اخبار الكويت
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ٢٦ حزيران ٢٠٢٦
سلمى حداد - الخليج أونلاين
- اضطرابات هرمز لا ترفع أسعار النفط فقط بل جمدت أيضاً أموال الشركات في المخزون والشحنات المتأخرة
- تتوقع شركة 'أليانز تريد' أن تضيف الحرب أكثر من 15 ألف حالة إفلاس عالمياً خلال 2026 و2027
بينما تتابع الأسواق تقلب أسعار النفط وحركة السفن في مضيق هرمز، تتشكل بعيداً عن شاشات التداول أزمة أقل وضوحاً، لكنها أشد خطراً على آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة، فالحرب لا ترفع كلفة الطاقة والشحن فقط، بل تعطل دورة المال داخل الشركات، وتجبرها على دفع مبالغ أكبر مقابل بضائع تصل متأخرة وتحتاج إلى وقت أطول قبل أن تتحول إلى مبيعات وسيولة.
وتبدأ الضغوط من البحر، مع ارتفاع أجور النقل وأقساط التأمين وتأخر الشحنات، ثم تنتقل إلى المستودعات والمصانع والمتاجر، فكل يوم إضافي تقضيه البضاعة في الطريق يعني أموالاً مجمدة، وكلفة تخزين وتمويل أعلى، واحتمالاً أكبر لتعطل الإنتاج أو نفاد بعض السلع.
وقد تتمكن الشركات الكبرى من التعامل مع هذه الضغوط عبر عقود شحن طويلة الأجل، أو موردين متعددين، أو احتياطيات نقدية أكبر، لكن الخيارات المتاحة أمام الشركات الصغيرة تكون أضيق، فهي تعمل غالباً بهوامش محدودة، وتعتمد على انتظام المبيعات والتحصيل لتسديد الرواتب والإيجارات ومستحقات الموردين.
15 ألف إفلاس إضافي
ودفعت الحرب شركة 'أليانز تريد'، المتخصصة في تأمين الائتمان التجاري، إلى رفع توقعاتها لإفلاس الشركات حول العالم خلال العامين الحالي والمقبل.
وقالت الشركة، في تقرير 'التوقعات العالمية للإفلاس 2026-2027' المنشور في 22 أبريل الماضي، إن تداعيات الحرب ستضيف نحو 14.9 ألف حالة إفلاس خلال 2026 و2027.
ويتوزع ذلك على نحو 7 آلاف حالة إفلاس إضافية خلال 2026 و7900 حالة أخرى في 2027، مقارنة بالتوقعات التي وضعتها الشركة قبل اتساع الحرب واضطراب تدفقات الطاقة والشحن.
ورجحت 'أليانز تريد' أن ترتفع حالات إفلاس الشركات عالمياً بنسبة 6% خلال 2026، بعد زيادة مماثلة في العام الماضي، ليكون هذا خامس عام متتالٍ من صعود حالات التعثر.
كما تراجعت الشركة عن توقع سابق بانخفاض حالات الإفلاس في 2027، وباتت ترجح استقرارها عند مستوى مرتفع، مقدرةً أن يمثل تباطؤ النمو وتسارع التضخم الناتجان عن الحرب نحو ثلث الزيادة المتوقعة في حالات الإفلاس هذا العام.
وقالت الرئيسة التنفيذية لـ'أليانز تريد' أيلين سومرسان كوكوي، في البيان الصادر مع التقرير في 22 أبريل الماضي، إن ارتفاع التكاليف يمتد عبر سلاسل القيمة، من الغذاء والزراعة إلى التصنيع والرعاية الصحية والتكنولوجيا، بينما تواجه قطاعات النقل والكيماويات والمعادن ضغوطاً أكبر بسبب كثافة استهلاكها للطاقة.
وتتركز المخاطر، بحسب التقرير، لدى الشركات ذات الهوامش الضعيفة أو الديون المرتفعة أو القدرة المحدودة على رفع الأسعار، وكذلك المؤسسات التي تحتاج إلى تمويل كبير للمخزون والمبيعات الآجلة.
ومع ارتفاع كلفة النقل والتأمين والاقتراض، يتسع الفارق بين موعد خروج المال وموعد عودته، وهو ما يفسر تحذير 'أليانز تريد' من تعرض الشركات التي تحتاج إلى تمويل كبير للمخزون والمبيعات الآجلة لخطر أكبر.
مليارات عالقة وأزمة متشعبة
وتعكس أوضاع السفن في مياه الخليج حجم الأموال والبضائع التي أصبحت مرتبطة بمصير أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
فحتى 15 يونيو الجاري، وُجد نحو 1150 من سفن نقل البضائع في مياه الخليج، بإجمالي حمولة مسجلة يبلغ 29 مليون طن إجمالي، وفق مراجعة السلامة والشحن التي أصدرتها 'أليانز كوميرشال' في 24 يونيو.
