اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٤ حزيران ٢٠٢٦
بينما يتسابق العالم نحو «المستقبل الأخضر» وتتصاعد الوعود بالتخلي الكامل عن محركات الاحتراق الداخلي لمصلحة الكهرباء، بدأت تظهر في الأفق غيوم من نوع آخر. فالثورة التي يقودها المحرك الكهربائي لا تعتمد فقط على الأسلاك والبرمجيات، بل ترتكز بشكل أساسي على ما يُعرف بـ «الوقود الجديد»: المعادن النادرة. وهنا يبرز التساؤل الحقيقي: هل يمكن لصناعة السيارات أن تصمد تحت ضغط الارتفاع الجنوني في أسعار الليثيوم والكوبالت؟
إن السيارات الكهربائية، في جوهرها، هي «مخازن متنقلة للمعادن». فالبطارية التي تمنحك الهدوء والسرعة تتطلب كميات هائلة من الليثيوم والنيكل والكوبالت، وهي معادن لا تتوافر بوفرة في كل مكان، بل تتركز في مناطق جغرافية محدودة، وغالباً ما تكون عرضة للتوترات السياسية. هذا التركز الجغرافي جعل من هذه المعادن «نفط القرن الواحد والعشرين»، حيث تؤدي أي اضطرابات في سلاسل التوريد أو زيادة في الطلب إلى قفزات سعرية هائلة تنعكس مباشرة على تكلفة تصنيع السيارة، وبالتالي على سعرها النهائي في صالات العرض.
لقد أصبحت أسعار الليثيوم، على وجه الخصوص، مؤشراً حيوياً لمستقبل الصناعة. فمع تزايد إقبال المستهلكين في الكويت والعالم على السيارات الكهربائية، ارتفع الطلب على البطاريات بشكل فاق قدرة المناجم على الإمداد. هذا «الاختناق المعدني» يضع شركات السيارات أمام مأزق حقيقي؛ فكيف تفي بوعودها في توفير سيارات كهربائية بأسعار معقولة بينما ترتفع تكلفة المكون الأساسي لها؟ هذا الضغط لم يعد مجرد أزمة اقتصادية، بل أصبح تحدياً تقنياً دفع الشركات للبحث عن بدائل، مثل تطوير بطاريات تعتمد على الصوديوم أو تقليل نسبة الكوبالت، الذي تحيط بظروف استخراجه تساؤلات أخلاقية وبيئية كبرى.
في الواقع، إن «ضغط المعادن» يعيد صياغة مفهوم الاستدامة نفسه. فالشركات التي تضع «الإنسان أولاً»، تدرك أن حماية البيئة لا يجب أن تأتي على حساب تدمير مناطق أخرى من الكوكب لاستخراج المعادن. لذا، بدأ التوجه نحو «الاقتصاد الدائري»؛ أي إعادة تدوير البطاريات القديمة لاستخراج المواد الثمينة منها مرة أخرى، وتحويل البطارية المستعملة من «نفايات» إلى «منجم متجدد».
ولا يتوقف الأمر عند التصنيع، بل يمتد إلى الصيانة أيضًا. فارتفاع تكلفة المواد يعني أن قطع الغيار قد تصبح أكثر تكلفة أو أقل توفرًا في بعض الحالات. وهنا يتقاطع هذا الموضوع مع ما تحدثنا عنه سابقًا: تجربة ما بعد البيع. فتوفر القطع وسرعة الإصلاح لم تعد مسألة لوجستية فقط، بل مرتبطة بشكل مباشر بسوق المواد العالمي.
في الكويت، قد لا يظهر هذا التأثير بشكل مباشر في البداية، لكنه موجود. تغير الأسعار، اختلاف المواصفات بين دفعة وأخرى، أو حتى تأخر بعض الطرازات، كلها مؤشرات على أن ما يحدث في مصانع بعيدة، يصل تأثيره إلى السوق المحلي بشكل أو بآخر. ومع كل هذه التحديات، لا تقف الشركات مكتوفة الأيدي. بل تبدأ في إعادة التفكير في كل شيء: من اختيار الموردين، إلى تصميم السيارة، إلى استراتيجيات الإنتاج. الهدف لم يعد فقط تقديم سيارة جيدة، بل تقديم سيارة يمكن إنتاجها واستمرارها في سوق متغير.
لكن، بعيداً عن صراع المناجم وتكلفة التصنيع، هناك محرك آخر يحرك قراراتنا اليومية كبشر. محرك يرتبط مباشرة بجيوبنا وبالمبالغ التي ندفعها في كل مرة نتوقف فيها عند محطة التزود بالطاقة. فالأرقام التي تظهر على شاشة «المضخة» قد تكون هي الدافع الأكبر لتغيير قناعاتنا القديمة. في المقال القادم، سنغوص في سيكولوجية السائق واختياراته عندما تضيق الخيارات الاقتصادية: «عندما ترتفع أسعار الوقود.. كيف يتغير اختيار الناس للسيارات؟».. وكيف نتحول تدريجياً، وبفعل الضرورة، نحو عالم الهجين والكهرباء؟
مشعل يوسف الصفران


































