اخبار العراق
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٨ تموز ٢٠٢٦
صناعة عرضت بلاد الرافدين لأخطار أمنية وأدخلتها في معادلة المحاصصة والبطالة المقنعة
شهد هذا العام مرور 100 عام على استكشاف النفط في العراق، الذي صار ثاني أكبر مصدر للبترول في منظمة 'أوبك'، بعد السعودية. وبعد عقود من رحلة التنقيب والاستخراج الشاقة في بلد اعتاد الاضطراب السياسي باتت الاستراتيجيات النفطية المتخبطة مربكة لعمليات الاستخراج والتسويق، وأصبحت بلاد الرافدين معرضة لأخطار أمنية ومغامرات غير محسوبة تنعكس على القطاع برمته.
وحين يراجع العراقيون رحلة نفطهم، الذي يؤمن لهم حاجاتهم الأساسية الكفيلة في العيش وإدامة وتيرة الحياة بنسبة تفوق 90 في المئة من مجمل الدخل القومي، يقفون أمام موقع يسمونه بـ'النار الأزلية' المشتعلة منذ عقود من الزمن في محافظة كركوك الشمالية (250) كيلومتراً شمال بغداد، حين تدفق النفط للمرة الأولى من بئر في حقل يسمى 'بابا كركر' معلناً للعالم ولادة دولة نفطية جديدة.
ومنذ انضمام العراق إلى قائمة الدول المنتجة للنفط آنذاك، احتل سريعاً مراكز متقدمة في الإنتاج والتسويق، وكان للنفوذ البريطاني خلال مطلع تأسيس الدولة العراقية دور مهم في جعلها دولة نفطية جديدة في الشرق الأوسط.
ولا تزال كركوك بحقلها التاريخي تنتج النفط، وهي موضع تنافس بين إقليم كردستان وبغداد، إذ تطالب أربيل بالاستحواذ على المحافظة الكردية وحقولها النفطية، وهو ما تقابله الحكومة المركزية بالتجاهل، بل إن الدستور العراقي نص على سيطرة على النفط وحقوله ومنشآته في عموم البلاد.
أسئلة كثيرة تثار خلال هذه الذكرى المئوية لعصر النفط العراقي، في مقدمها هل كان النفط نعمة حقيقية حركت عجلة الاقتصاد وخلصت البلاد من جمود السياسة والإيقاع البطيء الذي سببه الاحتلال العثماني لستة قرون خلت؟ وهل كان النفط هو المحفز الاجتماعي لتطور المجتمع في مجالات التعليم والصحة والمدنية والتحضر؟
يجمع كثير من الباحثين على أن النظام الملكي العراقي كان أكثر فهماً لمعادلة إنتاج وتسويق النفط، وأكثر حنكة في توظيف المتغير الدولي لهذه السلعة الثمينة التي تتقاتل عليها الدول، فكان نوري السعيد رئيس الحكومة خلال الثلاثينيات وحتى سقوط النظام الملكي، يتجنب التفاوض على النفط معتمداً على حلفائه الإنجليز، ويوصي ببيعه بالأسعار العالمية، ويشيع جو الاستقرار والحماية للحقول وتجنيبها أية مغامرة عسكرية أو سياسية.
لكن زعماء النظام الجمهوري بعد عام 1958 ضربوا قواعد الحماية الملكية لهذا المنتج الحيوي الذي تعاظمت أهميته جراء توسع الطلب عليه، وأدخلوا البلاد في حروب إقليمية جعلت حقول النفط تحترق وصناعاته تتبدد، كما حدث في حرب الثمانية أعوام (1980ـ 1988) بين العراق وإيران التي أحرقت الأخضر واليابس، كما يصفها المراقبون.
تقف الحرب العراقية الإيرانية – وفق المراقبين – وراء تحجيم إنتاج النفط وتقليص قدرة بغداد التصديرية، بعدما دمرت الحقول النفطية وأسطول النقل البحري الذي كان يمنح البلاد فرصة التسويق للعالم. وتكرر المشهد خلال حرب عام 1991 بعيد غزو الكويت التي كانت لحظة فاصلة لحجم الخسائر العسكرية والدمار الذي أصاب قطاعات واسعة أحدثت تحولاً فاصلاً في طبيعة العلاقة بين الدولة ومؤسساتها.