وقدرت الشركة القيمة الإجمالية للسفن والبضائع الموجودة في المنطقة بنحو 125 مليار دولار، فيما واجه ما يصل إلى 20 ألف بحار تداعيات توقف العمليات والمخاطر الأمنية.
ولا تقتصر المشكلة على السفن الموجودة في الخليج، فتراجع حركة الملاحة في ممر رئيسي يقلل عدد السفن المتاحة، ويرفع أجور النقل، ويؤخر وصول قطع الغيار والمواد الغذائية والكيماويات ومدخلات المصانع إلى أسواق بعيدة عن منطقة الحرب.
وأضاف التأمين البحري طبقة أخرى من التكاليف، فقد ارتفعت أقساطه ضد مخاطر الحرب لبعض السفن بأكثر من 1000%، وانتقل التسعير في بعض الحالات من نحو 0.25% من قيمة السفينة قبل الحرب إلى 5%، وفق تقرير نشرته وكالة 'رويترز' في 6 مارس الماضي.
ومع عودة جزء من تدفقات النفط بعد تراجع التصعيد، ارتفعت تكلفة استئجار ناقلة موجودة خارج مضيق هرمز إلى 190500 دولار يومياً في 23 يونيو، من 106500 دولار قبل أسبوع، وفق تقرير آخر لـ'رويترز' نشر في اليوم نفسه.
كما وصل متوسط العائد اليومي لبعض ناقلات النفط العملاقة التي تبدأ رحلاتها داخل الخليج إلى نحو 470 ألف دولار، في ظل نقص السفن المتاحة وبقاء نحو 100 ناقلة عالقةً في المنطقة.
وفي المقابل، انخفضت أقساط التأمين ضد الحرب إلى نحو 3% من قيمة السفينة في 23 يونيو، بعدما كانت عند 5% قبل أسبوع، لكن حركة العبور ظلت أقل بكثير من متوسط ما قبل الحرب البالغ نحو 125 سفينة يومياً، بحسب 'رويترز'.
ومن ناحية أخرى، يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، أي نحو 25% من تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً، وفق ورقة حقائق أصدرتها وكالة الطاقة الدولية في فبراير 2026، استناداً إلى تدفقات العام السابق.
وبالنسبة إلى الشركات، ترفع الطاقة كلفة الكهرباء والوقود والنقل والتبريد بصورة مباشرة، ثم تزيد أسعار المواد كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل المعادن والزجاج والبلاستيك والأسمدة والكيماويات، وكل هذا يمثل ثقلا إضافياً.
وتأتي موجة ثالثة من التكلفة عبر التضخم والتمويل، فقد حدد صندوق النقد الدولي، في تحليل نشره في 30 مارس الماضي، أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والأسواق المالية بوصفها القنوات الرئيسية التي تنقل الحرب إلى الاقتصاد العالمي وتشعل التضخم.
الخليج.. النفط لا يحمي الجميع
وقد يمنح ارتفاع أسعار النفط بعض الدول الخليجية إيرادات أكبر، لكنه لا يعني أن جميع الشركات داخل هذه الدول تستفيد بالدرجة نفسها.
فالزيادة في الإيرادات تصل بصورة مباشرة إلى الحكومات وشركات الطاقة، بينما تتحمل شركات التجزئة والمقاولات والنقل والمطاعم والصناعات الصغيرة ارتفاع كلفة الاستيراد والتأمين والتخزين فوراً.
وتزداد أهمية ذلك لأن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ليست جزءاً هامشياً من الاقتصاد الخليجي، فقد شكلت 94% من الشركات العاملة في الإمارات، وأسهمت بنحو 63% من الناتج غير النفطي، وفق دراسة عن اقتصادات مجلس التعاون أصدرها صندوق النقد الدولي في ديسمبر 2025.
كما توظف هذه المؤسسات أكثر من ثلاثة أرباع العاملين في القطاع الخاص بعُمان، ونحو 60% من العاملين في القطاع الخاص بالسعودية، بحسب الدراسة ذاتها.
وارتفع انفتاح تجارة السلع والخدمات غير النفطية في دول مجلس التعاون بنحو 35 نقطة مئوية بين 2019 و2024، ليبلغ ما يعادل 110% من الناتج غير النفطي، وفق تقرير صندوق النقد.
