اخبار العراق
موقع كل يوم -المسلة
نشر بتاريخ: ٢٧ أب ٢٠٢٦
27 غشت، 2026
بغداد/المسلة:
محمود الهاشمي
يكاد يجمع المفكرون على أن العالم يشهد تحولا، وأن الأيام المقبلة تحمل معها رياح التغيير، وأن منطقة الشرق الأوسط ستكون نقطة البداية.
معركة 'طوفان الأقصى' سرعت من 'ديناميكية التغيير'، وباتت القضية الفلسطينية معادلا موضوعيا لأي انتخابات في العالم، بعد أن كانت اتفاقية أوسلو قد ألغت مشروع 'دولة فلسطين'، وجعلت القضية 'شأنا فلسطينيا'. وباتت الدعوات إلى التطبيع مع العدو الصهيوني جزءا من يوميات القادة العرب، بل ظهر كتاب وإعلاميون متخصصون يحثون القيادات العربية على الإسراع في التطبيع.
ومن النماذج على ذلك ما كتبه الإعلامي الكويتي الشهير أحمد الجار الله في افتتاحية جريدة 'السياسة' الكويتية، قبل أسبوع من معركة 'طوفان الأقصى'، تحت عنوان 'محمد بن سلمان اعقلها وتوكل'، حاثا ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على الذهاب نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني، ومؤكدا له أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية العرب، وإنما هي 'شأن فلسطيني'.
لم تكن معركة 'طوفان الأقصى' حدثا 'مفاجئا'، وإنما جاءت في ظل ظروف دولية كانت تتطور باتجاه مواجهة التفرد الأميركي. فالصين باتت نواة لمشروع قطبي جديد، واليسار ينهض في أميركا اللاتينية من جديد، فيما أعلنت دول عدة خصومتها مع الولايات المتحدة، مثل إيران والبرازيل وكولومبيا وغيرها. وفي الوقت ذاته، برزت نزعة لدى دول أخرى للتخلص من الهيمنة الاقتصادية والعسكرية الأميركية، ومنها دول أوروبية وكندا وغيرها.
ولم يكن مجيء ترامب رئيسا للولايات المتحدة، لولايتين، مجرد سياق تقليدي في هذه الدولة، وإنما أنتجته ظروف أميركا الجديدة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الدينية، ويشير مجيئه، في نظر كثيرين، إلى بداية تراجع الحضارة الغربية.
والحرب التي قادتها أميركا وإسرائيل على إيران تمثل جزءا من تخبط الولايات المتحدة في قراراتها، والتي جعلت قطاعات واسعة من الشعب الأميركي ترى أن هذه ليست حرب أميركا، وإنما 'حرب إسرائيل'.
هذا القرار زج بالولايات المتحدة في حرب بمنطقة ساخنة الأحداث وعميقة الأزمات، وجعل محللين يصرون على أن نتائجها ستكون كارثية على أميركا ومستقبلها، بعدما استنزفت قواها وكشفت مواطن ضعفها، وأوصلت ديونها إلى نحو 40 تريليون دولار.
الدول العربية، بأجمعها، لا تبدو وكأنها تملك مشروعا مستقبليا لشعوبها، ولم تدرك حتى اللحظة ماذا سيحدث 'لو انسحبت القوات الأميركية من المنطقة'.
يبدو أن معظم القادة العرب يغمضون أعينهم ولا يريدون معرفة 'مصير بلدانهم'، إذ إنهم حتى الآن غائبون عن المشهد. فلا أحد منهم أنتج حلا، أو خطط لاتفاق، أو تجمع، أو حتى دعا إلى مشروع، وإنما 'ينتظرون المنتصر في الحرب كي يلتحقوا به' ويمضوا معه فيما يخطط.
ولا شك في أن هذه القضية موضع تساؤل لدى الأوساط النخبوية في البلدان العربية وخارجها: كيف لأمة يبلغ عدد سكانها نحو 500 مليون نسمة ألا تكون قادرة على التفكير في مستقبلها؟
لا أعرف إن كان العرب قد أدمنوا 'الكسل' أو 'الاتكاء' على غيرهم، بسبب طول مدد الاستعمار التي مرت بها بلدانهم وامتدت لقرون.
كنت أظن أن المملكة العربية السعودية قد أفاقت من غفوتها يوم استضافت على أرضها ثلاث قمم استثنائية أو تاريخية، أبرزها القمم الثلاث في الرياض عام 2022 مع الصين: السعودية-الصينية، والخليجية-الصينية، والعربية-الصينية. وكذلك قمم مكة الثلاث عام 2019: الخليجية الطارئة، والعربية الطارئة، والقمة الإسلامية، إضافة إلى حزمة القمم التي عقدت في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 لبحث تطورات قطاع غزة، فضلا عن إعادة العلاقة مع إيران وغيرها.