يرى وزير النفط العراقي السابق جبار علي اللعيبي، أن مسار القطاع النفطي خلال العقود الماضية تعرض لتذبذب واضح، إذ شهدت حقبة سبعينيات القرن الماضي تطوراً ملحوظاً في الصناعة والحقول حتى وصل الإنتاج إلى 4 ملايين برميل يومياً، مؤكداً أن هذا الرقم كان أعلى معدل وصلت إليه البلاد قبل انتهاجها خطاً علمياً في تحديث القطاع وتطويره.
وقال إن الكوادر الوطنية العراقية أسهمت في بناء القطاع النفطي من خلال الشركة الوطنية العراقية التي قام صدام حسين خلال عام 1986 بإلحاقها بوزارة النفط بعدما كانت نشاطاً مستقلاً تماماً بمجلس إدارة واسع يشارك فيه صدام كنائب رئيس مجلس قيادة الثورة، وتابع 'كانت وزارة النفط في تلك الحقبة عبارة عن هيكلية صغيرة تعنى بالخطط الاستراتيجية وبعض الأمور ذات الصلة، وعليه لم تكن تتمتع بالقدرة الكبيرة لاستيعاب شركة النفط الوطنية بكبر واتساع نشاطاتها وهيكلها الإداري، والنتيجة كانت تجميد نشاط الشركة بصورة كاملة، وهذه مرحلة مفصلية في تاريخ القطاع النفطي، تزامن ذلك مع هجرة أو ترك كوادرها المؤسسين أو العاملين في الحلقات الأساسية من تكوينها'.
وأوضح اللعيبي أن 'فكرة تأسيس شركة النفط الوطنية العراقية تعود إلى حقبة أول رئيس للوزراء بعد العهد الملكي عبدالكريم قاسم (1958 -1963) مع إصداره القانون رقم 80، لكنها وبسبب التغيرات السياسية في البلد ظلت تمر بعدد من التشريعات والقوانين، وبانطلاق مسيرة التطوير الوطني المباشر لحقول النفط الذي بدأ باستثمار حقل الرميلة الشمالي واقترنت تلك الخطوات بمراحل تأميم النفط في الأول من يونيو (حزيران) لعام 1972'.
يؤكد وزير النفط العراقي السابق جبار علي اللعيبي، أن سياسة المحاصصة قادت البلاد إلى خراب القطاع، قائلاً 'خلال الـ100 عام الماضية أسهم النفط بدرجات متفاوتة في تقدم ونهضة البلد وبناء مؤسسات دولة، لكن العقود المقبلة أرجح بأنها ستكون صعبة على القطاع وكل تشعباته، بل ستكون وبالاً ونقمة إذا استمر الوضع كما هو عليه حالياً'.
وقال 'أبرز التحديات التي واجهت قطاع النفط خلال الأعوام الأخيرة يتمثل في تخبط الإدارات المتعاقبة عليه، رافقه غياب الرؤى الاستراتيجية وفقد سياسة نفطية سليمة، فالوضع الحالي يتمثل في التسابق واللهاث والصراع السياسي على وزارة النفط، ليس لتطويرها ورفع أدائها بل للاستفادة من خيراتها، وهذا يمر من خلال تنصيب إدارات غير كفؤة، وغير مقتدرة، حتى وصل السيل إلى المنافسة الشرسة على أدنى مستويات الإدارة فيها من مدير قسم وما دون لأغراض الاستفادة وليس الناتج، والهدف المنشود هو تسخيره لمصالح ضيقة، أو في الغالب لإرضاء الساسة'.
ومضى في حديثه 'ينعكس القرار السياسي على تشكيل وزارة النفط واختيار مسؤوليها، فكان معيار الوزارة يعني الحصول عليها مقابل 18 مقعداً في مجلس النواب من خلال المحاصصة، وكل وزارة لها معيار حتى تدخل رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني على الخط ورفع المعيار إلى 22 مقعداً في البرلمان وصارت كتلته البرلمانية (البناء والإعمار) مرشحة لوزير النفط'.