وتعني هذه الدرجة من الارتباط بالتجارة العالمية أن اضطراب الموانئ لا يبقى مشكلةً بحريةً، بل يصل سريعاً إلى المصانع والمشروعات الإنشائية والمتاجر وشركات التوزيع.
وفي عُمان، مثلت الشركات الصغيرة والمتوسطة نحو 98% من إجمالي الشركات، وأسهمت بنحو 33% من الناتج غير النفطي، ووظفت 76% من القوى العاملة خلال 2023، وفق دراسة نشرها صندوق النقد الدولي في 22 يناير 2025 عن دور هذه المؤسسات في تنويع الاقتصاد العُماني.
ولا تعني هذه الأرقام أن إفلاس الشركات الخليجية أصبح حتمياً، إذ تملك الحكومات أدوات للمساعدة، تشمل برامج التمويل وضمانات الائتمان وتأجيل بعض الرسوم أو المستحقات، لكن قوة الموازنة العامة لا تلغي المشكلة اليومية لشركة دفعت ثمن بضاعة لم تصل، أو تعمل بعقد ثابت السعر، أو تنتظر مستحقات متأخرة من عميل كبير.
الخطر الحقيقي يبدأ من السيولة
وفي قراءته لهذه المعطيات والمؤشرات، قال الخبير الاقتصادي منير سيف الدين، إن أزمة الشحن والطاقة لا تضرب الشركات الصغيرة والمتوسطة فقط عبر ارتفاع التكاليف، بل بصورة أساسية من خلال اختلال تدفقاتها النقدية.
وأوضح سيف الدين في حديثه لـ'الخليج أونلاين'، أن الشركة قد تظل رابحةً من الناحية المحاسبية، لكنها تعجز عن دفع الرواتب أو مستحقات الموردين بسبب تأخر وصول البضائع، وارتفاع كلفة المخزون، وطول فترة تحصيل مستحقاتها من العملاء.
وأضاف أن الاقتصاد يواجه صدمةً مركبةً تبدأ من ارتفاع أسعار الوقود والشحن والتأمين، ثم تنتقل إلى أسعار المواد الخام والسلع الوسيطة، قبل أن تصل إلى التضخم وأسعار الفائدة وشروط الإقراض.
وبحسب سيف الدين، تتعرض الشركة الصغيرة للضغط من أكثر من اتجاه في الوقت نفسه، مع ارتفاع تكاليف التشغيل، وضعف الطلب الاستهلاكي، وصعوبة الحصول على تمويل بتكلفة مناسبة.
وفيما يتعلق بدول الخليج، قال إنه 'لا ينبغي افتراض أن ارتفاع أسعار النفط يوفر حمايةً تلقائيةً لجميع الشركات'، موضحاً أن زيادة الإيرادات النفطية تستفيد منها الموازنات العامة وقطاع الطاقة بصورة مباشرة، بينما تتحمل شركات التجزئة والمقاولات والنقل والمطاعم والصناعات الصغيرة ارتفاع تكاليف الاستيراد والتأمين والتخزين فوراً.
وأشار إلى أن انتقال أي دعم حكومي أو زيادة في الإنفاق العام إلى الشركات الصغيرة قد يستغرق وقتاً، في حين أن التزاماتها اليومية، من رواتب وإيجارات ومدفوعات للموردين، لا يمكن تأجيلها.
ولفت سيف الدين إلى أن اعتماد عدد كبير من الشركات الصغيرة على مورد واحد أو مسار شحن واحد، وافتقارها إلى عقود نقل طويلة الأجل أو مخزون احتياطي، يجعل قدرتها على امتصاص الصدمات أقل من الشركات الكبرى.
وحذر من أن زيادةً تبدو مؤقتةً في كلفة الشحن قد تتحول إلى أزمة سيولة، ثم إلى تأخر في السداد، قبل أن تنتهي بتعثر الشركة أو اضطرارها إلى تسريح جزء من العاملين.
ورأى أن التعامل مع الأزمة يجب ألا يقتصر على مراقبة أسعار النفط أو دعم أسعار الطاقة، بل ينبغي أن يركز على السيولة ورأس المال العامل، من خلال تسريع سداد مستحقات الشركات، وتوفير ضمانات ائتمانية وقروض قصيرة الأجل، ومنح مرونة مؤقتة في الرسوم والضرائب، إلى جانب مساعدة المؤسسات على تنويع الموردين ومسارات الشحن.
وأكد أن إنقاذ شركة صغيرة قابلة للاستمرار من أزمة سيولة مؤقتة سيكون أقل كلفةً من تركها تنهار، ثم تحمل الآثار الناتجة عن فقدان الوظائف وتعطل سلاسل التوريد.


