لكن جميع هذه القمم باتت مجرد 'تاريخ'. فعندما تم استهداف المصالح الأميركية على أراضيها، هرعت السعودية إلى اتفاقية دفاع مع باكستان، وكأنها لم تنفق نحو 350 مليار دولار على استيراد الأسلحة منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، ليتبين، وفق هذا الطرح، أنها لا تملك جيشا أو سلاحا قادرا على الدفاع عن أرضها. وآخر مشاريعها كان 'اتفاقية الدفاع المشترك' بينها وبين باكستان وتركيا.
دول الخليج عموما ليست في موضع 'السؤال'، بحسب هذا التصور، فهي كانت محميات بريطانية ثم أميركية، بمساحات جغرافية صغيرة، ومعظمها صحارى، وبأعداد سكان محدودة. ومهما بالغنا في احتساب الأرقام، فإن بعضها لا يصل إلى مليون نسمة من المواطنين الأصليين، كما في دولة قطر، فيما لا يتجاوز عدد المواطنين الأصليين فيها، بحسب الأرقام المتداولة، نحو 380 ألف نسمة.
أما السعودية، فيقارب عدد مواطنيها الأصليين 20 مليون نسمة، إلا أن الدولة، وفقا لهذا النقد، أقعدتهم عن العمل النافع، فتحولت إلى مجرد نفط يباع وأموال تنفق بلا هدى. ويكفي شاهدا على ذلك، بحسب هذا الطرح، أن نسبة كبيرة من العاملين في القطاع الطبي من الأجانب.
أما الإمارات، فمشكلتها، وفق التصور ذاته، أن عدد مواطنيها محدود مقارنة بعدد الأجانب المقيمين فيها، الذين يقدرون بنحو عشرة ملايين.
والدول العربية الأخرى غارقة في أزماتها، خاصة تلك التي عصفت بها أحداث الربيع العربي. وكان المعول على مصر، بتاريخها وعدد سكانها وموقعها وثقافة شعبها وقوتها العسكرية وسلاحها، أن تأخذ دورها الريادي، لكن أزمات اقتصادية كبيرة أثقلت كاهلها وفاقت إمكانياتها.
حلف الناتو فوض تركيا، بصورة غير رسمية، برعاية مصالحه في المنطقة.
والولايات المتحدة رحبت باتفاق تركيا وباكستان والسعودية، باعتبار أن دول المنطقة هي التي ستتولى الاهتمام بأمنها، دون الحاجة إلى الآخرين.
أما إيران، فرأت في الاتفاق التركي السعودي الباكستاني إعلانا بهزيمة أميركا.
وبعد أن عجزت القوات الأميركية عن هزيمة إيران عسكريا، وحتى اقتصاديا، انتقلت واشنطن، بحسب هذا التحليل، إلى الخطة 'ج'، عبر السعي إلى نزع سلاح محاور المقاومة باستخدام ضغط حكومات الدول التي توجد فيها هذه المحاور، وهي العراق ولبنان واليمن وغزة.
وسرعان ما استجابت حكومات هذه الدول ورفعت شعار 'السيادة' عنوانا لهذا الضغط، وحجة أمام الملأ لا أكثر.
إن ما دفع قادة هذه الحكومات إلى الموافقة على المخطط الأميركي الإسرائيلي بالضغط لنزع سلاح المقاومة، لم يكن عن 'قناعة' بالمخطط، فهي تعلم أنه يصب في صالح إسرائيل، لكن القادة العرب لا يملكون 'الصبر'. ولذلك خسروا جميع المعارك أمام العدو الصهيوني خلال بضعة أيام، ثم عادوا ليجلدوا أنفسهم بدعوى 'الخيانة' أو بترديد عبارة 'هذه أميركا العظمى'.
والسؤال هنا: ماذا لو وقع على إحدى دولنا العربية ما وقع على إيران؟
ثمانية وأربعون عاما من الحصار، مع آلاف العقوبات التي فرضتها دولة متفردة في العالم، هي الولايات المتحدة، ثم هجمات عسكرية أميركية إسرائيلية قتلت الخطوط الأولى والثانية والثالثة من القيادات السياسية والعسكرية والحكومية، ودمرت البنى التحتية، وقطعت المياه والكهرباء، وضربت المطارات.
حتما سيخرج زعماؤنا العرب ويجهشون بالبكاء، ويقولون إن '99 بالمئة من الموقف بيد أميركا'، ثم يتوغلون في طين 'التطبيع'، أسوة بمن سبقهم.
كنا نتصور أن الدول العربية، بعد أن خرجت من مربع الاستعمار في تفكيرها وبدأت تكون وعيها العربي، ستنهض لتكون مركزا دوليا أهم من أوروبا نفسها، بما تمتلكه من تاريخ وجغرافيا وثروات اقتصادية وبشرية. لكن عبثا كان تفكيرنا.
