اخبار الكويت
موقع كل يوم -ار تي عربي
نشر بتاريخ: ٥ أب ٢٠٢٦
حتى قبل إبرام معاهدة الصداقة والتعاون بين العراق وموسكو عام 1972، كانت حكومة البعث في العراق قد تعاقدت على صفقات الأسلحة السوفيتية، وازداد عدد البعثات العسكرية للضباط إلى أهم المعاهد والأكاديميات الحربية الشهيرة، ونشأت أقسام متخصصة في وزارة الدفاع السوفيتية والأكاديميات للعمل مع المتدربين والدارسين العراقيين. وضاعف من مبيعات الأسلحة تدفق الأموال على العراق من عائدات تأميم النفط، وانطلاق ما عُرف حينها بـ”الخطة الانفجارية”، ومن ضمنها بناء جيش قوي مجهز بالسلاح والعقيدة الشرقية، واختارت بغداد الدخول شريكًا في الحرب الباردة مع موسكو وبلدان حلف وارسو.
كان العراق يفضل الدفع نقدًا عن صفقات الأسلحة، تجنبًا لمرورها في معاملات بنكية ووقوعها تحت الرقابة وانكشاف تفاصيلها، ووجد الجانب السوفيتي في الصفقات المباشرة شكلًا يتجاوز الإجراءات البيروقراطية البطيئة. وأخذت تتقاطر على موسكو وفود عسكرية برحلات مباشرة بين موسكو وبغداد أسبوعيًا، من بين ركابها ضباط برتب مختلفة، مع حقائب محملة بالدولارات والدنانير، وتتم المقايضة بالدبابات والطائرات ومختلف صنوف الأسلحة الأخرى، إلى أن بدأت السيولة النقدية في العراق تتلكأ، خاصة مع اشتعال الحرب العراقية الإيرانية وإعلان موسكو التزامًا “شكليًا” بعدم تزويد طرفي الحرب بالأسلحة، فأخذت بمبدأ البيع بالآجل، وعبر طرف ثالث، إلى العراق. وعندها بدأت تتكدس الديون العسكرية على العراق، وبلغت، ساعة غزو الكويت، زهاء سبعة مليارات دولار.
اعتقد سعدون حمادي، نائب رئيس الوزراء العراقي وعضو مجلس قيادة الثورة، أن تسديدها على الفور لموسكو، التي كانت تعيش سلسلة أزمات اقتصادية خانقة بفعل سياسات آخر رئيس سوفيتي، ميخائيل غورباتشوف، سيدفع الكرملين إلى تأييد غزو إمارة الكويت، صديقة موسكو، لكنها حليف للولايات المتحدة.
فوجئ حمادي برد صاعق من وزير الخارجية السوفيتي إدوارد شيفرنادزه، الذي كان يُعد حينها من أبرز وجوه “البيريسترويكا” (إعادة البناء) التي قادها غورباتشوف، واستقال فيما بعد، لأن صاحب أشهر وحمة خلقية على الجبين كان مترددًا في إنجاز التحول النوعي في الإصلاحات الليبرالية، وكان الأكثر حماسًا لشراكة مطلقة مع الغرب، حتى إنْ تطلب ذلك التنازل عن المصالح السوفيتية الاستراتيجية، مع نظيره الأمريكي جيمس بيكر.
قال شيفرنادزه للزائر العراقي إن موسكو لن تبيع مبادئها مقابل المال، وإنها تستنكر وتعارض احتلال العراق للكويت، وخرق ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي.
وكانت سفارة الكويت في العاصمة السوفيتية آنذاك قد تحولت إلى خلية عمل يقودها السفير الشاب، خريج الولايات المتحدة، عبد المحسن الدعيج، حين فتح أبواب السفارة في شارع (Neopalimovsky) للضيوف من المسؤولين والصحفيين السوفيت.
استقى شارع السفارة الكويتية سابقا اسمه من حرب نابليون على روسيا عام 1812، وانتهت بهزيمة جيوشه وتقهقرها وملاحقتها وصولًا إلى باريس. فقد قرر القائد الروسي الشهير ميخائيل إيلاريونوفيتش كوتوزوف (1745–1813) حرق موسكو أمام تقدم جحافل جيوش نابليون، وأعلن أنه لن يسلم العاصمة الصيفية للقيصر الروسي إلا رمادًا، ونفذ الخطة. وكان مبنى سفارة الكويت في ذلك الحي السوفيتي الوحيد الذي لم تطله النيران، فسمي بالشارع غير المحترق.
احترقت إغراءات حمادي المالية أمام الموقف الذي اعتبره القيادي العراقي غريبًا، لأن موسكو في تلك الحقبة كانت تطرق الأبواب بحثًا عن قروض لمعالجة أزماتها الاقتصادية المتفاقمة. بل إن المباحثات السوفيتية الأمريكية في تلك الأيام تناولت تقديم قرض أمريكي، ومثل ذلك سابقة في تاريخ العلاقات بين موسكو وواشنطن، قبل أن تضع الحرب الباردة أوزارها بإعلان حل الاتحاد السوفيتي في 26 ديسمبر/كانون الأول 1991.
ففي عام 1990، كانت إدارة جورج بوش الأب تناقش سبل دعم إصلاحات ميخائيل غورباتشوف الاقتصادية، إلا أن واشنطن لم تمنح موسكو قرضًا حكوميًا مباشرًا كبيرًا، بسبب معارضة الكونغرس، الذي شكك عدد من أعضائه، وكذلك فريق في الإدارة، بجدوى ضخ أموال في اقتصاد يعاني من أزمة هيكلية عميقة.
بيد أن إدارة بوش قدمت ضمانات ائتمانية لشراء الحبوب والمنتجات الزراعية الأمريكية، وهو ما سهل حصول الاتحاد السوفيتي على تمويل تجاري لاستيراد الغذاء. كما دعمت انضمام الاتحاد السوفيتي إلى المؤسسات الاقتصادية الدولية، وقدمت المساعدات الفنية والاستشارية. ولاحقًا، وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، دعمت الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي برامج المساعدة والإصلاح في روسيا والدول المستقلة حديثًا.
يذكر أن غورباتشوف كان قد طلب، خلال قمة هيوستن لمجموعة السبع في يوليو/تموز 1990، مساعدات مالية واسعة، بل طُرحت أرقام وصلت إلى عشرات المليارات من الدولارات، إلا أن قادة الدول الصناعية رفضوا تقديم “خطة إنقاذ” مالية مباشرة، واكتفوا بدراسة احتياجات الاقتصاد السوفيتي وتقديم مساعدات محدودة ومشروطة.
كان واضحًا أن القراءة العراقية للوضع في الاتحاد السوفيتي كانت خاطئة، كقراءة صدام حسين للوضع الإقليمي والدولي حين قرر غزو إمارة تملك 6% من احتياطيات النفط العالمية، ومع العراق كانت تبلغ، مجتمعة، 16% من الاحتياطي العالمي، الأمر الذي ما كانت القوى الكبرى تسمح به، في كل الأحوال.
سلام مسافر
يتبع…
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب


































