اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
لا يغيب عن الامر ابتداءً الإشادة بتوجه المشرع الكويتي الحالي نحو السعي لتعزيز الشفافية في المعاملات التجارية ومكافحة الممارسات التي تنطوي على تستر تجاري محظور، حيث أصدر المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 بشأن مكافحة التستر التجاري، ناهيك عن تشدد وزارة التجارة في مسألة تحديد هوية المستفيد الفعلي، واخيراً التوجه نحو الغاء شركة المحاصة بدعوى عدم خضوعها للقيد بالسجل التجاري مما قد يتسبب ذلك في تمرير عمليات التستر المحظور.
مما لا شك فيه أن شركة المحاصة من الشركات المنظمة والمنصوص عليها في قانون الشركات في المواد 76 - 79، هذا وقد عرّفها المشرع الكويتي بأنها الشركة التي تعقد بين شخصين أو أكثر، وتكون العلاقة مقصورة بين الشركاء فلا تسري في مواجهة الغير، حيث إنها لا تخضع للقيد في السجل التجاري وبالتالي لا تكتسب الشخصية الاعتبارية وليس لديها ذمة مالية مستقلة عن ذمم الشركاء.
وقد يُفسّر الاعتراف التشريعي لهذا الشكل من الشركات بالاستجابة لمتطلبات الواقع التجاري، الذي قد يستدعي في بعض الاحيان قدراً من المرونة يتيح للأشخاص المشاركة في مشروع أو صفقة محددة، دون الحاجة إلى إنشاء كيان قانوني مستقل أو الخضوع لإجراءات التأسيس والقيد والإشهار، ويجب التأكيد على أن عدم ظهور الشركة للغير لا يعني بالضرورة أن الاتفاق القائم بين الشركاء ينطوي على مخالفة للقانون، إذ ينبغي التمييز بين الاستتار الذي تقتضيه طبيعة بعض العلاقات التعاقدية، والتستر التجاري المحظور الذي يستهدف التحايل على الأحكام القانونية المنظمة لممارسة النشاط التجاري.
ومع ذلك، فإن مشروعية شركة المحاصة من حيث الأصل لا تحول دون احتمال إساءة استخدامها في ممارسات مخالفة للقانون، ومنها التستر التجاري المحظور، والذي سينصب حتماً بالنهاية على الأسواق مهدداً سلامتها وشفافيتها، وذلك ما يفسر توجه المشرع نحو إلغاء شركة المحاصة، وكأنه بذلك قد قطع الشك باليقين بأن كل استتار يمثل تستراً محظوراً.
وما نراه هنا بأن لا غبار على أن الغاء شركة المحاصة قد يحد من الاتفاقات المستترة المحظورة، غير أنه في الوقت ذاته قد يقتصر أثره على استبعاد التكييف القانوني لمثل هذه الاتفاقات المحظورة التي يتصور لها أن تستمر تحت مسميات أخرى، لذلك نجد أنه من الأحوط في هذا الشأن استحضار بعض المزايا القانونية للاعتراف التشريعي بشركة المحاصة التي يجدر الوقوف عليها عند النظر في إلغائها:
• وضوح التكييف القانوني: الاعتراف بشركة المحاصة يوفر إطاراً قانونياً محدداً لاتفاقات المشاركة المستترة، ويحد من إشكاليات تكييفها باعتبارها وكالة أو قرضاً أو غير ذلك من العقود، وما قد يترتب على اختلاف التكييف من تفاوت في الأحكام القانونية الواجبة التطبيق.
• تطبيق أحكام قانون الشركات: أن الاعتراف بالمحاصة بوصفها شركة يتيح إخضاعها للمبادئ العامة لعقد الشركة وفقاً للمادة 77 من قانون الشركات، بدلاً من الاقتصار على القواعد العامة للعقود والتي قد لا تنسجم مع الحياة والمعاملات التجارية.
• حماية حقوق الشركاء: التنظيم القانوني لشركة المحاصة أساساً واضحاً لتحديد حقوق الشركاء والتزاماتهم، ولا سيما في ما يتعلق بتقديم الحصص وتوزيع الأرباح والخسائر وتسوية المنازعات الناشئة بينهم.
• حماية حقوق الغير: أجازت المادة 79 من قانون الشركات للغير التمسك بعقد المحاصة إذا تعاملت معه بهذه الصفة، وهو ما قد يتيح للمتعاملين مع الشركة الرجوع على الشريك المستتر والذي يفترض تضامنه مع الشريك الظاهر تطبيقاً لنص المادة 97 من قانون التجارة.
• الكشف عن الاتفاقات المخالفة للقانون: قد يسهم وجود عقد المحاصة في الكشف عن حقيقة العلاقات التجارية المستترة، بما يمكّن القضاء من الوقوف على مدى مشروعيتها، وترتيب الجزاء القانوني المناسب، بما في ذلك الحكم ببطلان الشركة الظاهرة من تلقاء نفسه متى ثبت أن المخالفة تؤثر في صحتها وتوافرت أسباب البطلان قانوناً.
خلاصة القول، إن المفاضلة بين الإبقاء على شركة المحاصة أو إلغاء تنظيمها تظل من المسائل التي يختص المشرع بتقديرها، من خلال رسم التوجه والغاية التشريعية لخلق التوازن الأنسب بين متطلبات الشفافية والعلانية من جهة، وما تقتضيه المعاملات التجارية من مرونة ووضوح في المراكز القانونية من جهة أخرى، ولعل السؤال الذي يستحق النظر فيه هنا: هل تتحقق غاية الشفافية بإلغاء المحاصة؟ أم يمكن الإبقاء عليها مع اخضاعها لضوابط إفصاح تكفل الكشف عن الشركاء الحقيقيين؟
د. فاطمة الشريعان


