إن كل الأحزاب القومية والدينية والمادية والليبرالية التي اعتنقها العرب وكافحوا من أجلها، لم يرقوا إلى مستوى متبنياتها بعد تطويرها وتدجينها. وبدلا من ذلك، أحلوا بها اللعنة، واعتقدوا أنها وراء تخلفهم، بل جاهروا بقتل قادتها.
وفيما تككدس تركيا وإيران وإسرائيل الأسلحة لمواجهة التحديات التي تمر بها المنطقة والعالم، اتجه القادة العرب إلى 'نزع سلاح' أحد أهم مصادر قوتهم، وهي 'المقاومة'، التي كانت وما زالت، بحسب هذا الرأي، سببا في التحولات التي شهدتها المنطقة والعالم، وفي إعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث العالمية والإقليمية، بعد فترة طويلة من التراجع والتهميش والإقصاء.
وحين تسأل القادة العرب عن مرحلة ما بعد 'نزع سلاح' المقاومة، يأتيك الجواب:
'لكل حادثة حديث'.
مثلهم مثل الجندي الذي كلما اشتدت المعركة واقترب النصر، راح يفكر في أن يقع أسيرا بيد عدوه ويتخلص من المسؤولية.
في العراق، مأساة تشبه مآسي الدول العربية الأخرى، حيث يواجه العراقيون التحولات في المنطقة عبر عملية سياسية بائسة، بعد أن سقط حملها إلى الأرض، وبات الرئيس الأميركي ترامب يختار من يشاء ويحذف من يشاء من المسؤولين، وليس لنا سوى 'السمع والطاعة'.
وجوارنا سوريا، بعد أن يبس عودها بسبب الحصار العربي وإنفاق المليارات العربية من أجل إسقاط حكومة بشار، جاؤوا لها بحاكم 'مصنوع' في معامل الإرهاب، فسارع إلى إقامة العلاقة مع إسرائيل قبل أن يبلط شارعا واحدا في دمشق.
أكثر جملة تزعجني هي: 'نجنب دولنا الحرب الدائرة في المنطقة'، وكأن الحرب ليست من أجل قضيتنا التي كبرت في أحشائنا: فلسطين.
وكأن اختباءنا خلف عباءات نسائنا سيجعل رئيس وزراء العدو الصهيوني نتنياهو يخجل، ولا ينشر خريطة 'إسرائيل الكبرى'.
وأنا أختم، أقول للقادة العرب: إن قوة الأمة لا تعني أن تتخلى الدول عن سيادتها، وإنما أن تعرف أين تكون السيادة. فالدولة العربية القوية تحتاج إلى محيط عربي قوي، والمحيط العربي القوي يحتاج إلى دول مستقرة وقوية.
وعلى القادة العرب أن يستفيدوا من المنجز الذي تحقق على يد محاور المقاومة، سواء في مواجهة الوجود العسكري الأميركي في المنطقة أو في مواجهة الكيان الصهيوني، وأن يجعلوا من ذلك منطلقا لنصرة الشعب الفلسطيني وقضايا الأمة العادلة الأخرى.
وعلى القادة العرب اليوم أن ينتقلوا من 'التضامن في البيانات' إلى 'التضامن في المصالح والقرارات والأفعال'، لاستعادة الأمة جزءا من وزنها وتأثيرها في عالم شديد التنافس.
لقد استنزفت الخلافات بين الحكومات العربية طاقة الأمة لعقود. وليس المطلوب أن تتطابق السياسات في كل شيء، وإنما أن نتعلم إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى خصومة أو قطيعة أو صراع.
كما أن الاهتمام يجب أن يتجه إلى الشعوب، لا إلى الأنظمة فقط. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالأمن وحده، وإنما يحتاج المواطن العربي إلى تعليم جيد، وفرص عمل، وعدالة، وخدمات، وكرامة، وأمل بالمستقبل.
والعالم يتجه نحو التكتلات الاقتصادية الكبرى، فيما تمتلك الدول العربية المال والطاقة والموقع الجغرافي والأسواق والموارد البشرية، لكنها لا تستثمر هذه الإمكانات بما يكفي في مشروع مشترك.
والإسلام مصدر قوة للأمة، به ارتفع شأنها وازدهرت حضارتها، ولذلك يجب ترسيخ العقيدة الإسلامية في نفوس شعوبنا، وألا تكون مدعاة للخلافات والفتن.
وعلى القادة العرب أن يعلموا أن الدفاع عن مصالح الأمة وحمايتها لا يكون باستقدام الأجنبي إلى المنطقة، فالأمة التي لا تحمي نفسها بنفسها تكون نهبا للآخرين.
كما ينبغي الانفتاح على دول جوار الأمة والاستفادة من خبراتها في المجالات كافة، مع تقدير التاريخ المشترك والمصالح المشتركة.
About Post Author
زين
See author's posts






