يذهب مظهر محمد صالح مستشار رئيس الوزراء العراقي للسياسة المالية إلى أن 'عام 1991 يمثل لحظة فاصلة في تاريخ الدولة العراقية، إذ أحدثت حرب الخليج الثانية أضراراً كبيرة خلال العمليات العسكرية، فقد تعرضت قطاعات الطاقة والنقل والاتصالات إلى مرحلة الدمار العام وما رافقها من العقوبات الدولية، والعزلة الاقتصادية واحتمالات المواجهة العسكرية، ولم تكن مجرد مرحلة إعادة الإعمار كما زعم النظام السابق'، وتابع 'لم تقتصر آثار الحرب على الخسائر العسكرية والدمار الذي أصاب قطاعات واسعة من الاقتصاد الوطني، بل أحدثت تحولاً في طبيعة العلاقة بين الدولة ومؤسساتها، وبين السلطة والمجال المادي الذي تتحرك فيه منظومات أساسية من البنية التحتية العراقية'.
ويؤكد صالح في حديث إلى 'اندبندنت عربية' أن 'عملية التعامل مع المنشآت الحيوية لم تعد محكومة فقط باعتبارات اقتصادية أو تنموية، بل دخلت ضمن حسابات أمنية وسياسة أوسع، إذ لم يتحول ارتفاع الإيرادات النفطية إلى زيادة متناسبة في رأس المال الإنتاجي، بل ارتبط بدرجة أكبر بتوسع الإنفاق التشغيلي والاستهلاك والاستيرادات، وهذا يعني أن الاقتصاد أصبح يحقق اعتماداً متبادلاً بين النفط والاستهلاك الخارجي، وليس بين النفط والإنتاج الداخلي، وشهدت تجربة العراق بعد حرب الخليج الثانية تدمير جزء كبير من القدرة المالية للدولة'.
يقدم مظهر محمد صالح تصوراً أولياً عن الإمكانات المتاحة لتفعيل القطاع النفطي كطاقة رئيسة لخدمة البلاد، فيقول 'ما زال العراق متخلفاً في إنشاء مصانع تعتمد على النفط والغاز والمنتجات النفطية، ويضطر إلى استيراد حاجاته من الخارج وهو يحتاج إلى بنى تحتية ومنافذ تصدير استراتيجية لتصدير النفط الخام لتأمين مستقبل أجياله، وما زالت الفرصة سانحة أمام البلاد'، وتابع 'يجب أن تكون الـ100 عام الماضية درساً بليغاً لإدراك نتائج الهدر الكبير لثروة النفط، ليس فقط عبر استخراجه، بل عبر استثمار أمواله الحالية في تطوير قطاعات الطاقة النظيفة والشمسية والاستثمار المكثف في التعليم والتكنولوجيا لبناء اقتصاد المعرفة... لقد كان النفط للعراق بمثابة طوق نجاة سحب البلاد نحو الحداثة، واليوم نحتاج إلى وضع استراتيجية اقتصادية تعتمد على دولة منتجة بعقول أبنائها وتنتقل إلى اقتصاد المعرفة'.
ويرى أن البداية الصحيحة تنطلق من 'بدء مراقبة موضوعية لواقع القطاع النفطي في العراق تعالج أزمة الهدر في هذا القطاع'، محذراً من استمرار اعتماد الموازنات العامة للدولة في دفع الرواتب على العوائد النفطية إذ 'تنفق أكثر من 70 في المئة من عوائده على الرواتب، إذ يتقاضى 7 ملايين موظف حكومي رواتبهم من عائدات النفط، والسلطة لا تملك غير تأمين المليارات كرواتب في أضخم بطالة مقنعة تشهدها البلاد في تاريخها، مع هدر كبير للغاز المصاحب لحقول النفط بدافع استيراده من إيران بمبلغ يصل إلى 6 مليارات دولار سنوياً، وصارت وزارة النفط ينخرها الفساد والمحاصصة السياسية'.
ويوضح أن 'تحويل النفط إلى نعمة خالصة في القرن المقبل يعتمد تماماً على مدى قدرة العراق على وضع خطط نفطية طويلة المدى للحاق مع أقرانه لبناء نشاطات نفطية وغازية وصناعات تعتمد على نشاطاته وتغير طريقة تسويقه إلى نشاطات تجارية، بدلاً من الأساليب القديمة التي يعتمد عليها وتنفيذ مشاريع مهمة واستراتيجية مثل مشروع حقن الماء لآبار النفط، وعلاقات نفطية واسعة وطموحة تهدف إلى تطوير حقول نفط جديدة في الجنوب وتنفيذ خطط لإكمال بنى تحتية طموحة وواسعة'.






































