توماس ماتر، وكلاهما نائب عن حزب SVP في البرلمان الوطني.


































