اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة الجريدة الكويتية
نشر بتاريخ: ١٦ تموز ٢٠٢٦
• كيف شكلت الجذور الصعيدية وعيك الشعري؟
- الصعيد بالنسبة لي لم يكن مجرد مكان ولادة، بل طريقة في الإحساس بالعالم. هناك تعلمت أن الإنسان يمكن أن يكون شديد الصلابة وشديد الحساسية في الوقت نفسه. الذاكرة الجنوبية مليئة بالحكايات، والأمثال، والسِّير الشعبية، والصمت أيضاً، وكل هذا تسلُّل إلى لغتي وإيقاع قصيدتي في أول مطبوع لي كان صدر في 2021 بعنوان «بلسان جنوبي مبين».
• ماذا أخذت من محافظة قنا بصعيد مصر، وماذا أخذت من مدينة الإسكندرية الساحلية التيي تقيم فيها حالياً؟
- أخذت من قنا الجذور والنشأة وجزءاً من الذاكرة. أما الإسكندرية فهي التي أخذتني كلي على مدار 10 سنوات من العطاء والإبداع والتجربة، فقد أعطتني المسافة التي أرى منها نفسي، وفتحتني على الفن والنقد والسينما والتنوع الإنساني، وأعطتني صحبة شاركت بشكل أساسي ورئيسي في تشكيلي وتكويني، والفرصة التي لم تعطِني إياها قنا ولا الوسط الثقافي القنائي الذي كان وقتها منغلقاً على البعض فقط من أصحاب التجربة الأكبر أو الأقدم وقتها. قد يكون ذلك بسبب أنني كنت صغيراً وقتها والاعتراف بصغار السن قد يزعج البعض من الكبار. أستطيع أن أقول إن قنا وضعت البذرة، والإسكندرية صنعت التجربة الكاملة إلى أن أزهرت.
• هل يشعر مواليد الجنوب دائماً أنهم يحملون ذاكرة مختلفة، حتى لو تركوه بعد ذلك؟
- بالتأكيد، لأن الميلاد والنشأة لا يراكمان داخلك المكان فقط، بل الزمن والذاكرة أيضاً، فهناك أشياء تظل محفورة مثال الكلام، ورائحة البيوت القديمة، وطقوس الحزن والفرح، وحتى الصمت له شكل خاص. المبدع ذو النشأة الجنوبية يشعر أنه يحمل ذاكرة جماعية لا تخصّه وحده.
• كيف أثّرت عليك الدراسة الأزهرية قبل ماجستير الحقوق وقبل الدراسات العليا بأكاديمية الفنون؟
- الدراسة الأزهرية منحتني احتراماً عميقاً للغة ولطاقتها الروحية والجمالية. جعلتني أرى الكلمة كائناً حياً، لا مجرد أداة للتعبير. حتى وأنا أكتب بالعامية، أظل واعياً بجذور اللغة العربية وثرائها وإيقاعها الداخلي.
• لماذا اتجهت إلى شعر العامية رغم الخلفية الأزهرية؟
- لأن العامية بالنسبة إليّ ليست خروجاً عن الفصحى بقدر ما هي امتداد حي لها داخل الناس. كنت أبحث عن اللغة التي تمشي في الشارع وتتنفس مع البشر، وتستطيع أن تلمس وجدانهم مباشرة. أشعر أن العامية المصرية قادرة على حمل الشعر بعمقٍ لا يقل عن أي شكل آخر.
• هل يوجد صراع بين التراث والحداثة داخلك؟
- لا أراه صراعاً بقدر ما أعتبره حواراً مستمراً. التراث بالنسبة إليّ ليس شيئاً جامداً، بل طاقة يمكن إعادة اكتشافها برؤية معاصرة.
• هل ثمة ناقد بداخلك يراقب الشاعر أثناء الكتابة؟
- أحياناً، وأعتبر ذلك من أصعب الأمور، فالناقد يريد أن يراجع ويحلل ويعيد التفكير، بينما الشاعر يحتاج أحياناً إلى أن يندفع بحريّة كاملة، لذا أحاول أثناء الكتابة أن أُسكِت الناقد قليلاً.
• هل الدراسة الأكاديمية أفادت الشعر أم قيدته؟
- أفادته بالتأكيد، لكنها جعلتني أكثر وعياً وصعوبة مع نفسي الدراسة. منحتني أدوات للرؤية والتحليل، وأخذت بيدي إلى فنون المسرح والسينما والباليه، ولذلك أثر كبير على المخيلة الإبداعية والمخزون الثقافي والوعي.
• هل تكتب القصيدة بصرياً؟
- يحدث كثيراً.. ربما لأن علاقتي بالسينما والفنون البصرية والفنون التشكيلية جعلتني أرى المشهد قبل أن أكتبه. أحياناً أشعر أنني لا أكتب سطراً شعرياً بقدر ما أُكون لقطة أو مشهداً له حركة وإضاءة وإيقاع.
• لماذا اخترت العامية تحديداً؟
- لأنني مؤمن أن الشعر الحقيقي لا يرتبط بشكل اللغة بقدر ارتباطه بصدق التجربة. العامية المصرية تمتلك موسيقى وحميمية وقدرة على الوصول المباشر للروح.
• برأيك، هل تظلم المؤسسات الرسمية المعنية بالثقافة شعر العامية؟
- إلى حد ما بعضها يفعل ذلك، رغم أن العامية جزء أصيل لا يتجزأ من الثقافة المصرية، لا يزال بعض المسند إليهم أدوار ثقافية معيّنة يتعاملون معها باعتبارها في المرتبة الثانية دون النظر لجودة المنتج فقط.
• بماذا يحلم أحمد الشيخ ويتمنّى أن يتحقق؟
- أحلم بمشروع ثقافي حقيقي يترك أثراً لا بمجرد حضور عابر. أريد أن أكون جزءاً من حركة تعيد الاعتبار للوعي والجمال والفن الحقيقي، وأن أقدّم شيئاً يبقى.
• بصراحة، هل تسعى إلى منصب ثقافي أم إلى مشروع ثقافي؟
- المشروع أهم بكثير من المنصب.. المناصب تزول، بينما الأثر الحقيقي يبقى فيما تصنعه للناس وللثقافة، لكن إذا جاء المنصب كوسيلة لخدمة مشروع حقيقي فهذا جيد، أما إذا أصبح غاية في حد ذاته فإنه يفقد قيمته.
• كيف ترى دور المثقف اليوم؟
- المثقف الحقيقي ليس شخصاً يقدم إجابات جاهزة معلّبة، بل مَنْ يساعد الناس على طرح أسئلة أعمق. دوره أن يحافظ على الحس الإنساني والجمالي وسط هذا الضجيج الهائل.
• متى أحسست بأن الشعر أنقذك؟
- في اللحظات التي شعرت فيها أن الكلام العادي لم يعُد يكفي. الشعر أحياناً لا يغيّر الواقع، لكنه يمنح الإنسان قدرة على احتماله وفهمه والتصالح معه، ويفتح وعيه على طلب الأجمل مهما كان الواقع على قدر مُعيّن من الجمال.
• هل الكتابة عزلة أم مقاومة؟
- أعتقد أنهما الاثنان معاً، هي عزلة لكونها تمنح الكاتب فرصة لسماع صوته الداخلي، والمقاومة تمنحه سبباً للكتابة بالأساس.
• كيف يمكن أن يلتقي النقد بالشعر؟
- حين يصبح النقد محاولة للفهم لا للمحاكمة، وحين تصبح القصيدة أكثر وعياً بنفسها دون أن تفقد روحها.
• ما ملامح مشروعك الثقافي الذي تحلم به؟
- أحلم بمشروع يربط بين الإبداع والمعرفة ويعيد تقديم الفن والنقد بطريقة أقرب إلى الناس، لأن الثقافة يجب ألّا تبقى حبيسة تدور في فلك دوائر بعينها.


































